حكاية ديك الجن وإيصالها إلى الوالي

حكاية ديك الجن وإيصالها إلى الوالي

ذكر السيد هاشم التوبلي البحراني في كتاب ( معالم الزلفى ) أن المتوكل بعث إلى ديك الجن بعد ما مضت برهة من الليل , فلما أخبر بذلك تخيل في نفسه أنه ما دعاه في هذا الوقت إلا ليسأله عن فضائل أهل البيت , فإذا ذكر له شيئا منها قتله حنقا وعداوة لآل محمد عليهم السلام فاغتسل وتحنط وأوصى , وذهب إليه فلما رآه وجده جالسا وبين يديه شمعة وهو وحده , فلما أدخل عليه أمره بالجلوس وقال إني بعثت إليك لأسألك عن معنى بيت لك , فإن صدقتني أعطيتك بدرة من الذهب وإلا قتلتك , فقلت أصدقك يا أمير المؤمنين , فقال ما الذي قصدت بقولك:

أصبحت جم بلابل الصدري                     وأبيت منطويا على جمري

إن بحت يوما طل فيه دمي                      وإن كتمت يضيق به صدري

أخبرني ما هذا الذي في صدرك قد ضاق به ذعرك ؟ فقلت يا أمير المؤمنين إن أعطيتني الأمان أصدقك , قال أعطيتك فأنشدت فقلت :

مما جناه على أبي حسن                                 عمر وصاحبه أبوبكر

ثم قال ما تقول في يزيد بن معاوية , رجس كافر ملعون , قال لئن لم تأتني بشاهد من كلامه لأخذت الذي فيه عيناك , فقلت إنه قال حين ما أتي له برأس الحسين عليه السلام وجعل بين يديه فأنشد فقال:

ليت أشياخي ببدر شهدوا                        جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فرحا                           ثم قالوا يا يزيد لا تشل

لست من خندف إن لم أنتقم                     من بني أحمد ما كان فعل

لعبت هاشم في الملك                          فلا خبر جاء ولا وحي نزل

وهذا إنكار منه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنه من الله وأنه ينزل الوحي عليه ومن الله سبحانه , فقال المتوكل لعنه الله من أين أخذ يزيد وعلى قول من أستند ؟ وبقول من اعتمد في هكذا المذهب الباطل ؟ قلت بقول أبيه معاوية , فغضبت المتوكل وقال: فض الله فاك وأجهد بلاك , إن معاوية كان كاتب الوحي , وخال المؤمنين لئن لم تأتني بشاهد من كلامه لأخذت الذي فيه عيناك , فقلت لما حضرت الوفاة معاوية أتت إليه امرأته وقالت له لا أنكح بعدك أبدا التفت إليها وقال:

إذا ما مت يا أم الحميراء فانكح                فليس لنا بعد الممات تلاقيا

فإن كنت قد أخبرت عن مبعث لنا             أحاديث لهو تجعل القلب ساهيا

فقال المتوكل بعدما لعنه أخبرني أنه عن قول من أخذ وعلى رأي من اعتمد ؟ فقلت على قول عمر بن الخطاب فغضب المتوكل غضبا شديدا فقال لئن لم تأتني بشاهد من كلامه , لأخذت الذي فيه عيناك و فقلت إنه شرب الخمر ذات يوم , وأتت إليه امرأته ونهته عن ذلك وخوفته الله وأنشد فقال:

وعدني في المعاد بشرب الخمر                     ونهى الآن عن ماء وتمر

أبعث ثم حشر ثم نشر                                حديث خرافة يا أم عمر

فقال المتوكل وبقول من استند ؟ وعلى رأي من اعتمد ؟ فقلت بقول أبي بكر فاستشاط غيضا وغضبا وانتفخت أوداجه , وقال والله لئن لم تأتني بشاهد من كلامه لأخذن الذي فيه عيناك , فقلت إنه شرب الخمر ذات يوم في نهار شهر رمضان , فأتت إليه امرأته , وقالت إن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم هدر دم من يفطر في شهر رمضان لا سيما الخمر فأنشد عند ذلك فقال:

دعينا نصبح يا أم بكر                               فإن الموت نقب عن هشام

نقب عن أبيك وكان قرما                            شديد البأس شريب المدام

ويخبرنا عن ابن كبشة نحيى                        وكيف حياة أشلاء وهام

ألا هل مبلغ الرحمن عني                           بأني تارك شهر الصيام؟

وتارك كلما أوحى إلينا                              محمد من زخاريف الكلام؟

فقل لله يمنعني شرابي                               وقل لله يمنعني طعامي

ولكن الحكيم رأى حميرا                            فألجمها فتاهت في اللجام

فلما سمع المتوكل منه ذلك , أمر له ببدرة من ذهب ورخصة فانصرف سالما.

