وقفة عند معنى “الصلاةِ الوسطى” في ثقافةِ العترة وبيان رمزيّة ارتباط “صلاة المغرب” بالزهراءِ

وقفة عند معنى “الصلاةِ الوسطى” في ثقافةِ العترة
وبيان رمزيّة ارتباط “صلاة المغرب” بالزهراءِ
:
في ثقافة أهل البيت الدينُ له ظاهرٌ وله باطن، ودِيننا قائمٌ على الترابط بين الظاهر والباطن
فالصلواتُ المفروضة مثلاً.. هذهِ الصلواتُ في ثقافةِ العترة في ظاهرِها هي عباداتٌ تُؤدّى في أوقاتٍ مخصوصة.. ولكنّها في حقيقتِها إنّها عناوين تُشيرُ إلى مُحمّدٍ وآلِ مُحمّدٍ “صلواتُ اللهِ عليهم”.. كما يُبيّنُ ذلك إمامُنا الصادقُ في هذهِ الرواية:
يقولُ “صلواتُ اللهِ عليه” في معنى قولِهِ تعالى: {حافظوا على الصلَوَاتِ والصلاةِ الوُسطى وقُوموا للهِ قانتين} قال: الصلاةُ رسولُ اللهِ وأميرُ المُؤمنين وفاطمةُ والحسنُ والحسينُ، والوسطى أميرُ المُؤمنين، {وقُوموا للهِ قانِتِين} طائعين للأئمة)
[تفسير العيّاشي]

فالصلواتُ اليوميّةُ في جوهرِها وحقيقتِها هي عناوينُ لأهلِ البيتِ “صلواتُ اللهِ عليهم”
سنقِفُ هُنا عند عنوان “الصلاة الوسطى” لنقِفَ مِن خلالِهِ على جانبٍ مِن رمزيّة ارتباطِ صلاة المغرب بالصدّيقةِ الكبرى “صلواتُ اللهِ عليها”

هذا العنوان “الصلاة الوسطى” عنوانٌ مُتحرّكٌ في ثقافةِ أهل البيت، يعني عنوانٌ مُتغيّرٌ في معناه
فنحنُ إذا رجعنا إلى أحاديثِ أهلِ البيت في معنى “الصلاةِ الوسطى”.. سنجدُ هذهِ الأحاديث مِنها ما جاء فيه أنّ الصلاةَ الوسطى هي صلاةُ الظهر، ومِنها ما يقول أنّ الصلاةَ الوسطى هي صلاةُ العصر كرواية إمامِنا الصادق التي مرّت، وهناك رواياتٌ أُخرى لم تُنقل عن أهل البيت وإنّما عن الصحابة تقول أنّ الصلاةَ الوسطى هي صلاةُ المغرب، كما جاء عن ابن عبّاس
هذهِ الرواياتُ ليست مُتعارضة.. وإنّما كُلُّ روايةٍ هي ناظرةٌ إلى مَطلعٍ مُعيّنٍ مِن مطالعِ القرآن.. فالقرآنُ له مطالعٌ وله مجاري

فنحنُ إذا نظرنا إلى الصلاةِ الوسطى مِن مطلعِ التشريع.. فإنَّ الصلاةَ الوسطى عبادةً: هي صلاةُ الظهر، فهي أوّلُ صلاةٍ فُرضتْ علينا وأوّلُ صلاةٍ صلّاها رسولُ اللهِ بالمُسلمين، وهي مِن جهةِ الزمان تقعُ في الوسط بين صلاتين نهاريّتين (صلاة الفجر وصلاة العصر)
فصلاةُ الظُهر هي عنوانٌ لِرسول الله
وأمّا صلاةُ العصر: فهي عنوانٌ لأمير المؤمنين.. وتلك إشارةٌ إلى أنّ سيّدَ الأوصياء هو نفسُ رسولِ الله.. لأنَّ صلاةَ العصر هي هي بعينها صلاةُ الظهر.. بدليل أنّنا نُصلّي الصلاتين في وقتٍ واحدٍ ونُسمّيهما صلاةُ الظهرين، ولا نقولُ صلاةُ العصرين، لأنّ عليّاً هو مُحمّد، ولأنّ عليّاً يأتي بعد محمّدٍ “صلّى اللهُ عليهما وآلهما”

• فالصلاةُ الوسطى بحَسَب المطلع التشريعي: هي صلاةُ الظُهر عبادةً وهي رسولُ اللهِ رمزاً
• أمّا إذا نظرنا للصلاة الوسطى بِحَسَبِ المطلع العقائدي: فالصلاةُ الوسطى عبادةً هي صلاةُ العصر، ورمزاً هي عنوانٌ لأمير المؤمنين لأنّها تُشيرُ إلى بيعةِ الغدير، إلى هذا العنوان المركزيّ في دِيننا.. ولِذلك فهي الصلاة الوسطى بحَسَب المطلع العقائدي لِمركزيّة ومِحوريّة بيعة الغدير في دِيننا

• أمّا إذا نظرنا للصلاة الوسطى مِن مطلعِ الأصل، مطلعِ الجوهر: فالصلاةُ الوسطى عبادةً هي صلاةُ المغرب فعددُ ركعاتها وسطٌ ما بين الإثنين والأربعة، وأمّا رمزاً فإنّ صلاةَ المغرب في ثقافةِ أهل البيت عنوانٌ لِفاطمة وترتبطُ هذهِ الصلاة بفاطمة “صلواتُ اللهِ عليها”
فالركعةُ الثالثة في صلاةِ المغرب منسوبةٌ إلى الزهراء بجهةٍ مِن الجهات كما تُبيّنُ لنا الروايةُ التالية التي تتحدّثُ عن العِلّةِ في أنّ صلاةَ المغرب لا تقصيرَ فيها في الحضر والسفر..
تقول الرواية:
(سأل رجلٌ إمامَنا الصادق “صلواتُ اللهِ عليه” عن صلاةِ المغرب، فقال للإمام:
(لِمَ صارت المغربُ ثلاثَ ركعاتٍ وأربعاً بعدها -أي في صلاة العشاء- ليس فيها تقصيرٌ في حضرٍ ولا سَفَر؟ فقال الإمام: إنّ اللهَ عزّ وجلّ أنزل على نبيّه لِكُلِّ صلاةٍ ركعتين في الحضر، فأضاف إليها رسولُ اللهِ “صلّى اللهُ عليهِ وآله” لكلّ صلاةٍ ركعتين في الحضر وقصَّر فيها في السفر، إلّا المغرب والغداة.. فلمّا صلّى المغرب بلَغَهُ مولدُ فاطمة “صلواتُ الله عليها” فأضاف إليها ركعةً شُكراً للهِ عزّ وجلّ.. فلمّا أن وُلِد الحَسَن “صلواتُ الله عليه” أضاف إليها ركعتين شُكراً للهِ عزّ وجلّ، فلمّا أن وُلِدَ الحُسين أضاف إليها ركعتينِ شُكراً للهِ عزّ وجلّ فقال للذكر مِثلُ حظّ الأُنثيين، فتركها -أي المغرب- على حالها في الحَضَرِ والسَفَر)
[علل الشرائع: ج2]

✦ قوله: (فأضاف إليها رسولُ الله لكلِّ صلاةٍ ركعتين في الحضر وقصَّر فيها في السَفَر، إلّا المغرب والغداة) الإمام يُبيّن هنا أنّ الصلوات الواجبة المفروضة حين نزلت مِن السماء كانت جميعُ هذهِ الصلوات كصلاةِ الصُبح ركعتين.. فأضاف رسولُ اللهِ ركعتين إضافيّتين إلى صلاةِ الظُهر والعصر والعشاء.. فأصبحت هذهِ الصلوات الرُباعيّة يُقصَّر فيها في السَفَر
أمّا صلاةُ المغرب فقد أضاف لها رسولُ الله ركعةً واحدة فقط.. فهي ليست صلاةً رُباعيّة، ولِذا لا تقصيرَ فيها.. وهُنا لابُدّ أن نقِفَ لِنتدبّر

هذه الركعة التي أضافَها رسولُ اللهِ لِصلاة المغرب هي بمناسبة ولادةِ الزهراء كما بيّنت الرواية.. فصلاةُ المغرب ترتبطُ بفاطمة ومنسوبةٌ لِفاطمة “صلواتُ الله عليها”.. هذا أوّلاً
ثانياً: رسولُ اللهِ بإضافةِ هذهِ الركعة الواحدة لصلاة المغرب جَعَل صلاةَ المغرب مُتفرّدةً بين الصلواتِ الأُخرى التي زِيدَ في ركعاتِها.. فالصلواتُ الأُخرى الرباعيّة (أي التي أُضيفت لها ركعتان) هذهِ الصلوات تشتركُ مع بعضها في أمور لا تنطبقُ على صلاةِ صلاة المغرب (كمسألةِ التقصير، وكذلك مسألةُ الشكِّ في عددِ الركعات)
فالصلواتُ الرباعيّة يكونُ فيها تقصير في السفر (فتعودُ في السفر كما كانت ركعتين مِثلما نزلت مِن السماء)

