وباءٌ عقائدي أخطر من الكورونا!!
بقلم : السيد منتظر الحيدري
باسمه جلّت أسماؤه
الحمد لله وصلى الله على من اصطفى محمد وآله الطاهرين وبعد:
ألزمتُ نفسي _ ومنذ مدّة _ أن أعتزل الكتابة في الشؤون الخلافية الشيعية، سيما فيما يخصّ تعقيمَ وإغلاقَ المراقد المطهرة للعترة الطاهرة (عليهم السلام)، ولمّا رأيتُ بأمّ عيني ما يجري في داخل الحرم الكاظمي المقدس لم أتمالك نفسي حتى عمدتُ إلى كتابة هذه السطور لئلا أُحسب في عداد الغافلين وأُدرج في سجّل مَن عن الحق ساكتين.
دخلتُ حرم الكاظمين المطهر كعادتي التي أدخله فيها بلباس عربي بسيط _ الدشداشة _ حاسر الرأس حافي القدمين متخلياً عن عمامة آبائي وأجدادي لأنني ومنذ زمن ليس بالقليل أشعر بغربة كبيرة في ولايتي وولاية أجدادي _ الكاظمية المقدسة _ لذلك أتواجد فيها كأي فرد مستطرق.
دخلتُ بعد صلاتي العشائين بساعة أو أكثر، الأمور الخارجية تجري على ما يُرام كما السابق من تفتيش وأمانات وكشوانيات..
بعد قراءة إذن الدخول دخلت إلى الرواق فصدمني منظرُ باب الروضة المغلق وتجمّع الناس على فاصلة منه!!
لاحظتُ وجوه الزائرين مليئة بعلامات التعجّب والاستغراب!! فصرتُ أتلصص السمع من هنا وهناك يا تُرى هل يدعو الزائرون بالشفاء؟!!
تُرى هل يطلبون من (باب الحوائج) و(أبو الجوادين) العافية؟!!
وهل يسألون من (أبو طلبة) السلامة من الكورونا؟!!
الجميع ملتزمون بقراءة الزيارة فحسب… يا ترى ما يدور في أفكارهم تجاه ما يشاهدونه من إغلاقٍ للروضة وترك ما سواها من أماكن التجمعات _ داخل الحرم وخارجه _ مفتوحة مشرعة لكل وارد!!
تلصصتُ فلم أسمع أحدا يدعو بالعافية وطلب السلامة!!
ليس لمشكلة في الزائرين حاشاهم بل تطبيعا منهم مع ما يجري في داخل الروضة المطهرة!!
خرجتُ من الرواق والعَبرةُ لا تفارق مقلتي وأنا أتساءل هل يمكن أن تكون الروضة المقدسة وكراً للأوبئة يا ترى؟!!
وهل سيستمر الحال هكذا؟!! وهل سيمنعون الزوار من زيارة الخامس والعشرين من شهر رجب؟!!
أم هل سيُلغون كتب الزيارة والتُرب الحسينية وأبواب الحرم والسَّجاد وغير ذلك لأن أيدي الزائرين تتلاقفها تارة بعد أخرى؟!!
خرجتُ إلى الصحن الشريف فوقفتُ لأُصلي صلاة الزيارة وبعد الانتهاء من الصلاة سمعتُ أحدَ المصلين يدعو بصوت مرتفع يا موسى بن جعفر بجاهك عند الله زيل المرض عن العراق وأهله… فأجابه أحدهم بجواب تمنيت أن الموت أعدمني الحياة قبله!! أجاب معلّقاً على دعاء الزائر الذي يدعو بزوال المرض فقال: هو موسى بن جعفر ما يكدر يرد المرض عن شباچه تريده يزيل المرض عن العراق وأهله؟!! وسرعان ما انصرف المتكلم وبقيتُ مصدوما كالخشبة لا أعلم ما أصنع!!
مشيتُ متململا محبطا لا أعرف حلّا لهذه الكارثة!! وصلتُ عند باب الحرم المطهر مما يلي الخروج عند باب القبلة، فسألتُ أحدَ الخدّام قائلا: في أي ساعة تُفتح الروضة؟ فقال: مع الأسف الشديد منذ أربعة أيام أغلقوا الروضة ولم يفتحوها!! ثم أعقب قائلا: هذي إجراءات إدارية مخجلة والحال الإمام هو اللي يشفي المرضى ولكن شنسوي ما نكدر نعترض!!
قلتُ: يا سبحان الله حتى بسطاء المؤمنين يتأسفون مما يصنع المسؤولون!!
الآن وبعد الفراغ من كتابة مشاهداتي أقول:
إن إدارات العتبات في إيران والعراق _ إلا من رحم ربي _ تنافسوا في التعقيم ووضع المحجرات وإغلاق الروضات منذ أيام ونشروا الصور مفتخرين بأنهم يُقدمون خدمة لصاحب المرقد وزواره فصوّروا للعالم بأن أضرحة المعصومين (عليهم السلام) _ في هذه الأيام _ من شأنها أن تكون مَوبوءة ملوّثة تنقل الأمراض والفيروسات من زائر لآخر!! فأغلقوا الروضات المطهرة!! ومنعوا الزوار من دخولها!! غير مبالين ولا آبهين بجميع النصوص المؤكِّدة على أنه بهم (عليهم السلام) يُجبر المهيض ويُشفى المريض… وإلى قبورهم يلجأ كلّ مكروب في كربته… وبأضرحتهم يستجير كلّ مهموم في ملمته…
ومن ذلك ما روي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنه قال:
“نحن نقول بظهر الكوفة قبرٌ لا يلوذ به ذو عاهة إلا شفاه الله عز وجل” [مزار المفيد]
وغير هذا الكثير جدا من النصوص التي يظهر من بعضها أن الزيارة من مقتضيات الشفاء والعافية، وأخرى يظهر منها أن الزيارة علّة للشفاء والعافية… وكيفما كان فإن إغلاق باب العلة أو المقتضى _ على أقل التقادير _ كارثة كبرى لا يصحّ السكوت عنها.
علما إنه كان بمقدور المسؤولين أن يمتثلوا رأي الخبراء والأطباء فيُعقموا ما يشاؤون كما هو الحال في التعطير والتنظيف وغيرهما دون الحاجة إلى إغلاق أو تصوير أو نشر قد يُسبب نُفرة الناس عن سادتهم الذين أجَلَّهم الله وعصمهم ونزههم من المنفّرات والمبغّضات…!!
ليت شعري إن منعوا اليوم زيارة قبورهم والزوار أفراد قلائل فماذا سيصنعون في زيارة الخامس والعشرين من شهر رجب الأصب؟!! بل وفي غيرها من المناسبات المقبلة؟!! وكم ستؤثر هذه الحركة الغير مسؤولة على عقيدة المؤمنين الموالين؟!!
أرى أياما عجافا مقبلة علينا إن لم نتدارك الأمر فسنرى فيها (العجب كل العجب)، وعلى أيدي بعض المُقصرة ستُذبح عقيدتنا!! وتُهان _ نهارا جهارا _ مقدساتنا!! بل وبفضل هذه التصرفات الغافلة سنكون لقمة سائغة لأعدائنا الذين يتربصون بنا!!
أجارنا الله وإياكم من سوء الظن بموالينا الطاهرين (عليهم السلام) ولا حرمنا رضاهم وألطافهم ومنّ على جميع المؤمنين بالسلامة والعافية ودفع عنا وعن الجميع كلّ وباء وبلاء
والحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه.