يريد الشيخ الأوحد من (الحركة الجوهرية) الحركة المترتبة على حصول تغيرات في حدود الشيء الماهوية، فلا يتعدى التغيير الى نفس الحقيقة الذاتية وانما يحصل في حركة الشيء التكاملية، أي ان الترقي يكون في حاق رتبته الخاصة وفي سيره التكاملي إلى الله سبحانه بفطرة التكامل المودعة فيه، فالشيء زوج تركيبي من (وجود وماهية) وذات الشيء أو جوهره مؤتلفة منهما، ولا يمكن أن تفهم الذات بمعزل عن إحدهما، فالشيء ليس وجوداً فقط أو ماهية فقط. اي ان التغير بسبب الحركة الجوهرية لن يطال الذات فيحولها الى حقيقة اخرى، انما تسهم الحركة الجوهرية عند الشيخ الاوحد رضوان الله عليه في تغيير ما يعرض على الذات دون المساس بحقيقة الذات وكنهها. وهذا خلاف ما يذهب إليه ملا صدرا من ان الحركة الجوهرية تؤثر في تغير الذات وجوهرها.
ولو أردنا أن نبين موقف كلا الحكيمين (الاوحد وصدرا) من نظرية التطور لقلنا ان الحركة الجوهرية عند ملا صدرا تعبير فلسفي عن نظرية دارون في النشوء والإرتقاء، حيث يمكن ان يترقى المخلوق طبقاً لنظرية التطور في مراتب متصاعدة وينتقل من نوع الى آخر ومن حقيقة الى أخرى، فلا إشكال من انقلاب الحقائق والانواع، فقد ذهب دارون الى القول بأن القرد هو اصل الانسان وجده الأعلى، فقد انقلبت الحقيقة القردية عبر مراحل التطور التاريخية الى الحقيقة الانسانية بسبب التطور.
بينما لا يترتب على القول بالحركة الجوهرية عند الشيخ الأوحد قدس سره إنقلاب الحقائق وتحول الأنواع، بل يكون الترقي في الدرجة فقط، فيتكامل كل مخلوق في حاق رتبته الخاصة بدرجات متصاعدة من دون أن تتحول حقيقته إلى حقيقة آخرى أو ينتقل إلى نوع آخر، وهذا يتفق تمام الإتفاق مع مباديء الشرع الإسلامي كتاباً وسنّة، بل مع بديهة العقل والعلم المعاصر.
ولا بأس هاهنا من الإستئناس بكلام الشيخ الأوحد اعلى الله مقامه بعد ان إتضح مراده من الحركة الجوهرية: فقد ذكر في شرح العرشية (الجزء الثاني) رداً على ملا صدرا: ((وقوله: (ونحن قد أقمنا البرهان علي ثبوت الحركة الجوهريّة) يريد انّه اذا ثبتت الحركة الجوهرية بان يكون الجوهر بنفسه يترقي من رتبته الي ما فوقها وهكذا صاعداً كانت الصورة الحسّية مع ارتباطها بالمادة صورة عقليّة، ونحن قد قلنا له: فهلّا قلتَ في الصورة المرئيّة كذلك، على ان الحركة الجوهريّة انّما تتحقق في نوعها فان الجوهر المعدني لايترقي حتي يكون جوهراً نباتيّا والنباتي لا يكون حَيَوانيّا، نعم المعدني يترقَّي في الرتبة المعدنية كأن يترقّي من الصخرية الي الزجاجية ومن الزجاجيّة الي البلّورية ومن البلّوريّة الي الالماسيّة وكذلك النباتي يترقي في الرتبة النباتية و هكذا…)).
ثم أوضح الشيخ السبب الذي من أجله لا يصح أن يتعدى الترقي رتبة الشيء وحقيقته فيحوله إلى رتبة وحقيقة أخرى، بأن الحركة الجوهرية هي في الواقع حركة بسبب الأعراض أو أن المقتضي فيها هو الأعراض، فالحركة نابعة من ذات الجوهر ولكنها لا تؤثر في انقلاب الصورة النوعية (الماهية) كما توهم ملا صدرا، بل تؤثر فقط على الاعراض للصورة الشخصية (المشخصات) كما يحصل في تكيف الشيء مع محيطه بحسب اختلاف الظروف والملابسات الخارجية، واختلاف الاوصاف من جيل الى اخر، قال أعلى الله مقامه: ((وقوله بهذه الحركة من قاعدته المقرّرة من اثباتِ الحركة الجوهريّة، ونحن نقول بها لكن لا نقول بأنّ المقتضي من ذات الجوهر بل المقتضي الأعراض التي هي حدود الماهية والصورة فانّها هي المحركة للجوهر فيترقّي في مراتب الشدّة بصفاءِ القوابل ويتنزّل في مراتب الضّعف بضعفِها فحركته الجوهريّة التي يترقّي بها او يتنزل حركة انفعاليّة لا حركة فعليّة كما توهَّمه المصنف و اتباعه…)).
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.