أمّا صلاةُ المغرب.. فرغُم أنّه زِيد في رَكَعاتِها.. إلّا أنّها لا تقبلُ التقصيرَ في السَفَر.. وهنا موطِنُ إشارة تُبيّنُ لنا أنّهُ مِثلما أنّ صلاةَ المغرب تبطُلُُ إذا قصّر فيها الإنسان (يعني صلّاها قصراً) في السَفَر.. فكذلك الذي يُقصّرُ في شأنٍ مِن شؤونِ فاطمة فإنّ عقيدتَهُ تبطُل بهذا التقصير!
هذا لا يعني أنّ بقيّةَ الأئمة يجوزُ التقصيرُ في حقّهم.. ولكنّ الرواية تُريد أن تُبيّن خُصوصيّة للزهراء.. لأنّ الزهراء هي القيّمة، وهي الحقيقة الجامعة بين النبوّة والإمامة
فحتّى الصلواتُ المُستحبّة المخصوصة بالأئمة عليهم السلام تُشير إلى هذهِ الحقيقة
فنحنُ إذا رجعنا إلى [مفاتيح الجنان] وتدبّرنا في (صلاة النبيّ) و(صلاة الأمير) و(صلاة الزهراء) نجد أنّ الصلاةَ الخاصّة برسول الله هكذا جاء في طقوسها: أنّ النبيَّ في صلاتِهِ الخاصّة يقرأ في الركعتين بالفاتحة وسورة القدر
أمّا أميرُ المؤمنين فإنّهُ في صلاتَهُ الخاصّة يقرأ في الركعتين الفاتحة والتوحيد
وأمّا صلاةُ الصديقةِ الكبرى: فإنّها تقرأُ في الركعةِ الأولى الفاتحة والقدر، وتقرأُ في الركعةِ الثانية الفاتحة والتوحيد، لأنّ الزهراء هي الجوهرُ الجامعُ بين الرسالةِ والنبوّةِ والولايةِ والإمامةِ والوصيّة الحقيقيّة (وصيّة الله في هذا الوجود)
مِن هنا كانت الزهراء هي الصلاةُ الوسطى مِن جهة النظر إلى المطلع الجوهر

✦ أيضاً هناك إشارة إلى أنّهُ مِثلما أنّ الذي يشكُّ في عددِ ركعاتِ صلاة المغرب (حتّى لو كان الشكُّ في الركعةِ الثالثة التي أضافَها رسولُ الله) فإنّ هذا الشكّ يهدمُ الصلاة ويُبطِلُها.. بخلافِ الصلوات االرُباعيّة فهي لا تبطلُ إذا وقعَ الشكُّ في الركعاتِ التي أضافها لها رسولُ الله (يعني الركعة الثالثة والرابعة)
فكما أنّ صلاةَ المغربِ تبطُلُ حتّى لو وقع الشكُّ في الركعة الثالثة منها.. فكذلك الذي يشكُّ في شؤوناتِ فاطمة (إن كان في الشكُّ في إمامتِها أو في مقاماتِها الغيبيّة.. أو كان الشكُّ في ظُلامتِها) فالشكُّ في أيِّ شأنٍ مِن شؤون فاطمة يُبطِلُ الدين ويهدم العقيدة
بل حتّى لو كان الشكُّ في طقسٍ عباديٍّ مُرتبطٌ بالزهراء.. فإنّ الشكَّ فيه يُبطِلُهُ لأنّهُ طقسٌ مُرتبطٌ بالزهراء.. كالشكُّ في تسبيحِ الزهراء مثلاً.. فإنّ الشكَّ يُبطِلُهُ.. كما يقولُ إمامُنا الصادق في الكافي الشريف: (إذا شككتَ في تسبيحِ فاطمةَ الزهراء فأعد) فهذا الأمر بالإعادة يُشير إلى أنّ الشكَّ في أيّ شأنٍ يرتبطُ بفاطمة مُبطل

فإضافةُ رسولِ اللهِ هذهِ الركعة لِصلاة المغرب فيه ما فيه مِن الرموز التي تُشير إلى خُصوصيّة الزهراء وإلى قيمومتِها “صلواتُ اللهِ عليها”..
فالتقصيرُ في حقّها والشكُّ في مقاماتها أو في ظُلاماتها أو حتّى في طقسٍ عباديٍّ يرتبطُ بفاطمة.. فهذا الشكُّ يُبطِلُ الدين عقيدةً وعبادة.. لأنّ الزهراء هي القيّمة التي لا تكونُ عقيدتُنا بالأئمة صحيحةً إلّا بعد تصديقها “صلواتُ الله عليها” كما نقرأ في زيارتِها الشريفة:
(وزعمنا أنّا لكِ أولياءُ ومُصدّقُونَ وصابرونَ لكُلِّ ما أتانا بهِ أبُوك صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وأتى به وصيّهُ، فإنّا نسألُكِ إنْ كُنّا صدّقناكِ إلّا ألحقتِنا بتصديقِنا لهُما لنُبشّرَ أنفُسنا بأنّا قد طهُرنا بولايتكِ)
فصحّةُ عقيدتِنا منوطةٌ بتصديقِ فاطمة الزهراء وإمضائها

✦ ملاحظة أخيرة:
لاحظوا أنّ عدد ركعات صلاة المغرب التي هي عنوانٌ لِفاطمة بعددِ آياتِ سورةِ الكوثر، وتلك إشارة إلى أنّ الكوثر في معناهُ الأصل هو فاطمة “صلواتُ الله عليها”
:
#الثقافة_الزهرائية

One Comment on “وقفة عند معنى “الصلاةِ الوسطى” في ثقافةِ العترة وبيان رمزيّة ارتباط “صلاة المغرب” بالزهراءِ”

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة