🛑 وقفة عند لوحةِ خُروجِ الحسين الحزينةِ مِن المدينةِ إلى مكّة
(هل كان سيّدُ الشهداء خائفاً كما يُقال؟!)
❂ يقولُ نبيُّنا الأعظمُ وهو يتحدّثُ عن سيّدِ الشُهداءِ وعن مُصيبتِهِ العُظمى، وعن ليلةِ هِجرتِهِ الحزينةِ مِن حرمِ جدّهِ إلى مكّةَ، يقول:
(وأمّا الحُسينُ فإنّهُ مِنّي، وهو ابني وولدي، وخيرُ الخَلْقِ بعد أخيه، وهو إمامُ المُسلمين، ومولى المُؤمنين، وخليفةُ ربِّ العالمين، وغياثُ المُستغيثينَ، وكهفُ المُستجيرينَ، وحُجّةُ اللهِ على خَلقِهِ أجمعين، وهو سيّدُ شبابِ أهلِ الجنّة، وبابُ نجاةِ الأُمّة، أمرُهُ أمري، وطاعتُهُ طاعتي، مَن تَبِعَهُ فإنّه منّي، ومَن عصاهُ فليس مِنّي،
وإنّي لَمَّا رأيتُهُ تذكرتُ ما يُصنَعُ به بعدي.. كأنّي به وقد استجار بحَرَمي وقبري فلا يُجار، فأضمُّهُ في منامِهِ إلى صدري، وآمُرُهُ بالرحلةِ عن دارِ هِجرتي، وأبشّرُهُ بالشهادة، فيرتحلُ عنها إلى أرضِ مَقتلِهِ ومَوضعِ مَصرعِهِ أرضِ كربٍ وبلاء وقتلٍ وفناء، تنصُرُهُ عِصابةٌ مِن المُسلمين، أُولئكَ مِن سادةِ شُهداءِ أُمّتي يومَ القيامة،
كأنّي أنظرُ إليه وقد رُمِيَ بسَهْمٍ فخَرَّ عن فرسِهِ صريعاً، ثُمَّ يُذبَحُ كما يذبحُ الكبشُ مظلوماً.. ثمَّ بكى رسولُ اللهِ “صلَّى اللهُ عليهِ وآله” وبكى مَن حولَهُ، وارتفعت أصواتُهُم بالضجيج، ثمّ قام “صلّى اللهُ عليهِ وآله” وهو يقولُ: الَّلهُمّ إنّي أشكو إليكَ ما يلقى أهلُ بيتي بعدي..)
[آمالي الصدوق]
〰〰〰〰〰〰
[توضيحات]
✦ قولُهُ: (كأنّي به وقد استجار بحَرَمي وقبري فلا يُجار، فأضمُّهُ في منامِهِ إلى صدري، وآمُرُهُ بالرحلةِ عن دارِ هِجرتي، وأبشّرُهُ بالشهادة)
هذا المشهدُ المؤلمُ أشار له إمامُ زمانِنا في زيارةِ الناحيةِ المُقدّسة،
إذ يقولُ وهو يحدّثُنا عن مِثلِ هذه الأيّامِ الّتي كان فيها سيّدُ الشهداءِ يتهيّأُ فيها للخروجِ مِن المدينةِ إلى مكّةَ كخُطوةٍ أُولى في مسيرةِ مشروعِ عاشوراء، يقول:
(حتّى إذا الجَورُ مَدَّ باعَهُ، وأسفرَ الظُلْمُ قِناعَه، ودَعا الغَيُّ أتباعَه، وأنت في حَرَمِ جدّك قاطِن، وللظالمينَ مُباين،
جليسُ البيتِ والمِحراب، مُعتزِلٌ عن الّلذاتِ والشهَوَات، تُنكِرُ المُنكَرَ بقلبِكَ ولسانِك، على حَسَبِ طاقتِكَ وإمكانِك،
ثمّ اقتضاكَ العِلْمُ للإنكار، ولَزِمَكَ أن تُجاهدَ الفُجّار، فسِرْتَ في أولادِك وأهاليك، وشِيعتكَ ومواليك..)
• أيضاً تُحدّثُنا مولاتُنا سُكينةُ بنتُ الحسين عن الّليلةِ التي خرجت فيها قافلةُ الحسينٍ مِن المدينةِ إلى مكّة، تقول:
(خرجنا مِن المدينةِ في ليلةٍ مُظلمةٍ ذاتِ رعدٍ وبرق، حتّى خِلْنا أنَّ السماءَ أُطبِقت على الأرض!)
