الرفق بالحيوان – اية الله المعظم الميرزا حسن الاحقاقي

الرفق بالحيوان:

في عام (1347 هـ ش) ، والمصادف (1968 م) ، وبدعوة من بعض الأصدقاء الكرام في الكويت ، سافرت إلى هذا البلد ، وحللت ضيفاً لمدّة شهر عليه ، حيث تشرّفت بلقائه مرّة ثانية بعد سنوات من البعد والفراق ، وخلالها استمتعت بوجودي معه من الناحيتين الروحية والمعنوية ، فوجدته كعادته الدائمة ، فرغم كل الإمكانيات التي وفّرها إليه أصدقائه ومحبّيه إلاّ أنّه فضّل أن يعيش حياة في نهاية البساطة والتواضع ، فالبيت الذي كان يقيم فيه كان بيتاً عادياً ومتواضعاً ، وبما أنّ المرحومة والدتنا كانت مريضة وتعيش في طهران كان سماحته يعيش وحيداً في هذا البيت المتواضع الصغير ، وأثناء إقامتي هناك شاهدت سماحته وعند كل مغرب يصعد سطح الدار حاملاً معه بعض صحون الماء والغذاء ويبقى هناك هنيهة ثم يعود ، وبعد أن شاهدت ذلك منه مراراً دفعني الفضول في معرفة سرّ ذلك ، فقمت بمراقبته ، وأتحيّن الفرصة لصعود سطح الدار ، فما إن صعد حتى صعدتُ خلفه لأعرف ما يفعل ، وفجأة رأيت عدداً من القطط المشلولة تتجمّع فوق سطح الدار ، وكل واحدة منها قد فقدت إحدى أعضائها ، فمثلاً فقدت واحدة منها عينها ، والأُخرى رجلها ، والثالثة ذيلها ، والرابعة سقطت شعر جلدها ، فاجتمعت حوله ، وقام هو بدوره بتقديم الطعام والشراب إليهن ، وما أن فرغن من الأكل والشراب حتى غادرن المكان وهنٌ ترنو لسماحته صامتة ، وكأنما هذه الحيوانات البكماء تقدّم الشكر والامتنان له ، عند ذلك تقدّمت إليه وقلت له : سيدي الوالد انه والله لعمل رائع تقوم به ؟! فقال لي : يا ولدي إنّ بعض الناس الغير أوفياء عندما تكون هذه الحيوانات في شبابها وقوّتها وجمالها يدللنها ويضعونها في الأحضان ، ويجلسونها الأرائك الجميلة ، ولكن عندما تكبر هذه الحيوانات أو تمرض يرمون بها خارج البيت ، فتبقى من دون كفيل ورعاية وهائمة على وجوهن ، حيث تعاني العطش والجوع ، وبعد أن رأيت أنه ليس هناك من أحد يهتم بهذه الحيوانات عاهدت نفسي لأطعم هذه المخلوقات يومياً.

عندها لم يكن أمامي إلاّ أن أقف بإجلال وإكبار واحترام أمام هذا الموقف العظيم الذي وقفه سماحته ازاء الرفق بالحيوان ، فرغم كثرة واجباته وأموره الدينية والاجتماعية ، فإنَّ ذلك لم يمنعه من التفكير لحالة هذه الحيوانات المغلوبة على أمرها ، ومن دون إرادة انحنيت أمامه وأخذت بيده المباركة وقبّلتها ، لأنّها كانت منهلاً للرأفة والكرم والسخاء ، وأثنيت على ذلك القلب الرؤوف الرحيم المملوء عطفاً وحناناً.

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading