قيمة الشيخ العلمية .. إجازاته الست
قيمته العلمية:
هناك ثلاث نواحي , نستطيع أن نتبين من خلالها , قيمة الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي العلمية.
الأولى: المكانة التي أهله مركزه العلمي أن يتبوأها في كل مجتمع عاش فيه … وتأثيره في تلك المجتمعات …
الثانية: إجازاته العلمية , وشهادات الشيوخ الذين أجازوه …
الثالثة: مؤلفاته ا لتي بلغت مئة وأربعين كتاباً , وأجوبة بلغت خمسمائة وخمسين جواباً …
ونحن في هذا الجزء سنتحدث عن الناحيتين الأوليين , وأما الناحية الثالثة , فسوف نذر الحديث عنها إلى أجزاء مقبلة …
الناحية الأولى:
إن ا لشيخ شخصية علمية ذات أغوار بعيدة المدى … أعمق ( من البحر ) كما قال بعض العلماء …
وإذا كان العلم قد سبر أعماق البحار , فإن أحداً , لم يستطع , حتى اليوم , أن يسبر أغوار الشيخ ا لعلمية …
ويكفي تدليلاً على شخصيته العلمية , إنه لم ينزل في بلدة إلا وأفسح له علماؤها مقعد الصدارة …
وإنه كان يستحم بحب القلوب , كما تستحم رقيقات الأنسام بأريج الرياحين والأزاهير …
ولقد رأيناه يتألق في ( يزد ) حرم العلم والعبادة والزهادة ويتألق حتى يستوي مصدر إشعاع باهر أخذوا يقتبسون منه غذاءهم الروحي جرعة جرعة …
ورأينا علما ( يزد ) يتوسلون إليه بحنين ورجاء … أن يبقى بينهم , ولا يمضي إلى العراق … ولما أصر على الذهاب ودعوه آسفين باكين …
وحينما سمعوا نبأ وفاته حزنوا كما لو أنه مقيم بينهم وأقام له العلماء حفلاً تأبينياً وظلوا يتقبلون التعازي من الناس ثلاثة أيام.
ورأينا السلطان ( فتح علي شاه ) يدعوه إلى زيارته فيرفض الشيخ باباء … ماله وللملوك ؟؟ ويلح السلطان في الطلب والرجاء فيمضي إليه تلبية لرغبة إخوانه العلماء ويقضي لديه حينا من الدهر فيراه موسوعة علمية يفتقر إليها: الملك والعالم وطالب العلم وجماهير الشعب … ويطلب إليه أن يستقر عنده , يضيء المملكة بأنوار علمه , ولكن الشيخ يعتذر ويتلطف في الاعتذار ويقول له أخيراً: ( أنا حيثما كنت من إيران ) فإني في مملكتك وستراني حيثما تشاء ألبي رغبتك في الحضور عندك فتقبل عذره ويسمح له بالرجوع إلى ( يزد ).
ورأينا علماء أصبهان وشعبها يستقبلونه انظر استقبال وينزلونه عندهم أربعين يوماً.
وحين يعقد العزم على فراقهم يضرعون إليه راجين أن يظل عندهم إبداع تقدم لهم ثمار العلم الشهية فيعتذر قائلاً: إنه مأمور بالذهاب إلى العراق.
ورأينا شاه زاده ( كرمان شاه ) يخف إلى استقباله بموكب مهيب ومعه علماء البلد وأعيان الدولة وجماهير الشعب.
وهناك نرى العلماء والأدباء حافين حوله حتى لتصبح داره ( أكاديمية ) لهم ومن كرمان شاه تعز نفسه بزيارة النجف الأشرف وكربلاء المقدسة مراراً عديدة.
وعندما أبرم أمره على السكنى في كربلاء أسرع إليه حاكم وعلماء كرمان شاه يلتمسون منه أن يبقى في مرابعهم معين هدى للواردين أبدى معاذيره .
فرجل هذا شأنه …
رجل يتشهى الملوك أن يروه في بلاطهم …
لأنهم شاهدوا فيما أنعم الله به عليه من علم دائرة معارف إسلامية.
وشهادوا فيه إيمان القرآن وخلق القرآن وآداب القرآن ..
رجل من شأنه حيثما حل أن يرى العلماء أنفسهم لديه كما ترى النجوم ذواتها أمام البدر في الليلة الرابعة عشرة.
رجل مهاجر لا عصبة له تشد من أزره.
ولا خيل عنده يهديها ولا مال.
إن رجلا يؤثر في كل مجتمع عاش فيه ذلك التأثير العجيب المذهل لهو بين أعلام العلماء القادة في الرعيل الأول الأول.
