ولما كان الفرار إلى الله سبحانه هو الأمان من كل المخاوف , ففر إلى الله سبحانه ممتثلا لأمر الله حيث يقول ( ففروا إلى الله ) فقصد حج بيت الله خوفا من فراعنة هذه الأمة مقتديا بسيد الشهداء حيث فر منهم إلى بيت الله عن حرم جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكذلك الشيخ أعلى الله مقامه ورفع في الدارين أعلامه انهزم من الظالمين وسار بأهله وعياله وأبنائه وزوجاته , وباع كل ما عندهم من المصاغ والحلي والصياغ , فقصد السفر ذلك السفر الشاق مع ضعف بنيته ونفاد قوته وكبر سنه وشدة خوفه فسافر بالعيال وشد الرحال وأبقاني بأيدي هؤلاء الأقوام الأنذال وحيدا غريبا بلا ناصر ولا معين إلا مدد الله وعنايته وحفظة وكلائته , فلما بلغ بعياله وبعض أولاده إلى هدية وهي عن المدينة المنورة ثلاث مراحل , أتته رسل الله سبحانه ودعته إلى جوار الله , ونادته حي على الفلاح حي على الفلاح , فهبت عليه الريح المشوقة إلى لقاء الله تعالى ثم هبت عليه الريح المنسية فأنسته الدنيا وما فيها , ثم هبت عليه الريح المسخية فأسخته لبذل الروح في محبة الله تعالى , فانتقل من هذا المحبس الضيق إلى الفضاء الواسع الفسيح , واتصل باحبته , وبلغ أقصى الغاية في مؤانسته واستراح من كرب الدنيا ومحنتها , ومن المهاون وزحمها , ومن كدورتها وفتنتها , واستبدل بأحباب ليستأنس بهم , وأصحاب لا يفارقونه ولا يفارقهم واتصل فراره الصوري بفراره الحقيقي وكان قاصدا بيت الله الظاهري فوصل إلى البيت المعمور الحقيقي , فلم يزل طائفا حول ذلك البيت , ورامقا طرفه إلى نور التجلي المصباح المتوقد من نار الشجرة , التي ليست بشرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار , ووقعت بموته ثلمة ما سدها شيء ووقعت زلزلة ولولة , ومات كثير من العلاء بعده ووقعت فتنة الجهاد ونكسر بها شوكة الإسلام , وصار المسملون أذلة للكفار , وهلك أنفس كثيرة وهتكت أعراض محترمة وصارت للكفار على المسلمين حجة , ومن ذلك صارت للفرس جسارة عظيمة على ملك الروم بعدما كانوا أذلاء مغلوبين لملكهم , وأخذوا كثيرا من ممالك الروم واستولوا على بلاد الإسلام , وقد تزعز أركانها وانهدم بنيانها , وكاد أن يضمحل حتى تداركها الله سبحانه برحمته لمصلحة تامة وحكمة عامة رجعت الدولة إليهم , ولكنهم بعد مقهورون مغلوبون مطيعون لأمر دولة الفرنج , وكل ذلك أثر ذلك الجهاد الذي عم البلاد والعباد , ووقعت فتن ومحن كثيرة ما ارتفعت إلا قبل أيام قلائل وبعد آثارها باقية مالها من نفاد.
الكاتب: السيد كاظم الحسيني الرشتي قدس سره الشريف
المصدر: كتاب دليل المتحيرين