انظر الآن أيها المنصف , وتأمل بعقلك وميز بسريرك , هل يجوز لأحد ممن يؤمن بالله وفي قلبه رقة على هذه الفرقة , أن يروي هذه الحكاية لأهل السنة والجماعة سيما والي بغداد الذي قوله فعله ؟ ويجب على مقتضى دينهم أن يوصل الأذية والإهانة لقائل هذا المقال وفيه هتك الشيعة قاطبة وتعرضهم للقتل والنهب وأنواع الأذية ؟ وهل هذا إلا إضرار للمذهب , وتعريض لهذه الفرقة المحقة , كيف ما قدروا , بأي وجه شاءوا والوقت وقت التقية والمقام مقام الهدنة , والشيعة مأمورون بأن يستروا عن المخالفين جزئيات أحكامهم الفرعية خوفا من وثبتهم عند مخالفتهم.

وقد سئل مولانا الكاظم عليه السلام عن مسألة في الحيض فأرخى ستور الخيمة , وأخرج من كان فيها , وأوصاه بالحفظ والكتمان بسر الله إلى أن بين له حكم المسألة , وقال إنه سر الله فلا تذعه , فإذا كان هذا حالهم عليهم السلام في مسألة من مسائل الحيض , يأمرون بالحفظ والكتمان , فما ظنك في القول بالنسبة إلى الصحابة بما لا يليق ؟ فضلا عن هذه الأمور الشنيعة , وقد كان في تلك الأيام قد قتل والي بغداد خال الشيخ موسى بن الشيخ جعفر تغمدهما الله برحمته , وأمطر عليهما سحائب مغفرته والشيخ هناك , بتهمة نسبت إليه واقتراءات افتريت عليه , دون هذا الذي ذكرنا بكثير , بمحض الدعوى بلا بينة ولا شهود مع أن جناب الشيخ موسى كان عنده في الغاية من الاحترام والإعظام فإذا كان هذا حاله بمحض الافتراء بأقل من هذه المقالة , فما ظنك لو وجده في كتاب , وعلم يقينا أن هذا قوله ومذهبه , كيف ترى أن يفعل ولا لوم عليه ولا عتب لو فعل كل شيء من قتل ونهب وأسر وغير ذلك , إلا أن يحول الله بينه وبين إرادته مما لا يشتهي ثم أروه ورقة أخرى وفيها تزويرهم ومكرهم , ونسبة القول إلى مولانا وسيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام , هو الخالق والرازق والمحيي والمميت وهم لا يثبتون له الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل فكيف يثبتون له هذه الأمور , ويطيقون أن يسمعوا هذه النسبة إليه , والقائل بهذا القول عندهم من أفسق الفجرة وأكفر الكفرة , يجب عليهم قتله وسفك دمه ونهب حريمه , وقصدوا ببعث هذا الكتاب أن لا يبقوا للشيخ أعلى الله مقامه باقية , بل أضروا لأجله كل الشيعة , وهذا بعينه قول ابن الزبير في موقعة الجمل , اقتلوني ومالك.

ثم لما أخبر مولانا الشيخ بذلك , اغتم غما شديدا , وحزن حزنا طويلا لما دخل الضرر على جميع الشيعة , وعليه , وكان يترقب وقوع البلية في كل ساعة ودقيقة , إلى أن لم يتمكن من القرار , ولا يسعه الاستقرار واقتضى العلم والتكليف الإلهي الفرار.

الكاتب: السيد كاظم الحسيني الرشتي قدس سره الشريف
المصدر: كتاب دليل المتحيرين

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة