فيكون شهر رمضان شهر المبدأ، ودليل الفؤاد؛ لكونه أشرف الثلاثة وأحسنها، وأفضلها وأعلاها، فوجب الصوم والإمساك فيه، لأنه مقام المبدأ الغير المقترن بالحدود، والتعينات المقتضية للشهوات، والإرادات واللذات، ولذا ورد أن رمضان اسم الله فلا تقولوا رمضان، بل قولوا شهر رمضان .
فإذا كان هو شهر الله، كان في التوجه إلى الله كف وإمساك عن السوى، وإلَّا لم يحصل التوجه إلى الله، وفي هذا الشهر تظهر عظمة الله سبحانه وسلطانه وقدرته، فكان وقوف الخلائق في البدء في عالم الذر، إنما هو في هذا الشهر، وعودهم إليه تعالى يوم القيامة، إنما يكون في هذا الشهر، ففيه قوله تعالى : { المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ } ، مع أن في كل الأزمان يكون الملك لَه سبحانه، ولكن الأزمنة الباقية لما كانت مقام القشور والأعراض، وظهور الكدورات، ما ظهرت عظمة الله تعالى وقهاريته، واستهلاك الأشياء، واضمحلالها لعامة الناس، وإنما يظهر ذلك يوم القيامة .
ومعنى نسبة شهر رمضان إلى الله تعالى : ظهور سلطانه في ذلك الشهر، والظهور التام إنما يكون في ذلك اليوم في الدار الآخرة، فيكون ذلك شهر رمضان قطعاً، ولذا اشتق من الرمضاء لاشتداد الحرارة في ذلك اليوم، وضم بعضها ببعض وعرقهم كما هو المعروف .
وفي ذلك اليوم يمسك الإمساك التام عن المفطرات والشهوات، الراجعة إلى النفس والبدن .
وهذا الشهر في الدنيا مثال ذلك وحكايته إن لم نقل عينه، فيجب تذكر الآخرة، والعمل لله تعالى، والتوجه إلى جناب قدسه .
… ولما كان عالم الذر، ويوم القيامة في يوم واحد، وشهر واحد، وفي ذلك اليوم قدرت الآجال والأرزاق، والفقر والغنى، والعز والذل، والموت والحياة، وأمثال ذلك، وهو في الثلث الأخير من ذلك اليوم؛ لأنهم وجُدوا وصلحوا فكلفوا، فقدرت لهم المقادير على حسب قبولهم وإذعانهم، وإنكارهم وإعراضهم .
وفي يوم القيامة أيضاً تقدر لهم منازلهم، ويعطى كل ذي حق حقه أيضاً في الثلث الأخير؛ لأنهم يحشرون فيعرضون على ولي الحساب، فيحاسبون فيدخلون منازلهم في الجنة بمراتبها، والنار بمراتبها، «أعاذنا الله من النار بفضله، وأدخلنا جنته برحمته»، فمن هذه الجهة كانت ليلة القدر في الثلث الأخير من شهر رمضان .
وإنما كانت في الليل؛ لأنها مقام الكثرة، ونفي الوحدة، وهي ليلة حقيقية . وأما يوم عالم الذر فإنما هو لعظم إشراق نور الجبار ذو العظمة والقدس، بحيث محق الظلمات .