قد عرفنا مما ذكرنا , وصريح كلامه رحمه الله : أن النبي صلى الله عليه وآله عرج إلى السماء , وطواها بجسمه الشريف الدنيوي , وألبسته , وأن ما نسبا إليه أستباه صرف , وليس هذا من الهمداني بعجيب , إذ باعه في العلم قصير , وبضاعته مزجاة , وتلك العبارات العلمية والمطالب الحكمية ربما يعجز عن فهمها كثير من الفحول , فإذا حام حولها مثل هذا المسكين , فغير بعيد أن يكون بعيد عن الواقع .
لكن العجب من الإستربادي , حيث كان ممن يعتمد عليه , ومقلداً ومرجعاً في قيد حياته , كيف نسب إلى الشيخ الأوحد في رسالته القول : بعروج الجوهر النوري , المكنون , الكامن , في هذا الجسم ؟ ألم يتفطن أن جمود الثياب , والعباء , والنعلين , وثقليتها , وكثافتها قطعاً , أكثر من بدنه الشريف العنصري والصورة البشرية , بل ولا نسبة ؟ فكيف يسوغ له نسبة ذلك القول إلى الشيخ الأوحد , مع تصريحه بمعراجه صلى الله عليه وأله بما هو عليه من ثيابه , وعبائه , ونعليه ؟ هل الثوب ثوب للروح , أو الجوهر النوري ؟ وهل العباء عباء لهما , وهل النعل نعل للروح أو الجوهر النوري ؟ سبحانه هذا بهتان عظيم .
هب أنه يحتمل من عباراته المنقولة سابقاً ما نسبه إليه , فهل بعد تصريحه بمراده مما ذكر في معراجه صلى الله عليه وأله يبقى للاحتمال محل أو مجال ؟ أو لأهل القيل والقال ؟ ومن جملة تصريحاته ما قاله رحمة الله عليه في جواب السؤال عن المعراج قال : ( إن رسول الله صلى الله عليه عرج بجسده الشريف وعليه ثيابه إلى الحجب , حتى كان من ربه قاب قوسين أو أدنى ) , وساق الكلام إلى أن قال : ( … وجسمه الشريف ألطف من كل ما ذكرنا , حتى يقف في الشمس , ولا يظهر له ظل , وعليه جميع ثيابه , وصعد إلى ما وراء الحجب وعليه ثيابه , فإنه ما صعد عارياً , كما وقف في الشمس وليس بعار , ولا يمنع كثافة ثيابه , نوريته إذا وقف في الشمس , ولا لطافته إذا خرق الحجب , لقلة كثافة ثيابه , إذا نسبت إلى لطافة جسمه ونوريته ) انتهى .
ومن جملتها ما في ( شرح العرشية ) في جواب الاعتراض السابع من اعتراضات منكري حشر الأجساد , قال : ( والحاصل , ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ؟ ثم على كل حال , ما معنى المنع من تداخل الأجسام ؟ والمنع من الخرق والالتئام ؟ والملائكة والشياطين تخترق السماوات , وسيدنا محمد صلى الله عليه وآله صعد إلى السماء بجسمه الشريف , وثيابه , وعمامته , ونعليه , وإدريس عليه السلام , رفعه بجسمه إلى السماء , وعيسى عليه السلام رفعه الله بجسمه … إلخ ) .
ومن جملتها ما في ( شرح الزيارة الجامعة ) , في شرح فقرات ( مستجير بكم , زائر لكم , عائذ بكم , لائذ بقبوركم ) , قال في أواخر شرحها : ( ولهذا صعد النبي صلى الله عليه وأله ليلة المعراج بجسمه الشريف , مع ما فيه من البشرية الكثيفة , وبثيابه التي عليه , ولم يمنعه ذلك من اختراق السماوات والحجب حجب الأنوار , لقلة ما فيه من الكثافة , ألا تراه يقف في الشمس ولا يكون له ظل مع أن ثيابه عليه , لاضمحلالها في عظيم نوريته , وكذلك حكم أهل بيته الثلاثة عشر المعصومين عليهم السلام . ومثال ذلك : أنك لو وضعت مثقالاً من التراب في مثقال من الماء أو أقل أو أكثر بقليل , كان الماء كدراً , لكدورة كثافة التراب , ولو وضعت مثقال التراب المذكور في البحر المحيط , لم يظهر للمثقال التراب أثر , بل يكون وضعه وعدمه بالنسبة إلى البحر المحيط سواء … ) إلخ . كفانا ما نقلناه من كلماته .
انظر إليها , كيف يصرح فيها بالمعراج الجسماني , وهل يمكن التعبير عنه بأصرح مما ذكره , ليت شعري كيف نسبا إليه ما نسباه ؟ فالذي يحصرح بمعراجه , بثيابه , وألبسته , ونعليه , وعمامته , كيف يمكن في حقه أن يقال : أنه يقول بعروج الروح , أو الجوهر النوري ؟ ومن البديهي الوجداني أن جمود وكثافة الثياب التي هي من القطن أو الصوف , والعمامة كذلك , والنعلين اللذين من الجلد , أكثر وأشد من الصورة البشرية بمراتب , فالذي يقول : إن النبي صلى الله عليه وأله أخرج هذه الأشياء الكثيفة الثقيلة من مراكزها وكراتها , وأوصلها إلى مقام قاب قوسين أو أدنى , هل يمكن أن ينسب إليه أنه لا يقول بالعروج الجسماني , أو لم يتصور الناسب أن الروح أو الجوهر النوري , لا يحتاج إلى الثياب والعمامة , والنعلين ظرفي الرجلين ؟ ألم يعلم أنها من الأشياء التي تحتاج إليها الصورة البشرية ومن مقتضياتها ؟
فالحري للإنسان لا سيما لمن تصدى للتصنيف والتدقيق , وجلس في صدر التحقيق , إذا أراد أن ينسب مطلباً إلى من العلماء , – لا سيما العالم المتقن – أن يدقق النظر في اطرافه وجوانبه , ويحقق التأمل في سابقه ولاحقه , ويكرر التأمل والنظر في عباراته مرة بعد أخرى , كما هو سيرة العلماء وديدنهم , ثم يوجهها مهما أمكن بتوجيهات حسنة , ويحملها على محامل صحية متينة , وإن لم يمكنه هذا كله ينسب ما ينسب , ويسطر ما يسطر , لا أنه يتفوه يما لا يليق , أو يسطر ما ليس بحقيق , بلا دقة ونظر دقيق , أو ينقل من عبائره بتحريف منه بزيادة ونقيصة , وإسقاط ما هو موضح للإبهام , ومفصل لإجمال المقام , ولا يهاب حساب يوم الدين , وعقاب رب العالمين .