هل نختلف على طبيعة الخلاف بيننا؟! أم هل أن الاختلاف يوجب الخلاف؟! قال مولانا أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام: ( إنما أنتم إخوان على دين الله , ما فرق بينكم إلا خبث السرائر وسوء الضمائر .. ). إن المنصفين والذين يمتلكون بعد النظر حقا , يرون أن اختلاف منهجية علمائنا يصب في مصلحة الإسلام , لأن كل عالم يتولى جبهة معينة تخدم ديننا الحق , فلا يصح أن يكون جميع العلماء في جبهة واحدة فقط. هذا لكي تكتمل أجهزة وأعضاء دين الإسلام , لأن أعضاءه كالبنيان المرصوص متلازمة , وكل يكمل الآخر , أما إذا فقدنا إتحادنا وكل منا يتهم الآخر , ويتربص بغيره الدوائر , المدافع عن الدين يتهم من يركز على الفقه , والمركز على الفقه يتهم من يتولى العقيدة , ومن يتولى العقيدة يتهم من ينشر سيرة المعصومين عليهم السلام .. , فأين الوحدة الإسلامية ؟ وأين نصرة الدين ؟ ونحن نبحث عن رضا الله سبحانه في قذف الآخرين ؟؟! فبسبب الجهال تعم الفوضى ويضعف الدين , كما قال مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ( لو سكت الجاهل ما اختلف الناس ). ومهما كان فلولا أن رعاية مولانا سلطان العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف وصلوات الله عليه محيطة بنا وإلا هلكنا. إفرازات الفراغ الديني رغم أن هناك عقولا ضيقة قد استولى عليها الجهل , فهي تجعل من مسألة اختلاف الرأي العلمي فتنة تفسد للود قضية , حيث تنظر إلى العالم الذي لديه أطروحة علمية خاصة أو منهج خاص بأنه شاذ عن بقية العلماء وقد يقر بعضهم محاربته بل يراه تكليفه الشرعي , والغريب أن هؤلاء بعينهم لا يطبقون ذلك على بقية العلماء , فهنا يظهر ( الكيل بمكيالين ). لكن ثمة سؤال يطرح نفسه: هل مخالفة العالم لغيره من العلماء في بعض الآراء يخرجه من ربقة الاجتهاد؟ أو ما حدود الاختلاف التي لا تنفي صاحبها عن دائرة العلماء والمرجعية؟ لكي تكون الإجابة شافية ووافية نتساءل أولا: هل سماحة مولانا السيد الخامنائي أعلى الله مقامه لما أفتى – خلافا لغيره من المراجع – بمنع ( التطبير ) في موكب العزاء الحسيني يكون قد خرج عن دائرة العلماء والمراجع؟؟ هل علماؤنا السابقون مثل الشيخ المفيد والكليني والصدوق والشريف الرضي والمرتضى وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين عندما اختلفت بعض آرائهم وقد خطأ بعضهم بعضا , ستكون النتيجة انحراف بعضهم عن خط العلماء والمرجعية؟؟؟ فإن أجبت على هذه الأسئلة الثلاثة: نعم يدل ذلك على انحراف بعضهم. فأنت من سفه نفسه!! وإن كان الجواب: كلهم على الجادة , واختلاف الرأي ناشئ من اختلاف فهم الدليل , وهذا هو عين الاجتهاد , أو اختلاف التوجه بسبب عوامل آخرى كالمكان والزمان وغير ذلك , فهذا ليس مدعاة للخروج من دائرة العلماء , فقد أتيت بالحق. ( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شي قدير ) القاعدة الصحيحة هي قوله جل وعلا: ( قل كل يعمل على شاكلته ) فإذا ابتعدنا باختلاف آرائنا؟ يجمعنا قوله تعالى: ( أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ) أي في ولاية محمد وآل محمد عليهم أفضل السلاة والسلام. ثانيا لو طبقنا ذلك لكان أول من سيخرج من ربقة المرجعية والعلماء هو مرجعك ( يا من يؤيد هذا الرأي )!! لأنه لا شك أن عنده بعض الآراء التي يختلف فيها مع سائر العلماء والمراجع الآخرين . إذن إما أن تقول بانحراف كل عالم قد خالف غيره من العلماء. وهذا معناه أنك تعتبر كل علمائنا منحرفين , لأنه لا يوجد واحد منهم لم يختلف مع غيره , وعلى رأسهم مرجعك. والذي سولت له نفسه أن يطعن في مرجعه فماذا تنتظر من اتجاه مراجع الآخرين؟؟ كأنصار إمامنا سيد الشهداء عليه السلام وأما إذا قلت بأن اختلاف علمائنا الأعلام والمجتهدين العظام لا يوجب ضلال أحدهم ولا خروجه عن دائرة الاجتهاد والمرجعية , فاختلافهم صوري , عينا كأنصار سيد الشهداء الإمام الحسين صلوات الله عليه , فهذا على الميمنة وذاك على الميسرة والآخر يرفع اللواء و..و كلهم أنصار لسيد الشهداء , فهل إذا جاء شخص وقال: إن الذي في الميمنة قد خرج عن نصرة سيد الشهداء أو العكس؟! قطعا أن من يقول بذلك فهو في دائرة ( صم بكم لا يعقلون ) هل يعتبر ضالا من اختلف معك في الفروع وهو متمسك بالثقلين؟؟ فأي اختلاف يتضمن الاتفاق على أصول الدين وفروعه , ويتضمن التمسك بالكتاب والعترة الطاهرة , فهو اختلاف علمي أو صوري أو سمه كما تشاء , لأنه لا يؤثر على استقامة صاحبه , فكيف يضل صاحبه وهو متمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها وهي الكتاب والعترة , فالرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم يقول للمتمسك بهما: ( .. ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ). وأنت ترد عليه صلى الله عليه وآله وسلم وتزعم ضلال المتمسك بهما لما اختلف معك بالرأي!! أم أنه صلى الله عليه وآله وسلم عندما أطلق هذه الكلمة لا يعلم أن المتمسكين بالثقلين سوف تختلف آراؤهم؟! فظهر أن الذي يحيط علما بحدود الاختلاف , والوحيد الذي له الحق أن يعينها هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وقد ذكرها لما قال: ( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي , ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ). إذن مراد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو وضع حدود الاختلاف , فكأنما قال صلى الله عليه وآله وسلم: مهما اختلفت وجهاتكم وتباعدت آرائكم وأنتم متمسكون بالثقلين كتاب الله وعترتي , فأنتم على جادة الحق , الصراط المستقيم ولن يضركم اختلاف آرائكم. التركيز على الأمور العقائدية ونشر معجزات وفضائل المعصومين صلوات الله عليهم إن سماحته يرى أن إحياء أمر أهل البيت عليهم السلام لن يتم بالتركيز على الجانب الفقهي أو الاجتماعي أو السياسي أو .. بل بالتركيز على سيرة المعصومين المتمثلة خصوصا في الفضائل والمعجزات , والدفاع عن مظلوميتهم , والتفكر في عظيم منزلتهم عند الله تبارك وتعالى , ونشر سيرتهم ومقاماتهم العالية , وشرح رتبهم العظيمة , مع عدم إهمال الجانب الفقهي والأخلاقي والاجتماعي والتاريخي وغيره , إلا أن الأهم عند سماحته هو التركيز على ما ذكرنا , لأنه من دون ذلك لا يتحقق تطبيق منهج أئمتنا عليهم السلام أجمعين. وهذا لا يعني أن منهج غير الأحقاقي هو خال من فضائل المعصومين عليهم السلام أو من الجانب العقائدي , بل مقصودنا أن كل مرجع انصبت جهوده واهتماماته على جانب أكثر من الجوانب الأخرى. عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ( التفكر في ملكوت السموات والأرض عبادة المخلصين ).
المصدر: كتاب رجال الغيب