مُرابطةُ الأحرار – الجزء الرّابع
⚜️⚜️⚜️⚜️⚜️⚜️⚜️⚜️⚜️⚜️⚜️
مجموعةُ أسبابٍ وعوامل تحولُ فيما بينَ الإنسانِ وبينَ أن يكونَ مُرابطاً مرابطة الأحرارِ في فناءِ إمامه:
▪ العاملُ الأوّل: الخوف.
▪ العاملُ الثاني: البُخل.
▪ العاملُ الثالث: الفشل (مجموعة الفشل).
مجموعةُ الفشل أقصدُ بهذا العنوان: الكسل، الملل، الكلل، التعب، إنَّهُ التعبُ النَّفسيُّ أو التعبُ الجسدي وربَّما اجتمع النوعانِ معاً، السأمُ، الضجرُ، التشاؤمُ، اليأسُ، و و ، وكذلك يدخلُ العَجزُ، والعجزُ الَّذي أقصدهُ هنا؛ العجزُ الَّذي يصطنعهُ الإنسان، تكونُ لهُ مُقدِّماتٌ نفسيةٌ تقودُ الإنسان إلى العجز.
هذهِ المجموعةُ الَّتي عنونتها (بمجموعةِ الفشل)، في أغلبِ الأحيانِ بداياتها من الإنسانِ نفسه، قد تكونُ هذهِ العوارضُ، قد تكونُ هذهِ الحالاتُ بسببِ ظروفٍ موضوعيةٍ يكونُ الإنسانُ مُجبراً على أن يعيشها، ذلكَ أمرٌ آخر، لكنَّني أتحدَّثُ عن الحالات الَّتي يكونُ الإنسانُ نفسهُ سبباً في إيجادها وفي وجودها، فالإنسانُ إذا كان فاقداً للهمَّةِ وفاقداً للعزيمةِ، في الحقيقةِ مشكلتنا الكبيرةُ نحنُ في أجوائنا الدينيَّةِ الشيعيَّةِ على المستوى العقائدي وأنا أتحدَّثُ عن المنتظرين.. مُشكلتنا (فقدانُ الحماس العقائدي)، فقدانُ تلكَ الجذوةِ العقائديةِ الَّتي تصطلي في بواطننا وفي عميقِ نفوسنا.
نحنُ نعيشُ حالةً كالَّتي تُخبرنا عنها الرواياتُ والأحاديثُ الشريفة: (من أنَّ قلبَ المؤمنِ تَمرُّ عَليهِ سَاعَات يَكونُ فِيها كالشنِّ البَالي)، كالثوب البالي، كالفِراشِ الممزق، – تَمرُّ عَلى قَلبِ المؤْمِن سَاعَات – لكنَّ الواقع الَّذي نعيشهُ نعيشُ هذهِ الحالة دائماً..
▪ العامِلُ الرابع: الإحباط.
الإحباطُ هو أخطرُ العواملِ الَّتي تمنعُ الإنسان من أن يُرابطَ مرابطة الأحرارِ في فناءِ إمامه، الإحباطُ قد يُعبَّرُ عنهُ في اللغةِ من أنَّ الإنسان حين يكونُ محبطاً، يكونُ يائساً، عاجزاً، عن القيامِ بما يريدُ أن يقوم به، الإحباطُ قد يُعبَّر عنهُ بالفشل، وأنا لا أقصدُ هذهِ المعاني، إنَّني أتحدَّثُ عن الإحباطِ الَّذي هو مجموعةُ مشاعر، قد يدخلُ الفشلُ جُزءاً منها والعجزُ كذلك، مجموعةُ مشاعر لا يستطيعُ أحدٌ أن يصفها بدقَّةٍ إلَّا الَّذي يستشعرها، والإحباطُ يختلفُ من شخصٍ إلى شخص..
والإحباطُ صورهُ كثيرةٌ جِدَّاً تختلفُ باختلافِ الناسِ وباختلافِ المشاكل الَّتي تكونُ مُحيطةً بهم، لكنَّ أخطر الإحباط ونحنُ نتحدَّثُ هنا في جوٍ دينيٍّ عقائديٍّ وفي الجوِّ الديني العقائدي هناك مواجهةٌ على طولِ الخط فيما بين الحقِّ والباطل، في كُلِّ المستويات:
– في مستوى العقلِ.
– في مستوى القلبِ والوجدان.
– في مستوى الأحاسيسِ والعواطف.
– في مستوى دواخلِ النفس.
وفي مستوى الواقع الخارجي الَّذي يكثرُ فيهِ الاختلافُ في جميع الاتجاهات فيما بين الحقِّ والباطل:
– على مستوى الناسِ.
– على مستوى الحكوماتِ.
– على مستوى الأوضاعِ الاجتماعيةِ.
– الأوضاع السياسيةِ.
– في كُلِّ جانبٍ من جوانبِ حياتنا المختلفة.
لكن من أخطرِ هذهِ الصور حينما يكون الإنسانُ بهذا الوصف: (لا يُبالي أكانَ معَ الحق أم معَ الباطل).
