مناقشة وجود القابل عند السائل.
اعني القابل في فهم الفتاوى للمراجع العدول وأجوبتهم المبنية على علوم الشريعة فقد ظهر من يشنع على بعض الفتاوى وهو لا يعلم أن الفتوى لا تصدر من العالم الرباني إلا بعد التدقيق والتمحيص الشديدين حتى لتقتل المسالة بحثا وإرجاعا وتقديما حتى تخرج بشكلها الأخير وبعدها كلمة والله اعلم.
أسأل فيعرف المسئول ما هي أفاق معلوماتك وتتكشف له اعماقك :
من يسأل في العادة يكشف مكنونه وقدر مخزونه العلمي وقد يكشف عن شخصيته ويجوز ان يكشف حتى نواياه بهذا السؤال كما في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين الأمام علي انه (قال عليه السلام: تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا، فَإِنَّ الْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ.) .
فالسؤال والجواب كاشفين عن طي اللسان فما بالكم اذا اخذ احدهم يشنع على جواب مسألة او حكم شرعي ! هذا الشخص بين ثلاثة أمور أما انه بالفعل قد امسك بمقاليد المسألة علما وفهم ودراية ورواية أو انه في قصور عن الفهم أو نه والعياذ بالله في تقصير .
فأما من علم وفهم وكان من اهل المعرفة فبحثه يجب ان يكون في زمانه ومكانه ولا يكون تشنيعا بين العامة وفي العادة او ما جرت عليه ألأمور العقلائية لن يكون هناك غير الحجة بالحجة ومقارعتهما لتتمخض الفوائد وتتبلور المعلومات عند اهل الحواضر العلمية ولكن ما نريد ان نتعرض له هم الصنفين الأخيرين القاصر والمقصر المشنع عن جهل او تجاهل :
اما عن لمذا اخترنا هاتين الشريحتين بالذات ؟
فجوابه اننا انما نعاني من هذه الفوضى الكلامية والتلوث الفكري بل الانهيار السلوكي الذي يوجه عبر الأعلام وعبر المجالس وغيرها من سبل التواصل حتى ملأت المجال الافتراضي بتلك الاشكالات والتشنيعات والاستهزاءات وصارت حاجزا تقف خلفه عبارات التشكيك والتخوين والتجهيل وكثير من حروف التنقيص والتحقير , ولكنك لو تفحصت تلك الإشكالات في العموم لرأيتها اشارة لجهل او تجاهل مطلقها في العادة .
أمثلة على تلك الإشكالات والرد عليها :
1- مقدار العورة بين المحارم : حينما يسأل الفقيه ما هو مقدار ستر العورة بين المحارم فهو يجيب على مفروض السؤال حرفيا بأن ستر العورة بين المحارم ستر القبل والدبر او ستر ما تحت السرة إلى ما فوق الركبة بالنسبة للنساء ,فيحتج البعض بأن الثديين هما من العورة ايضا مستدلا بأنها مثار الشهوة فيدخل من حكم موضوع إلى موضوع اخر بينما الفقيه اجاب عن فرض السؤال ولم يتوسع وإلا لقال بأن أي جزئ يثير الشهوة في العادة اوفي عرف قوم هو محرم بالحكم الثانوي لا الأولي , الملفت ان المستغرب من الجواب على مفترض السؤال لا يفقه بان الفقيه لا يستطيع ان يوسع جغرافيا العورة من عند نفسه او بسبب شعور البعض وتقززهم , الفقيه يرد على السؤال بحدوده فإذا ما اضيف على السؤال معطى او ميزة او وصفا فسوف يرد بجواب يجاري ذلك السؤال وكله حذرا من ان يخرج من حد الإجابة الشرعية المقيدة بقيود اربع هي القرآن والسنة والإجماع والعقل .
موقع السؤال في خريطة الأحكام الشرعية الخمسة مهم جدا واهم المواقع في تلك الخريطة هو موقع المباح حيث انه هو الأصل لمعظم الحراك الفتوائي فالخروج من الإباحة إلى غيرها من الحرمة او الاستحباب او الكراهة او الوجوب يحتاج إلى دليل وبدون ان يساق بين يديه دليل يقف الأمر على الإباحة.
