وهذا الإعرابي لما حضر مجلس عمر وقال ( إني أكره الحق وأحب الفتنة , وأشهد بما لم أره , وعندي , وعندي ما ليس عند الله , وأعلم ما لا يعلمه الله , وأصدق اليهود والنصارى , وأكل الميتة , ولا أركع ولا أسجد , وأنا أحمد النبي , وأنا علي , وأنا ربكم , فأنكر عمر عليه , وقال له ازددت كفرا على كفرك , وأمر بضرب عنقه , وكان أمير المؤمنين عليه السلام حاضرا فقال عليه السلام مه يا عمر فإن هذا رجل من أولياء الله , ما تكلم إلا بالحق
أما قوله ( إني أكره الحق ) يعني الموت وكل أحد كره الموت وأما قوله ( أحب الفتنة ) فإن الله سبحانه وتعالى يقول ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) وكل أحد يحب المال والولد , وأما قوله ( أشهد بما لم أره ) فإنه يشهد بالله ولم يره بالبصر , وأما قوله ( عندي ما ليس عند الله ) فإنه عنده ظلم لنفسه , وليس عند الله ظلم وأما قوله ( أعلم ما لا يعلمه الله ) فإنه يعلم أن له ولد وشريك , ولا يعلم الله سبحانه له شريك أو ولد , والله سبحانه يقول ( أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول ) وأما قوله ( أصدق اليهود والنصارى ) في تكذيب بعضهما بعض وهو قوله تعالى ( قالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ) وأما قوله ( آكل الميتة ) الجراد والسمك , وأما قوله ( ولا أركع ولا أسجد ) في صلاة الجنازة , وأما قوله ( أنا أحمد النبي ) يعني أحمده على تبليغه الرسالة وأثني عليه , وأما قوله ( أنا علي ) يعني علي في قولي هذا واعتقادي لست بمتسافل , وأما قوله ( أنا ربكم ) بمعنى لي كم وصاحب كم , وهي الردن من اللباس فقام عمر وقبل رأس أمير المؤمنين عليه السلام وقال ( لا بقيت بعدك يا أبا الحسن ).
فإذا أول أمير المؤمنين عليه السلام هذه الكلمات لأعرابي عامي فكيف تجرون في كلامي , وكذلك العلماء في كلماتهم وعباراتهم المتشابهات التي ظاهرها الكفر كثيرة , ولم يحكم أحد بكفرهم ولا فسقهم ولا بنقص في وثاقتهم , مع أنه ما في عبائري ما يشاكل عبائرهم. وهذا السيد المرتضى علم الهدى ذكر في رسالة صنفها في العقائد وفيها ذكر إسلام أبي طالب عليه السلام ذكر فيها أن الله تعالى ليس إلها للأعراض ولا للجوهر الفرد , مع أنه قد علم من ضرورة الإسلام أن الله سبحانه إله كل شيء ولم يحكم أحد بكفره , ولم يجوز سوء القول فيه مع أن عبارته ظاهرة كالصريحة في ذلك , وهذا المجلسي رحمه ا لله في كتابه صراط النجاة ذكر المقدورات وجعلها أقساما , وقال إن أحد الأقسام يقدر عليه الخلق ولا يقدر عليه الله .
وهذا الأردبيلي قد جوز التركيب العقلي في الله , والخونساريان جوزا انتزاع المدد الغير المتناهية من ذات الله , والصدوق ذكر في الفقية أن الغلاة والمفوضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي وذكر أنه يتقرب إلى الله في وضع رسالة في سهو النبي والأئمة عليهم السلام , وأنتم تعلمون أن جميع علماء الشيعة من عهد المفيد رحمه الله إلى زماننا هذا متفقون على أن النبي والأئمة عليهم السلام لا يسهون , وقد شملت لعنته جميع علماء الشيعة وأساطين الشريعة . وهكذا أمثال هذه العبارات لأمثال هؤلاء العلماء والبررة السادات كثيرة جدا لو أردنا ذكرها لاقتضى مجلدا كبيرا ( فمالكم كيف تحكمون ) فإن كان يجب حمل الكلام على ظاهره ولا يلتفت إلى قوله , فما بالكم ما حملتم هذه الكلمات على ظواهرها وما حكمتم بكفر قائلها ولا بفسقهم , ولا بنقص وثاقتهم , ولا فتور في عدالتهم , وما تجرون ما أجريتموه فيهم في كلماتي وعباراتي مع أنها ليست في الدلالة على ما تزعمون بأظهر من هذه العبارة ؟ وإن وجب الحمل على معنى صحيح إذا تبين من قائله خلاف ذلك فأنتم ما شاهدتم أولئك العلماء أصحاب هذه العبارات واكتفيتم من كتبهم من كلمات وعبائر تدل بخلاف تلك العبائر دعتكم حمل هذه العبائر عليها , فإن كان تكتفون بألفاظ الكتب وعباراتها في الحمل على المعنى الصحيح ما ظاهره كفر صريح , فهلا تكتفون مني بما أقول لكم بلساني وأخبركم عما في نفسي ؟
فكيف تجوزون الاجتهاد في مقابلة النص معي , وتجرونه في , ولا تجرونه في غيري , ولا تجتهدون في كلمات غيري هل جاءكم نص من الله ومن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أو أحد الأئمة عليهم السلام أن لا تسمعوا قولي ولا تحملوني على الصحة وأن تعملوا بظاهر كلامي على زعمكم , مع أن ما تزعمون ليس بظاهر من كلماتي ولا تلتفتوا إلى ما تسمعون مني فهلا أطعتم الله في قوله سبحانه وتعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) وها أنا ألقي إليكم عقائد الإسلام وعقائد الإيمان وهلا قال سبحانه وتعالى ( وقالت اليهود بد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ) ولم يقل بما كتبوا هلا تراعون معي ظاهر الشريعة فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد , فلم يلتفتوا إلى قوله ولم يصغوا إلى كلامه وأصروا واستكبروا استكبارا وازدادوا عتوا وعنادا ولم يحضروا معه , ولم يسألوا عنه ولم يلتفتوا إلى قوله وكتبوا في البلدان إلى رؤسائها وأهل الحل والعقد أن الشيخ أحمد كذا وكذا اعتقاده وشوشوا قلوب الناس وجعلوهم في التباس , ولم يكفهم ذلك حتى أنهم أخذوا الجزء الرابع من شرح الزيارة الجامعة , وأتوا به إلى وزير بغداد , وفيها من مطاعن الخلفاء ومثالبهم ما شاء الله وقد كان رحمه الله قد ذكر في هذا الجزء حكاية حسن بن هاني حيص بيص ديك الجن مع المتوكل والأبيات التي قرأها بمحضر منه وأنا أذكر تلك الحكاية وأشرحها. لتطلع عليها لتعرف شناعة فعلهم هذا وقباحته , لأن ضرره ما كان على الشيخ وحده , وإنما هو على كل الشيعة نعوذ بالله من شرور الأنفس وخائنة الأعين.
الكاتب: السيد كاظم الحسيني الرشتي
المصدر: كتاب دليل المتحيرين