المراد بالجسد العنصري

المراد بالجسد العنصري

{ المراد بالجسد العنصري }

ألا ترى في مسألة المعاد لما ذكر الجسمين والجسدين وحكم بأن الجسد العنصري لا يعود , ذكر المراد بالجسد العنصري الغير المعاد قال: ومعنى كلامي ومرادي هو أن الإنسان له جسدان وجسمان , الجسد الأول مركب من العناصر الأربعة المحسوسة , وهو الآن في هذه الدنيا عبارة عن الكثافة العارضة , وفي الحقيقة هو الجسد الصوري ومثاله الخاتم من الفضة مثلاً , فإنه إذا كان عندك خاتم من فضة فإن صورته هي الاستدارة الحلقية وتركيب موضع فص المركب منه مثلاً , فإذا كسرته وأذبته وجعلته سبيكة وسحلته بالمبرد وجعلته سحالة ثم بعد ذلك صنعت تلك الفضة – أعني السبيكة أو السحالة – خاتماً على هئيته الأولى, فإن الصورة الأولى التي هي الجسد الصوري لا تعود ولكن صنعته على صورة كالأولى , فهذا الخاتم في الحقيقة هو ذلك الخاتم الأول بعينه من حيث مادته وهو غيره من جهة صورته.

ونعني بالجسد العنصري – الذي هو الكثافة البشرية – هذه الصورة التي هي الجسد الصوري لأن اعتقادنا الذي ندين الله به – ونعتقد أن من لم يقل به ليس بمسلم – هو أن هذا الجسد الذي هو الآن موجود محسوس بعينه هو الذي يعاد يوم القيامة , وهو الذي يدخل الجنة أو النار وهو الخالد الذي خلق للبقاء وهو الذي نزل إلى هذه الدنيا من ألف ألف عالم حتى وصل إلى التراب – إلى أن قال رحمه الله – : فهذا الجسد المحسوس هو بعينه المعاد وهو بعينه متعلق الثواب والعذاب لا يشك في ذلك إلا من يشك في إسلامه لأن هذا من أصول الإسلام.

•إلى أن قال رحمه الله – مثل الماء الذي هو لطيف فإذا جمد لبس الصورة الثلجية فإذا ذاب عاد إلى أصله من غير أن يختلف إلا محض الصورة المعبر عنها بالجسد العنصري فإذا جمد ذلك الماء مرة ثانية لم يعد إليه الجمود الأول وليس جموداً ثانياً مع أنه بعينه هو ذلك الماء لم يتغير مع أنه هو قد تغير جموده وهذا هو مرادنا بذهاب الجسد الأول الذي لا يعود فالموجود في الدنيا بعينه هو جسد الآخرة بعينه والمرئي بالبصر.

•إلى أن قال رحمه الله – ثم يصفى في الأرض بمعنى أن الأرض تأكل جميع ما فيه من الغرائب والأعراض والكثافات المعبر عنها بالجسد العنصري , ويخرج يوم القيامة هذا الجسد بعينه – أعني الموجود في الدنيا بعينه – هو الذي يخرج يوم القيامة بعد أن يصفى ومعنا قولنا بعد أن يصفى: هو أن يذهب عنه الجسد العنصري , ومعنى قولنا هو أن يذهب عنه الجسد العنصري: تذهب عنه الكثافات الغريبة وهي الصورة الأولى لأنه إذا صيغ ثانية لا تعود الصورة الأولى فافهمه.

فهذا مرادي وأبرء إلى الله تعالى من غير هذا , وهذا هو مذهب أئمة الهدى عليهم السلام ( إن افتريته فعلي إجرامي وأنا برئ مما تجرمون ) – إلى أن قال أعلى الله مقامه – فالجسد الأول من العناصر المحسوسة ونريد به هذه الصورة والتركيب في الدنيا لأنه إذا مات وكان تراباً ذهبت هذه الصورة فإذا أعيد على هذه الصورة بعينها ليست هي الأولى , مثل ما مثلنا لك بالخاتم ومثل ما مثل الإمام باللبنة وهذه الصورة الأولى هي الجسد الأول الذي لا يعود وهو مخلوق من العناصر المحسوسة وهي الكثافة – قال أيضا رحمه الله – ولا نعني بالبشرية وبالعنصرية وبالكثافة وبالأعراض وغيرها إلا هذه الصورة العارضة له في هذا المقام , أعني دار التكليف ( انتهى كلامه ).

وقد ملأ كتبه ومصنفاته وأجوبته للمسائل من هذا النوع من البيان للجسد الأول الذي لا يعود , وهل يبقى مع هذا الأكيدة والتأكيدات البليغة في بيان مراده مع بيان مراده من الجسد مع أنه هو الصورة والهيئة الدنيوية لمسلم مؤمن يخاف الله ويراقب دار الأخرة شك وشبهة في أنه القائل بأن هذا الجسم المرأي المحسوس بالأبصار والمدرك بالأمساس يحشر يوم القيامة , وإنما سمى الصورة جسداً كما هو أحد معانيه في اللغة على ما ذكره في مجمع البحرين والقاموس الجسد هو الهيئة وقوله تعالى ( عجلاً جسداً ) أي ذا هيئة وهو الجسد التعليمي المشتهر بين العلماء كالشتهار الشمس في رابعة النهار وهو البدن النوري كما في الحديث في معنى الأشباح النورانية.

وهل مسلم موحد يقول: أن الصورة الدنياوية والهيئات المعوجة العنصرية تعود يوم القيامة فيعود لقمان الحكيم عبداً أسوداً على صورة غير مستحسنة , ويعود أبوبصير – ليث المرادي – الذي هو من الأوتاد الأربعة والأركان الآربعة والسفن الجارية في البحر القمقام يوم القيامة وهو أعمى ويعود الكافر الذي في هذه الدنيا على الصورة الحسنة والشمائل المستحسنة يوم القيامة حسن الصورة جميل الشكل , وفي هذا القول تكذيب للشريعة وتكذيب لله سبحانه وتعالى على الحقيقة ومخالفة لعامة المسلمين والله سبحانه يقول: ( من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) فكيف يحشرهم الله أعمى وقد كانوا على غير تلك الصورة في الدنيا.

ولست أدري أي صورة دنياوية يوم القيامة تحشر؟ ! صباه أو صورته في حال بلوغه أو صورة شبابه أو صورة شيخوخيته أو صورة هرمه أو صورة صحته أو صورة مرضه , في أي صورة تفرض تبقى صورة دنياوية لم تحشر.

فثبت إن تلك الصورة لم تعد وإن كانت هي الصورة التي يموت عليها فيلزم أن تحشر الخلائق يوم القيامة مرضى على ضعف شديد لا يقدرون النهوض خصوصاً إذا كان المرض دماغياً أو من جهة الإسهال فمن المثاب والمعاقب؟ ! والضروة قاضية ببطلان هذا الكلام السخيف , فإن كان هذه الصور لا تعود فقد أقررت بأن من الصور الدنياوية لا تعود.

والحاصل: هؤلاء المعترضون قد أغمضوا أعينهم وأرادوا أمراً يأبى الله ذلك , وإلا فليس في الكلام غبار فإن استشكلوا في قوله – أعلى الله مقامه – إن الجسد العنصرية لا تعود فتلحق النار بمركزها والهواء والماء والتراب كذلك فمراده – حشرني الله معه – هي الصورة والكيفيات العارضة المسماة في عرف الأطباء بالحرارة الغريبة والرطوبة الغريبة وعنده – أعلى الله مقامه – جميع الكيفيات تنقسم إلى: غريبة وغريزية فبالغريزية: يقوم الشيء والبدن , وبالغريبة: يفيد وعرض فيأتي الطبيب فيسكن تلك الكيفية الزائدة من الحرارة والرطوبة وغيرهما فتلحق بأصلها فتعدل البنية , فكما أن تلك الكيفيات في الدنيا تأتي عند المرض وتذهب عند الصحة , ولما كان دار الآخرة هي الحيوان ليس فيها مرض ولا موت , تذهب تلك الكيفيات الغريبية عند الموت فلا تعود يوم القيامة كما لا تعود في الدنيا فيمن لم يتمرض.

فمن قال بهذه المقالة أي محذور يخافه؟ ! وأي كفر يخشاه؟ ! ولكن الأمر كما قال عز وجل: ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) وأين هذا من عبائر القوم مثل الملا محسن والملا صدرا فيما أورد عليهم من الاعتراض وأين لهم البيان الموضح لمراهم والقرينة الصارفة المنبئة لمرادهم فإن كان ذلك فاذكرها كما ذكرت لكم ( هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) قد كتبت في هذه المسألة رسالة مستقلة ودافعت عنه – أعلى الله مقامه – أوهام الناقصين وشبه السوفسطائين ومن أراد التفصيل فليرجع إليها ليعرف أن ما ذكره رحمه الله في المعاد هو ما اتفق المسلمون عليه والراد عليه راد على النص المبين وتابع غير سبيل المؤمنين ( ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً ).

الكاتب: السيد كاظم الحسيني الرشتي قدس سره الشريف
المصدر: كتاب كشف الحق في مسائل المعراج

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة