فمنهم من يقولون له أن الشيخ يرى أن العلماء من عهد المفيد إلى زماننا كلهم على ضلال , وأن طريقتهم باطلة وأن المجتهدين على الضلال والتضليل ومنهم من يقول لآخرين إن الشيخ يقول أن أمير المؤمنين هو خالق الخلق ورازقهم بالاستقلال , وأنه يعبده من دون الله ويقولون لجماعة آخرى أن الشيخ يقول: أن أمير المؤمنين عليه السلام خالق الخلق ورازقهم ومحييهم ومميتهم بتفويض من الله , وقد فوض الله تعالى أمر الخلق والرزق والموت والحياة إليهم واعتزل عنهم.
ويقولون لجماعة أخرى أن الشيخ يقول أن الضمائر القرأنية الراجعة إلى الله كلها ترجع إلى أمير المؤمنين وخطاب ( إياك نعبد وإياك نستعين ) إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو المخاطب والمشار إليه ويقولون لجماعة أخرى أن الشيخ يقول أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما عرج بجسمه إلى السماء بل إنما عرج بروحه , ويقولون لجماعة أخرى أن الشيخ لا يقول بالمعاد الجسماني , ولا يعتقد أن هذا الجسم الدنيوي يعود , ويقولون أن الشيخ يقول: أن الله لا يعلم الجزئيات وأن علمه سبحانه حادث وله علم آخر قديم , وله علمان. ويقولون أن الشيخ يقول أن الحسين سيد الشهداء عليه السلام ما قتل وإنما شبه للناس , وأمثال هذه من المزخرفات التي يستبشع طبع كل عاقل بل وسفيه منها , وينسبونها إلى ذلك العلامة الذي قد سمعت اتفاق جميع علماء الشيعة ورؤسائهم على جلالة شأنه ونبالته , وهو أعلى الله مقامه بين أظهرهم , ويقول لهم يا قوم إنما فتنتم بها وأن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري , فأنا بريء من هذه العقائد فإن وجدتموها في كتبي , فهذه كتبي حاضرة فأحضروها بين أيديكم واحضروني معكم , وأبين لكم معانيها وأشرح لكم مبانيها , وأعلموا أني ما أقول إلا ما اتفقت عليه كملة الشيعة , ولا أدين إلا ما دانت به حملة الشريعة , ما قالوا آل محمد قلنا , وما دانوا به دنا , اتقوا الله ولا تشقوا عصى المسلمين , ولا توقعوا الفتنة في الدين , ولا تشمتوا بنا المنافقين , ولا تشفوا بنا غيظ قلوب الحاسدين. فإني ما أقول إلا الحق , وما أقول إلا أن الله سبحانه واحد في ذاته وصفاته وعبادته وأفعاله , ولا شريك لله في شيء , من هذه الأحوال فهو سبحانه الواحد المتفرد في خلق الأشياء ورزقها وحياتها ومماتها وهو قوله تعالى ( الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون ) وأن التفويض باطل واعتزال الحق عن الخلق يوجب الاستقلال , وهو في الممكن محال , والتفويض عند الإمامية ممتنع في الأفعال الاختيارية المنسوبة إليهم لقد قالوا فيها بالأمر بين الأمرين والله سبحانه يقول ( هل من خالق غير الله ) ويقول ( ما ذا خلقوا من الأرض ) وإن الضمائر الراجعة إلى الله في القرآن لا يجوز أن ترجع إلى غيره سبحانه نبيا كان أم وليا أم ملكا أم غير ذلك , بل هو المراد سبحانه في جميع الأسماء والصفات والله سبحانه يقول ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ) وإن المعاد إنما هو بهذا البدن المحسوس الملموس المرئي في الدنيا لا ببدن آخر ولا بالروح وحده وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما عرج بهذا الجسم الدنيوي ببشريته وثيابه ونعله , وأن الله سبحانه يعلم الأشياء بذاته قبل وجودها وبعد وجودها وحين وجودها لن تتفاوت أحواله سبحانه لم يسبق له الحال , ليكون أولا قبل أن يكون , أخرا أو ليكون ظاهراً قبل أن يكون باطنا.
وأنه سبحانه عالم بكل شيء كليها وجزئيها ذاتيها وعرضيها مجردها وماديها وسفليها ( لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ).
وأن الحسين سيد الشهداء عليه السلام سيد شباب أهل الجنة قتل مظلوما غريبا شهيدا وأن لي قصائد في رثائه عليه السلام وإنه ما بكى بعد خشية الله إلا للحسين عليه السلام كما قال الدمستاني رحمه الله في وصف العارفين الكاملين.
ولم يسل منه دمعا على بشر
إلا على معشر في كربلاء قتلوا
وأن علماء الشيعة هم حفظة الشريعة وحملة الدين والملة وأمناء الله في زمان الغيبة , وإن المفيد رحمه الله عظيم الشأن جليل القدر واسع المنزلة في رثاه الإمام صاحب الزمان عليه وعلى آبائه السلام بأبيات ثلاث وهي:
لا صوت الناعي بموتك
إنه يوم على آل الرسول مشوم
إن كان شخصك في التراب موسدا
فالعدل والتوحيد في مقيم
والقائم المهدي يفرح كلما
تليت عليك من العلوم رسوم
وأن السيد المرتضى علم الهدى صاحب الثمانين , وذو الرئاستين الجامع بين العلم والعمل بتصفينه الشافي قصم ظهر الملحدين المعاندين وقوى مذهب الحق بالأدلة والبراهين وأظهر فروع الشريعة بواضح الحجة والبينة وبلائة في الإسلام عظيم رحمه الله من سيد بذل مجهوده بنصرة هذا الدين القويم.
وأن شيخ الطائفة بتصنيفة الكتب لاسيما التهذيبين له حق على العلماء والمؤمنين , والعلامة آية الله في العالمين وهكذا سائر العلماء قد أطنب في مدحهم وأصر في نشر مناقبهم وفضائلهم , ثم قال لهم يا قوم هذا مذهبي وديني وكتبي , لا أخالف ما أقول , وإن بعضا العبارات مبنية على اصطلاحات غير مأنوسة لكم , حيث أنكم ما مارستموها , ولا توجهتم لطلبها , فاحضروا عندي أو احضروني عندكم , حتى أشرح لكم الحال بواضح المقال , فلم يلتفتوا إلى قوله ولم يصنعوا إلى كلامه وخالفوا قول الله سبحانه وتعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً ).
وخالفوا ما انعقدت عليه ضرورة الإسلام من أن الظاهر لا يعارض النص , وأن كل أحد إذا بين مرادة يصدق لأنه أعلم بما في قلبه وأدرى بما عنده , والكلام يجري للعالم أن يجري كلامه كيف شاء ولا لوم عليه ولا عتب.
الكاتب: السيد كاظم الحسيني الرشتي
المصدر: كتاب دليل المتحيرين