وفي روايةٍ أُخرى تقول:
(لمّا خرجنا مِن المدينةِ ما كان أحدٌ أشدَّ خوفاً مِنّا أهلَ البيت)
وفي روايةٍ أُخرى تقول:
(حين خرجنا مِن المدينةِ ما أهلُ بيتٍ أشدُّ غمّاً ولا خوفاً مِن أهلِ بيتِ رسولِ الله “صلّى اللهُ عليه وآله”)
[منتخب الطريحي]
✦ هذه العبارة: (خرجنا مِن المدينةِ في ليلةٍ مُظلمةٍ ذاتِ رعدٍ وبرق) تُبيّن لنا أنَّ خروجَ الحسين مِن المدينةِ كان ليلاً وليس نهاراً،
فسيّدُ الشهداءِ خرج ليلةَ الثامِن والعشرين مِن رجب.. يعني خرج في نفسِ يومِ بعثةِ النبيّ مساءً،
وقطعاً هذا الميعادُ ليس صُدفةً أبداً.. وإنّما هو تخطيطٌ إلهيٌّ دقيقٌ له رمزيّةٌ ودلالةٌ واضحةٌ على الترابطِ بين المشروعِ الحُسيني والمشروعِ المهدوي،
فالمشروعُ الحسينيُّ العملاقُ هو زيتُ الوقودِ الذي يُحرّكُ عجلةَ المشروعِ المهدوي،
والدولةُ المهدويّةُ هي مُقدّمةٌ وبوّابةٌ لإقامةِ الدولةِ المُحمّديّةِ العظمى التي تُمثّلُ مشروعَ اللهِ في الأرض والذي يتحقّقُ على أرضِ الواقعِ في عصرِ الرجعةِ العظيمة،
وهذا المشروعُ الإلهي (وهو الدولةُ المُحمّديّةُ العُظمى) إنّما هو تعويضٌ مِن اللهِ لِما جرى على الحسين، كما يقولُ إمامُنا العسكري في دعائه الشريفِ يومَ مولدِ الحسين، يقول:
(قتيلِ العَبرةِ، وسيّدِ الأُسرة، الممدودِ بالنُصرةِ يومَ الكرّة، المُعوَّضِ مِِن قتلِهِ أنّ الأئمّةَ مِن نسلِهِ، والشفاءَ في تربتِهِ، والفوزَ معه في أوبتِهِ، والأوصياءَ مِن عترتِهِ بعد قائمِهم وغيبتِهِ..)
هذا هو الترابطُ ما بين مشروعِ الحسين وبين الدولةِ المُحمّديّةِ العُظمى التي ستُقامُ في عصرِ الرجعةِ العظيمة،
لاحظوا كم لعقيدةِ الرجعةِ مِن الأهميّة،
فمشروعُ اللهِ في الأرض (وهو الدولةُ المُحمّديّةُ العُظمى) التي تصِفُها الرواياتُ بأنّها “جنّةُ الدنيا” هي تعويضٌ مِن اللهِ لقتلِ الحسينِ وما جرى عليه،
ليست تعويضاً لدمِ الحسين.. فدمُ الحسينِ لا يُعوَّض، وإنّما تعويضٌ عن عمليّةِ القتلِ لسيّدِ الشُهداء
مِن هنا كان خُروجُ سيّدِ الشهداءِ مِن المدينةِ إلى مكّة مُتوافقاً مع بعثةِ النبي (أي في المساء مِن يومِ المبعث) ليُشيرَ إلى أنّ مشروعَ الدولةِ المُحمّديّةِ العُظمى -التي تُمثّلُ التأويلَ الأعظمَ للبعثةِ المُحمّديّة – هذا المشروعُ المُحمّديُّ إنّما تبدأُ خطواتُهُ الأولى مِن الحسين،
وهذا معنى قولُ النبي: (وأنا مِن حسين)
ويُشيرَ أيضاً إلى أنّ هدفَ خُروجِ سيّدِ الشهداء مِن المدينةِ إلى مكّة ثُمّ مِن مكّةَ إلى كربلاء.. هذا الهدفُ هو بعينِهِ جوهرُ البعثةِ المُحمّديّة،