وإن مكانته العلمية لمنارة مضيئة باسقة…
أما افتراءات الحسد المتفجرة من صخرة حب الذات .. فإنها فتحت عليه عيون العالم … وزادته إشراقاً … ورسمت له – بعد مماته – من الناحيتين الاجتماعية … والعلمية … حياة ملونه بطابع حضاري عميق …
الناحية الثانية:
الإجازة: عرفوا الإجازة فقالوا: هو الكلام الصادر من المجيز المشتمل على إنشائه الأذن في رواية الحديث عنه بعد إخباره بمروياته .
هل ثمة صلة تربط بين الإجازة والدكتوراه ؟؟
عندما يود في عصرنا هذا – طالب حصل على الإجازة الجامعية ( الليسانس ) أن يختص في دراسة عليا يختار أستاذا ( بروفسور ) من إحدى الجامعات العالمية ويفضي إليه برغبته في الاختصاص الذي يريده على أن تكون دراسته تحت إشرافه.
وعندما يوافق الأستاذ على الطلب تبدا الدراسة … ثم يحدد للطالب موضوعاً معيناً في الاختصاص المنشود ويطلب منه أن يؤلف فيه كتاباً اصطلحوا على تسميته , أطروحة , ويقدم إليه توجيهاته وأسماء بعض المصادر التي يحتاجها ويمضي الطالب يجمع المصادر التي لها علاقة بموضوعه … ويدرس … ثم يأخذ بكتابة الأطروحة وبعد الفراغ منها يقدمها لأستاذه …
وبعد أن يمحص الأستاذ الأطروحة يبدي ملاحظاته حول بحوثها … ويسجل إرشاداته … ويعيدها إلى الطالب … وتظل الأطروحة تتعثر بين جزر ومد أي بين الأستاذ والطالب حتى ترتفع إلى مستوى النظج المطلوب ثم تجري مناقشتها … ويعطي الطالب بعد ذلك … شهادة ( دكتوراه ).
إن إجازات المشائخ ( قديما ) تتلاقى مع دكتوراه هذه الأيام في بعض الحالات فالشيخ ( البروفسور ) الذي تطلب منه الإجازة يضع الطالب بين حالتين إما أن يحدد له موضوعاً … يكتب فيه كتاباً … وبعد الفراغ من الكتاب يبدي الشيخ ملاحظاته عليه ويعيده للطالب وتتكرر عملية الأخذ والرد بينهما إلى أن يتم تنسيق الكتاب تنسيقاً وافياً حين ذاك يعطي الشيخ تلميذه الإجازة.
وإما أن ينظر الشيخ ( البروفسور ) فيما ألفه الطالب من كتاب أو كتب فإذا رأى أنه قد أعطى المواضيع التي تناولها حقها في البحث والاستقصاء … و … و … حتى استقرت في درجة الكمال الممكنة أجازة … وفي كلتا الحالتين لا يعطي الشيخ الإجازة إلا بعد ما يثبت لديه أن خلق الطالب فوق الشبهات … وإنه فيما يدرسه ويدرسه ويؤلفه إنما يفعله طلبا لنفع المجتمع وتطويره نحو الأفضل كما تقضي عقائد الدين الإسلامي … إذاً فهنالك ركن من أركان الشبه قائم فعلاً بين الإجازة والدكتوراه.
الشيخ أحمد الأحسائي دكاترة:
وعلى هذا نستطيع أن نسمي الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي دكاترة لأنه حصل على ست إجازات من أضخم علماء عصره.
وما دمنا في قصد بسط الحديث عن مكانته العلمية فإننا سنأخذ من كل إجازة بضعة أسطر لنتعرف إلى تلك المكانة من قناعات المشائخ – الأساتذة – الذين أجازوه والمشهود لهم بالصدق والنزاهة كما هو مشهود لهم بالعلم والفضيلة والسمو الروحاني …
الإجازة الأولى: من الشيخ أحمد البحراني الدمستاني وفيها يقول:
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطاهرين.
أما بعد: فقد استجازني الولد الأعز الأمجد الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي المطيرفي وفقه الله فاستخرت الله تعالى وأجزت له أن يروي عني جميع ما صنفه علماؤنا في العلوم: العربية والأدبية واللغوية وألأصولية والفقهية والإخبارية … الخ.
الإجازة الثانية: من الميرزا محمد مهدي الشهرستاني وفيها يقول:
بعد البسملة: الحمدلله الذي نور قلوبنا بنور هدايته – ونظمنا في سلك حملة دينه وشريعته والصلاة والسلام على الصادع برسالته محمد وآله.