2- عمل المرأة : قد يشنع الجاهل على حلية عمل المرأة ويسوق امثلة مثل إشكالية عمل الخادمة او عمل الممرضة في قسم الرجال او في دخولها في الأعمال التي تحتاج إلى قوة عضلية ومعاناة مع البيئة ألخ. وينتقد جواب الفقيه بحلية عمل المرأة في المقام الأول فهو يرد على فرض السؤال لا غير ولكن الفقيه سوف يتغير جوابه لو تغير مفروض السؤال لتغيير الموضوع فيتغير معه الحكم , ولو ان الفقيه حرم عمل المرأة من اصل لخالف الشرع وعاكس واقع ضرورة عمل المرأة في صور عدة حيث يكون العنت والعضل سيد المقام , وكون المنتقد يزري ببعض اعمال المرأة ليس هو القاعدة لا في الفقه ولا في تسيير الحياة وقد يكون هذا الشعور شعورا طبقيا محضا , مثال ذلك عن حلية حرمة عمل المرأة في البيوت قد لا تستساغ لطبقة معينة ولا يقبلها عرفها وهذا لا يخرج عملها كخادمة من الحلية إلى أي حكم أخر من ألأحكام الخمس إلى بورود ظرف او معطى يغير الموضوع فالخدمة في البيوت قد تنتقل من الحليلة إلى الوجوب في فرض واقع وسؤال اخر مثل اذا توقفت حياة هذه المرأة ومن تعول على عملها فيصير الوجوب هو الجواب وليس الحلية فقط , وقد ينعكس لو ان عمل المرأة هذا فيه محذور التعرض للمعصية بدرجة عقلائية فيكون عملها حرام , فالمقياس ليس ذوق الأشخاص انما هو حكم الشرع المنبثق من القرآن والسنة والإجماع والعقل , بالمناسبة العقل هنا ليس العقل البسيط إنما العقل المتكامل المحتكم للقرآن وللسنة المطهرة وإجماع اهل العلم ( على انواع الإجماع ودرجة موثوقيته) .
3- قيمومة الرجل : البعض يسخر من بعض حالات قيمومة الرجل فيقحم المسألة الأخلاقية في المسألة الفقهية اقحاما اعتباطيا عاطفيا , فيقول كيف يتحمل الرجل الفقير عبأ زوجته الغنية ؟ فهو لا يتعقل بأن اعتبارية غنى المرأة يتحقق في أعالة ابنائها اليتامى بعد فقد الأب وليس قبل يتمهم وبحضور والدهم , مادامت القيمومه بيد الرجل فيناط به اعالة الزوجة والأبناء حتى لو كان فقيرا هذه مسألة شرعية كقانون اجتماعي يترتب عليه امن المجتمع وضبط اركانه , ولكن المرأة الغنية لها ان ترقى إلى مرتبة حكم الاستحباب إذا قامت بالأمن المالي لأسرتها وذلك يحسب بصعود الخط البياني الأخلاقي وليس في مراتب الحكم الشرعي ونحن نعلم بأن كمال الأخلاق مرتبة فوق الأحكام الشرعية والقانونية وهي من مسببات سمو الاشخاص والمجتمعات وهذا ما مدحه الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله وأحله محل مهام النبوة لديه (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) وليس للساخر من حق بأن يحتم على المرأة الغنية ان تجبر ويوقع عليها حق هو مقرون بالقيمومة وإلا لاختلت المنظومة الفقهية في ناحيتها الاجتماعية , وهذا مما يبين جهل المدعي قصورا أو تجاهله تقصيرا وعدم ادراكه لواقع ومحل وأهمية أحكام التشريع في ما بينها او قاصدا فيخلط الحابل بالنابل كما يقال.
ومن اجل الاختصار أوردنا الأمثلة السابقة و قد نلحق بهما اخرى في مقال اخر إن شاء الله
الداعي لكم بالخير :
الشيخ عبد الرضا بن الشيخ احمد الحمود .