المثقف بين الانتقاد والضمير – محمد العيسى

المثقف بين الانتقاد والضمير:

يقدم بعض المثقفين أنفسهم على أنهم مصلحين للدين وذلك عندما ينتقدون بعض الممارسات الدينية أو الشعائر المنسوبة للدين ويتهكمون على ممارسيها متهمين إياهم بالسطحية وباتباع الخرافات وعدم معرفة جوهر الدين الحقيقي وبالانحراف في طلبه عن الجوهر إلى القشر والمظهر.

لا أستطيع أن أشكك في صدق نوايا هؤلاء المثقفين ولا أن أمنعهم عن ممارسة هذا الإنتقاد إذا كان ينبع من ألم الضمير الذي يعود سببه إلى غيرتهم الحقيقية على دين الله من التحريف لأن منعي لهم معناه أني أطلب منهم أن يقتلوا ضمائرهم.

ولكني باسم الضمير أيضا أسألهم أن يجيبوا على هذا السؤال:

“هل معرفتكم لحقيقة وجوهر دين الله وطرق عبادته الحقيقية التي انحرف عنها هؤلاء الرعاع – في نظركم – جعلتكم أكثر منهم تقوى لله وورعا عن محارمه وأكثر إنتاجا في الأرض؟ وهل وجدكم الله في محلات طاعته أكثر منهم أو فقدكم من مواطن معصيته أكثر منهم؟”

إذا كان الجواب “نعم” فهنيئا لكم بعملكم الجهادي في سبيل حماية دين الله.

أما إذا كان الجواب “لا” فأسألكم أن تقرؤوا هذه الآية الكريمة وتتأملوا فيها:

{وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبهُمْ اللَّه وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ}

“المتقي” هو ولي الله والعبادات كلها هدفها الوصول إلى هذه التقوى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). والشعائر والممارسات غايتها الأساسية هي الوصول إلى هذه التقوى { لَنْ يَنَال اللَّه لُحُومهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ }.

وهذه “التقوى” هي المعيار للتمييز بين من وفق لاتباع جوهر الدين وإصابة حقيقته ممن انحرف عن جوهر الدين. و”التقوى” هي المعيار لمن هو “ولي” لله ممن هو ليس من أوليائه (إن أولياؤه إلا المتقون).

فإن لم تكن عزيزي المثقف من أولئك المتقين فمعناها أن عبادتك وشعائرك التي تمارسها -والتي تعتقد أنها هي جوهر الدين ونسخته غير المحرفة والتي رفعت عقيرتك تتهكم على الآخرين بعدم إدراكها- تحتاج منك إلى مراجعة وتصحيح قبل أن تجعلها معيارا تطالب الآخرين باتخاذه قدوة ومثلا لهم.

واترك هؤلاء الرعاع -في نظرك- يمارسوا عبادتهم وشعائرهم التي هم عليها طالما أنها قادتهم إلى التقوى التي عجزت عن الوصول إليها بعبادتك التي تظنها صحيحة.

فولي الله أولى أن ينصح ويهدي غير ولي الله لدين الله وليس العكس لأن العكس هو “تصدية” عن دين الله..

____

لقد كتبت هذه المقالة لنفسي وفي كل مرة أتناول القلم والورقة لأنتقد الدين أو المتدينين أقرؤها ثم أعدل إلى نص أدبي أو قطعة شعر أو مباراة كرة قدم أفرغ فيها طاقة النقد المبتلى بها المثقفون..

طاب يومكم.

محمد العيسى

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=10153447327128371&id=735618370

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة