(الصوم في اللغة عبارة عن الإمساك، ومنه يقال الصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام، قال ابن دريد كل شيء مكث حركته فقد صام صوما، قال النابغة:
خيل صيام وخيل غير صائمة
تحت العجاج واخرى بغلك اللجما
أي قيام وصامت الريح أي ركدت، وصامت الشمس إذا استوت في منتصف النهار، وشرعا عبارة عن الإمساك عن الأشياء المخصوصة على وجه مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة في زمان مخصوص، وحقيقته عبارة عن الإمساك من غير ذكر اللّه، فإذا أمسك عن ملاحظة الأغيار فقد صلح لمشاهدة الأنوار وجاس خلال ديار الأسرار، فلا بد أن يمسك بحواسه الظاهرة عن مشاهدة ما حرم اللّه بأنه لا ينظر بعينه إلى ما حرم اللّه رؤيته، ولا يستمع إلى ما نهى اللّه عن استماعه، ويحفظ باطنه عن الاشتغال بغير ذكر اللّه ويتوجه إلى اللّه بكليته، يعني بظاهره وباطنه، قال مولانا الصادق عليه السلام قال رسول اللّه صلى الله عليه واله الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنْ آفَاتِ الدُّنْيَا وَحِجَابٌ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ فَإِذَا صُمْتَ فَانْوِ بِصَوْمِكَ كَفَّ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَقَطْعَ الْهِمَّةِ عَنْ خُطُوَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْزِلْ نَفْسَكَ مَنْزِلَةَ الْمَرْضَى لا تَشْتَهِي طَعَاماً وَلا شَرَاباً وَتَوَقَّعْ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ شِفَاءَكَ مِنْ مَرَضِ الذُّنُوبِ وَطَهِّرْ بَاطِنَكَ مِنْ كُلِّ كَدَرٍ وَغَفْلَةٍ وَظُلْمَةٍ يَقْطَعُكَ عَنْ مَعْنَى الإِخْلاصِ لِوَجْهِ اللَّهِ ) قال رسول اللّه صلى الله عليه واله ( قال اللّه تعالى الصوم لي وأجزي به) فالصوم يميت مواد النفس وشهوة الطبع، وفيه صفاء القلب وطهارة الجوارح، وعمارة الظاهر والباطن، والشكر إلى النعم والإحسان إلى الفقراء، وزيادة التضرع والخشوع والبكاء وحبل الالتجاء إلى اللّه، وسبب انكسار الهم وتخفيف الحساب وتضعيف الحسنات، وفيه من الفوائد ما لا يحصى، وكفى بما ذكرناه لمن عقل ووفق لاستعماله •
أقول لو أردنا شرح الحديث لانجر إلى الإطناب، والاختصار خير من الإطناب في هذا الباب، لأن الخيرات كلها عند اللّه سبحانه، فإذا أقبل العبد إلى اللّه أفاض اللّه عليه من فضله بقدر إقباله إليه، والشرور كلها موجودة عند الادبار عن اللّه، فكلما أدبر العبد عن ربه أقبل إليه الشرور، والصوم عبارة عن الادبار التام عن الغير والإقبال التام على اللّه سبحانه بكليته، فتتوجه إليه الخيرات بكليته، واعلم أن الظاهر والباطن لا يعتمران إلا بالتوجه إليه، فلابد من هذا التوجه حتى يعتمر الإنسان، ولذلك أمر اللّه بالصيام إصلاحا لما فسد من الطبائع وخمد من إفراطه، وهذا دليل على وجوب صوم الباطن لأن الظاهر عنوان الباطن ولا قوة إلا باللّه)•