وبعد: فيقول العبد الراجي عفو مولاه محمد مهدي الموسوي الشهرستاني: حيث أن الشيخ الجليل والعمدة النبيل والمهذب الأصيل العالم الفاضل المؤيد المسدد الشيخ أحمد الأحسائي ممن رتع في رياض العلوم الدينية وكرع من حياض زلال سلسبيل الأخبار النبوية … وقد استجازني فيما صحت لي روايته …
ولما كان أهلا لذلك سارعت إلى إجابته لما كان إسعاف مأموله فرضاً لفضله وجودة فطنته فأقول: إني قد أجزت له أن يروي عني … الخ …
الإجازة الثالثة: من الأقا سيد علي الطباطبائي صاحب كتاب الرياض الشهير وفيها يقول:
بعد البسملة: الحمدلله على نعمه المتواترة والصلاة والسلام على سيد أهل الدنيا وألاخرة محمد وعترته الطاهرة.
وبعد: فيقول العبد الخاطئ ابن محمد علي , علي الطباطبائي إن من أغلاط الزمان وحسنات الدهر اجتماعي بالأخ الروحاني والخل الصمداني العالم الفاضل الكامل … الراقي أعلى درجات الورع والتقوى والعلم واليقين مولانا الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي .
فسألني أن أجيز له فأجزت له رواية ما صحت لي إجازته من مصنفات علمائنا الأبرار … الخ ..
الإجازة ا لرابعة من السيد مهدي الطباطبائي المعروف ( ببحر العلوم ) وفيها يقول:
بعد البسملة: الحمدلله الذي رفع درجات العلماء وجعلهم ورثة الأنبياء وفضل مدادهم على دماء الشهداء … والصلاة والسلام على المبعوث بالشريعة الغراء محمد وآله الأئمة الأمناء .
وبعد فلما كان من حكمة الله البالغة ونعمه السابقة أن جعل لحفظ دينه وأحكامه علماء مستحفظين لشرائعه وأحكامه … وكان ممن أخذ الحظ الوافر الأسنى وفاز بالنصيب المتكاثر الأهنأ زبدة العلماء العاملين ونخبة العرفاء الكاملين الأخ الأسعد الأمجد الشيخ أحمد ابن زين الدين الأحسائي وقد التمس مني الإجازة … فسارعت إلى إجابته لما ظهر لي من ورعه وتقواه وفضله وعلاه … الخ.
الإجازة الخامسة من الشيخ جعفر ابن الشيخ خضر النجفي صاحب الكتاب المعروف ( كشف الغطاء )
قال بعد البسملة: الحمد لله الذي أبرز أنوار الوجود وأبان أنه المنفرد بالأزلية والقدم وجعل دين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين الأديان كنار على علم وختم به الأنبياء وأيده بالمعجزات …
أما بعد: فإن العالم العامل والفاضل الكامل زبدة العلماء وقدوة الفضلاء الشيخ أحمد ابن المرحوم المبرور الشيخ زين الدين قد عرض علي نبذة من أوراق ( اي كتابأً ) تعرض فيها لشرح كتاب تصرة المتعلمين ورسالة صنفها في الرد على الجبرين مقوياً فيها راي العدليين.
فرأيت تصنيفاً شيقاً قد تضمن حقيقاً وتدقيقاً قد دل على علو قدر مصنفه وجلالة شأن مؤلفه فلزمني أن أجيزه بعدما استجازني أن يروي عني ما رويته عمن أجازني … الخ.
الإجازة السادسة من الشيخ حسين آل عصفور وفيها يقول:
بعد البسملة: الحمدلله الذي احيا معالم ا لدين بحملة الرواية والصلاة والسلام على محمد وآله منبع عيون الدلالة والهداية.
وبعد: فيقول العبد المجازى حسين بن محمد أحمد بن إبراهيم البحراني الدرازي إني لما تفضل الله علي بمعانقة أبكار الرواية … واقتطفت من حدائق تلك العلوم ما أوجب لهذا الدين الأحام وصرت مرجعاً لأهل الولاية في بث المسائل والأحكام.
التمس مني من له القدم الراسخ في علوم آل بيت محمد الأعلام ومن كان حريصاً على التعلق بأذيال آثارهم عليهم الصلاة والسلام أن أكتب له إجازة كما هي الطريقة الجارية بين العلماء في جميع الأصقاع وهو العالم الأمجد ذو المقام الأنجد الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي …
وهو في الحقيقة أهل بأن يجيز لا يجاز لعراقته في العلوم الإلهية على الحقيقة لا المجاز ولسلوك طريق أهل السلوك … لكن إجابته مما أوجبته الأخوة الإلهية الحقيقة المشتملة على الإخلاص وكان في ارتكابها حفظاً لهذا الدين فاستخرت الله سبحانه وتعالى وأجزت له أن يروي عني كتب أصحابنا التي عليها المدار في جميع الأوقات والأعصار … الخ.
الكاتب: محمد علي إسبر
المصدر: العلامة الجليل أحمد بن زين الدين الإحسائي في دائرة الضوء