4 – علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم، عن المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا رأيتم العالم محبا لدنياه فاتهموه على دينكم، فإن كل محب لشيء يحوط ما أحب». وقال (صلى الله عليه وآله): «أوحى الله إلى داود (عليه السلام): لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي، فإن اولئك قطاع طريق عبادي المريدين، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي عن قلوبهم».
* الشرح:
(علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم، عن المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا رأيتم العالم محبا لدنياه) يعرف محبته لها بميله إليها ووثوقه بها واعتماده عليها بحيث لو فاتته تألم وجزع ولو أتته نشط وفرح، ولا يبالي من أين تأتيه.
(فاتهموه على دينكم) أي اجعلوه متهما على الدين ضعيفا في اليقين بعيدا عن معرفة حقيقته (1) والأخذ بطريقته، واعتقدوا أن كل فعله مطابق لقوله، وكل قوله ناظر إلى امور الدنيا وفوائدها مائل عن الآخرة ومنافعها، فلا تتبعوه في أقواله وأعماله ولا تجالسوه ولا تسألوه فإنكم إن جالستموه يردكم إلى الدنيا فتكونوا مثله من الخاسرين وإن سألتموه يصدكم عن الحق فتكونوا مثله من الهالكين.
(فإن كل محب لشيء يحوط ما أحب) أي يحفظ ويرعى ما أحبه، يقال: حاطه يحوطه حوطا، أي كلاه ورعاه.
والحاصل: أن هذا العالم يحرس الدنيا ويحفظها، وكل من هو كذلك فهو متهم في الدين في كل ما يقول ويعمل; لأن حب الدنيا وحراستها لا يجامع حب الدين وحراسته في قلب واحد; إذ ميله إلى أحد المتقابلين يوجب إعراضه عن الآخر، كما يرشد إليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «فمن أحب الدنيا وتولاها أبغض الآخرة وعادها» (2)، فهذا العالم أيضا متهم في الدين فصح التعليل. (وقال (صلى الله عليه وآله): أوحى الله إلى داود (عليه السلام): لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا بالدنيا) يعني لا تتوسل لمعرفتي وإحساني بعالم مفتون أضلته الدنيا بزهراتها وأخرجته عن طريق محبتي بشهواتها وحبسته عن مشاهدة جلالي بلذاتها.
(فيصدك عن طريق محبتي) أي يمنعك عن طريق يوصلك إلى محبتك إياي ومحبتي لك ويرغبك إلى الدنيا وزينتها فتصير مفتونا بها مثله.
(فإن اولئك) هم المفتونون بالدنيا البعيدون عن الرحمة.
(قطاع طريق عبادي المريدين) لمحبتي الطالبين لكرامتي القاصدين لسبيل مرضاتي، فإن اولئك يزينون الدنيا عندهم، ويرغبونهم إليها قولا وفعلا، ويمنعونهم من الرجوع إلى عالم إلهي ونحرير رباني، ولو لم يكن اولئك الضالون المضلون السارقون اسم العلم وزي العلماء جالسين في مسند الشرع وداعين للخلق إلى مفترياتهم لجال الناس إلى أن يجدوا هاديا مسددا وعالما مؤيدا.
(إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي عن قلوبهم) وكيف تكون قلوبهم قابلة لذوق مناجاته وهي مشغولة بغيره ملوثة بحب الدنيا وزينتها متنجسة بفضلة النفاق والعناد مظلمة بظلمة إضلال العباد؟! والنجوى السر بين اثنين، يقال: نجوته نجوا أي ساررته، وكذلك ناجيته وهو إنما يكون بين المحبين فحلاوة مناجاته تعالى تابعة لمحبته ولا يوازيها شيء من نعمائه عند الصديقين الذين خلصوا من مقتضيات سجيتهم ومشتهيات طبيعتهم وأخذت العناية الأزلية والسعادة الأبدية زمام قلوبهم فبذلوا المجهود في السير إلى الله ولزوم أوامره ونواهيه وبالغوا في تصفية بواطنهم وصقال ألواح نفوسهم وإلقاء حجب الغفلة وأستار الحياة البدنية عنهم حتى أشرقت عليهم شموس المعارف الإلهية وسالت في أودية قلوبهم مياه المحبة الربانية، فإنهم يعدون نزع حلاوة المناجاة من ذائقة قلوبهم طرفة عين من أشد العذاب، وإذا كان نزعها أدنى ما يصنع بهؤلاء الظالمين فماذا قدر أعلاه (1)؟ سبحانك نحن عبادك ولا ناصر لنا غيرك فانصرنا وثبت أقدامنا على صراطك إنك قريب مجيب.
المصدر: شرح أصول الكافي – مولي محمد صالح المازندراني – ج ٢ – الصفحة 160 – 161 – 162