• فجوهرُ بعثةِ النبي: هو الدعوةُ لولايةِ عليٍّ وآلِ علي (أي الدعوةُ لولايةِ الإمامِ المعصوم)
• وهدفُ سيّدِ الشهداء مِن خُروجِهِ: هو الدعوةُ أيضاً لولايةِ الإمامِ المعصوم.. (وسيأتي توضيحُ هذه النقطة في طوايا الموضوع)
✦ قولُ السيّدة سُكينة: (لمّا خرجنا مِن المدينةِ ما كان أحدٌ أشدَّ خوفاً مِنّا أهلَ البيت)
هذا المضمونُ يتردّدُ كثيراً على ألسنةِ الشُعراء والخُطباء بأنّ الحُسينَ خرج مِن المدينةِ “خائفاً” كما جاء في قصيدةِ السيّد جعفر الحلّي الميميّةِ المعروفة، إذ يقول فيها:
خرج الحُسينُ مِن المدينةِ خائفاً
كخُروجِ مُوسى خائفــاً يتكتّـمُ
وقد انجلى عن مكّةٍ وهو ابنُها
وبه تشرّفت الحطيمُ وزمـــزمُ
لم يُدري أين يُريحُ بُدْنَ رِكابِهِ
فكأنَمـــا المـــأوى عليه مُحرّمُ
لابُدّ مِن الإشارةِ هنا إلى أنّ قولَ الشاعرِ واصفاً خُروجَ سيّدِ الشهداء: (كخروجِ مُوسى خائفاً يتكتَّمُ)
هذا التشبيهُ فيه خلل.. لأنّ سيّدَ الشهداء لم يخرج خائفاً على نفسِهِ كخُروجِ موسى،
نعم مُوسى خرج خائفاً على نفسِهِ ولكن ليس بهذا الخوفِ الّذي ينتابُنا نحن،
موسى عندهُ رسالة.. وخوفُهُ على نفسِهِ هو خوفُهُ على رسالتِهِ،
أمّا سيّدُ الشُهداء – إن كان له مِن خوف- فخوفُهُ على مشروعِهِ وليس على نفسِهِ،
فسيّدُ الشهداء يعلمُ أنّه سيُقتل.. ولكنّهُ ما أراد أن يُغدَرَ به المدينةِ أو في مكّةَ فيُقتَل هناك، فخرج مِن المدينةِ ومِن مكّة.. لأنّ مشروعَهُ أن يُقتَلَ في كربلاء،
فخوفُ الحُسينِ كان على مشروعِهِ وليس على نفسِهِ.. وقطعاً ليس خوفُهُ كالخوفِ الذي ينتابُنا،
فإذا كان الشاعرُ يقصِدُ هذا المعنى فذلك صحيح.. أمّا إذا قصد شيئاً آخر فليس صحيحاً
• أيضاً قولُ الشاعر في وصفِ خُروج الحسين:
لم يدرِ أين يُريحُ بُدْنَ رِكابِهِ
فكأنَما المأوى عليه مُحرَّمُ
إذا كان مقصودُ الشاعر هو إظهارُ الحُزنِ والمظلوميّة.. فلا بأسَ به،
أمّا إذا كان المقصودُ أنّ الحسينَ لم يدرِ فعلاً أين يُريحُ بُدنَ رِكابِهِ وأين يستريح.. فهذا غيرُ صحيح،
الحُسينُ خرج مِن مكّةَ وسلك الطريقَ العام وهو عالِمٌ إلى أين يتّجه، وكان ينزلُ ويستريحُ بشكلٍ على أقلِّ مِن مهلِهِ، فقد سلك الطريقَ بشكلٍ طبيعيٍّ جدّاً،
كما يقولُ الشيخُ المُفيد في كتابِهِ الإرشاد وهو يتحدّثُ عن ليلةِ خُروجِ سيّدِ الشهداء مِن المدينِة إلى مكّة، يقول:
(فخرج عليه السلام مِن تحتِ ليلتِهِ – وهي ليلةُ الأحدِ ليومينِ بقيا مِن رجب – مُتوجّهاً نحو مكّة ومعه بنوهُ وإخوتُهُ وبنو أخيه وجلُّ أهلِ بيتِهِ..)
إلى أن يقول:
(فسار الحُسينُ عليه السلام إلى مكّةَ وهو يقرأُ: ﴿فخرجَ مِنها خائفاً يترقّبُ قال ربِّ نجّني مِن القومِ الظالمين﴾ ولَزِمَ الطريقَ الأعظم، فقال له أهلُ بيتِهِ: لو تنكّبتَ الطريقَ الأعظمَ كما صنعَ ابنُ الزُبيرِ لئلّا يلحقَكَ الطَلَب، فقال: “لا واللهِ لا أفارِقُهُ – يعني الطريق العام الأعظم – حتّى يقضيَ اللهُ ما هو قاض”)
هذا التوضيحُ نذكرُهُ لأنّ هذا التعبيرَ الواردَ في القصيدة: (لم يدرِ أين يُريحُ بُدنَ ركابِهِ) يُصوّرُ الحسينَ وكأنّه خرج فارّاً.. وهذا غيرُ صحيح،
الحُسينُ خرج مِن المدينةِ وعندَهُ برنامج، عنده مشروع.. وحتّى الطريقُ الأعظمُ (الطريق العام) الّذي سَلَكهُ سيّدُ الشهداء في هجرتِهِ كان جُزءاً مِن خُطّةِ سيّدِ الشهداء في مشروعِهِ،
هذا المشروعُ الحُسينيُّ يرتبطُ ارتباطاً مِفصلّياً ببعثةِ النبيّ وبتحقيقِ أهدافِها في عصرِ الرجعة،
فهدفُ سيّدِ الشهداء حين خرج مِن المدينةِ إلى مكّة ثمّ مِن مكّةَ إلى كربلاء.. هو بعينِهِ جوهرُ البعثةِ المُحمّديّة،
فجوهرُ بعثةِ النبي -كما مر-: هو الدعوةُ لولايةِ عليٍّ وآلِ علي،
وهدفُ سيّدِ الشهداء مِن خُروجِهِ: هو الدعوةُ أيضاً لولايةِ الإمامِ المعصوم، كما بيّن ذلك سيّدُ الشهداءِ في وصيّتِهِ التي كتبها في المدينةِ حين تهيّأ للخروج، إذ يقول فيها:
(وإنّما خرجتُ لطلبِ الإصلاحِ في أُمّةِ جدّي، أُريدُ أن آمُرَ بالمعروفِ وأنهى عن المُنكر، وأسيرَ بسيرةِ جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب)
فالمعروفُ الذي أراد سيّدُ الشهداء أن يأمرَ به هو جوهرُ المعروف؛ وهو الدعوةُ لولايةِ الإمام المعصوم،
فالمصداقُ الأوّلُ للمعروفِ هو الإمامُ المعصوم،
وفي زمانِنا هذا المُراد مِن الأمرِ بالمعروف هو الدعوةُ لولايةِ إمام زمانِنا
والمُرادُ مِن المُنكر هو جوهرُ المُنكرِ وهو موالاةُ أعداءِ آلِ محمّد، كما يُبيّن ذلك إمامُنا الصادقُ في حديثِهِ مع أبي حنيفة، حين سأل أبو حنيفة الإمامَ قائلاً:
(جُعلتُ فِداك، ما الأمرُ بالمعروف؟
فقال الإمام: -يا أبا حنيفة- المعروفُ في أهلِ السماءِ المعروفُ في أهلِ الأرض، وذاك أميرُ المُؤمنين عليُّ بن أبي طالب،
فقال أبو حنيفة: جُعلتُ فِداك، فما المُنكر؟ قال الإمام: الّلذان ظَلَماهُ حقّهُ وابتزّاهُ أمرَه، وحملا الناسَ على كتفِهِ.
قال أبو حنيفة: أليس هو أن ترى الرجلَ على معاصي اللهِ فتنهاهُ عنها؟!
قال الإمام: ليس ذاك أمراً بالمعروف ولا نهياً عن المُنكر، إنّما ذاك خيرٌ قدِّم)
[تأويل الآيات]
• قولُ أبي حنيفة: (أليس هو -أي النهيُ عن المُنكر والأمر بالمعروف- أن ترى الرجلَ على معاصي اللهِ فتنهاهُ عنها؟)
هذه هي الثقافةُ الخاطئةُ السائدةُ في أذهانِنا عن معنى الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المُنكر، وهي ثقافةُ المُخالفين،
لأنّ الإمامَ نفى ذلك بوضوح وقال: (ليس ذاك أمراً بالمعروفِ ولا نهياً عن المُنكر)
يعني أنّ النهيَ عن المعاصي والأمرَ بالطاعاتِ هي أفعالٌ محمودة، ولكنّها لا تُمثّلُ الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المُنكرِ في ثقافةِ العترة
عنوانُ “المعروف” في رواياتِ العترةِ يعني: الإمامَ المعصوم،
وبمعنىً آخر: هو ولايةُ الإمامِ المعصوم
والأمرُ بالمعروف: يعني الأمرُ بولايةِ الإمامِ المعصومِ وطاعتِهِ،
وذلك هو جوهرُ البعثةِ المحمّديّة،
والنهيُ عن المُنكر سيكونُ واضحاً حينئذٍ.. لأنّ الأشياءَ إنّما تستبَانُ بأضدادِها،
فالنهيُ عن المُنكرِ هو النهيُ عن ولايةِ أعداء أهلِ البيت.. فإنّ ولايةَ أعداءِ أهلِ البيتِ هي أنكرُ المُنكرِ كما يقولُ إمامُنا الصادق: (وأيُّ مُنكرٍ أنكرُ مِن ظُلْم الأُمّةِ لنا وقتْلِهم إيّانا)!