أقول : إنَّ الملائكة عند أهل المشاهدة كلُّ جنس منهم من جنس ما وكِّل به، وبذلك الملك قوام تلك الجهة التي وكِّل بها، والموكَّل بذلك الشيء التي لَه صفات وكِّل بها ملك موكّل بتلك الملائكة يردون ويصدرون عن أمره، وهم منه كالنور من المنير .
فملائكة المعقولات عقول، والموكَّل بها عقل الكّل، وملائكة الصُّور صُور، والموكّل بها نفس الكّل؛ يعني اللوح المحفوظ، وهو ملك كما في قول الصادق لسفيان الثوري .
وملائكة الطبائع طبائع، والموكّل بها ملك من أعوانه في ذلك جبرائيل (عليه السلام)، وملائكة الموادِّ موادُّ، والموكّل بها ملك المادة، على نحو ما ذكر .
وملائكة الأشكال أشكال، والموكّل بها ملك شكل الكُل .
وملائكة الأجسام أجسام، والموكّل بها ملك رأسه تحت العرش، ورجلاه في أسفل النجوم .
وملائكة الأعراض كذلك من جنسها .
وما ورد -تصريحاً وتلويحاً– باختلاف المرادات في العبارات عن الستة الأيام التي خلق فيها الأرضون والسماوات وما فيهن وما بينهن، فإذا رأيت العبارات والروايات مختلفة، فضع كل شيء في مكانه .
وقالوا : إنَّ الملائكة خُلِقَت من أشعة الوجود، فلو أتيت إلى موجود متشخص وحللت منه تلك الأشعة اضمحل؛ مثلاً الصخرة إذا طرحت منها الثقل الذي يهبط بها بأمر الله إلى السفل لم تهبط، وإذا طرحت منها الصلابة التي تصدم بها كما شاء الله لم تصدم، وإذا طرحت منها العرض الذي جعلها بإذن الله مرئية لم تُرَ وهكذا، فوكَّل الله بها ملكاً يهبط بها، وملكاً يجعلها تصدم، وملكاً يجعلها تُرى، وتلك أشعة وجودها، فإذا زالت هذه الثلاثة ولحقت بمراكزها اضمحلت من تلك الجهات، وهكذا حتى تفنى .
ففي الماء الملك الموكَّل بالمادة، والموكَّل بالصُّورة النوعية، والموكَّل بالبَلَّة، والموكَّل بالمَيَعَان، والموكَّل بالثقل، وهكذا .
فلو عانق الإمام (عليه السلام) الموكَّل بالبَلَّة أصابه البلل، ألا تراه يتوضأ ويغتسل، فافهم ما أُلقِيَ إليك مما لم يسمع به أحد في الدفاتر، ولو شئت أبَنتُ المراد على ما تتصوره العوام، أنَّ الملائكة كلها ذوات إحساس وشعور؛ لأنهم حيوانات لأظهرت ذلك، ولكنه يحتاج إلى تطويل الكلام، بوضع مقدمات، وإيراد روايات، وإقامة دلالات، وذلك يخرج عن المقام؛ لأنَّ هذا المعنى الذي يقولونه العوام، هو الحق في هذا المقام؛ لأنهم حفظوا عبارات عن أهل الحق (عليهم السلام) طابقت ما فُطِرُوا، فوعوا ظاهرها الذي هو أثر باطنها، ولم يعرفوا باطنها، كما عرفوا الأرواح في الجملة، ولم يعرفوا حقيقتها، ولو وصفتها لهم بعبارة البحث لم يفهموها أبداً، والأرواح بهذا المعنى حرفاً بحرف .
ونحن إنما ذكرنا ذلك؛ جرياً على البحث بطريقة أهل الظاهر، ليقرب إلى فهم من لم يعاين، ومن عاين يعلم أنَّا إنما جعلنا ذلك لذلك، لا أنَّا كما يظن من لم يعاين أنَّا نقول : بأنَّ الملائكة قوى لا غير، نعم هي قوى حساسة درّاكة لما هي لَه، تستفيد جميع الحيوانات منها الإحساس، والشعور، والأحوال كلها فافهم .
المصدر : مسائل حكمية .
للشيخ أحمد بن الشيخ زين الدين الأحسائي أعلى الله مقامه