هذا هو أخطرُ أنواع الإحباط، هو يعرفُ الحق، وهو يعرفُ الباطل، قطعاً مراتبُ معرفةِ الحقِّ ومعرفةِ الباطل تختلفُ باختلافِ مداركِ ومراتبِ عقولِ الناس وباختلافِ تجاربهم وباختلافِ مُعاناتهم إلى أمورٍ أخرى كثيرة، لكن هناك من النَّاسِ من لهُ معرفةٌ بالحق ولهُ معرفةٌ بالباطل، ولكنَّهُ يُصابُ بالإحباط.
وهذا الإحباطُ يقودهُ إلى هذهِ الحالة؛ فهو لا يُبالي أكانَ معَ الحق أم معَ الباطل.
الَّذي يُبالي بهِ: مصالحهُ الشخصيَّة.
ورُبَّما في بعضِ الأحيانِ لا يُبالي حتَّى بمصالحهِ الشخصيَّة وإنَّما يتركُ الأمور تجري هكذا كما تجري، وهذا هو من أخطرِ أنواع الإحباط، (لا يُبالي أكان مع الحق أم مع الباطل).
وهناك صورةٌ أخرى وهي صورةٌ سيئةٌ جِدَّاً من صور الإحباط: (حينَ ينقلبُ عندهُ الحقُّ باطلاً والباطلُ حقَّاً) والأساسُ في ذلك مصالحهُ، والأساسُ في ذلك عواطفهُ، والأساسُ في ذلك هواهُ ورغباتهُ، فينقلبُ عندهُ الحقُّ باطلاً والباطلُ حقَّاً، والميزانُ هو مصالحهُ الشخصية ورغباتهُ الذاتية.
صورُ الإحباطِ لا تنحصرُ بهاتين الصورتين.. فالإحباطُ الَّذي أتحدَّثُ عنه هو بالحقيقةِ انقلابٌ لمنظومةِ القِيمِ عندَ الإنسانِ في التمييزِ بينَ الحقِّ والباطل، وتلكَ كارثةٌ كبيرةٌ جِدَّاً، إنَّني أتحدَّثُ في أجوائنا الدينيَّةِ الشيعيَّةِ العقائديَّةِ المهدويَّةِ في جوِّ الانتظارِ وجوِّ المرابطةِ في فناءِ إمامِ زماننا صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه.
●وقفةٌ عند الآيةِ السادسةِ بعد العاشرةِ بعد البسملةِ من سورةِ الحديد والَّتي بعدها أيضاً: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ – الآيةُ الَّتي بعدها – اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، الآيتانِ بحسبِ تفسيرِ عليٍّ وآلِ عليّ الَّذي بايعنا عليهِ في الغدير في شؤونِ الثقافةِ المهدوية، الرواياتُ صريحةٌ عن آلِ مُحَمَّدٍ في بيانِ مضمونِ هاتين الآيتين:
– “فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ”؛ إنَّهُ أمدُ الغيبة.
– “اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا”؛ بظهور القائمِ صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه.
والرواياتُ تقول: فإنَّ الكافر ميِّتٌ، حياةُ الدينِ تكونُ بظهورِ إمامِ زماننا، وحياةُ الأرضِ كذلك حينما تُشرقُ الأرضُ بنورِ رَبِّها بنورِ إمامها، هكذا تقولُ كلماتُ قُرآنهم، وهكذا تقولُ كلماتُ تفسيرهم صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهم أجمعين.
●بشكلٍ موجزٍ سأشرحُ لكم ما المرادُ من طول الأمدِ الَّذي يقودُ إلى قسوةِ القلب، وقسوةُ القلب هي الَّتي تكونُ سبباً في حصولِ حالةِ الإحباطِ عند الإنسان خصوصاً في الصور الَّتي أشرتُ إليها حينما يكونُ الإنسانُ عارفاً بالحق وعارفاً بالباطل ولكنَّهُ بسببِ إحباطهِ لا يُبالي أكانَ مع الحقّ أم كانَ مع الباطل، هذا الإحباطُ سببهُ قسوةُ القلب..
●من أسبابِ قسوةِ القلب في ما أتحدَّثُ عنه، نحنُ نتحدَّثُ في أجواءِ إمامِ زماننا:
من أسبابِ قسوةِ القلبِ هذهِ حينما يرتبطُ تفكيرُ الإنسان وحينما يتأكَّدُ توجُّه الإنسان إلى أنَّهُ لابُدَّ أن يُدرك عصر الظهور، وتتحوَّلُ عقيدتهُ في إمامِ زمانهِ بدلاً من خدمةِ إمامِ زمانهِ إلى خدمةِ نفسهِ، حينما يكونُ ذِهنُ الإنسانِ مشدوداً إلى عصرِ الظهورِ لتحقيقِ مُرادهِ الشخصي فإنَّهُ قد خرج من دائرةِ خدمةِ إمامِ زمانهِ، ودخل في دائرةِ خدمةِ نفسهِ، وهذا ما حدَّثتكم عنهُ في يومِ أمس عن المرابطةِ في فناءِ النفس، فحينما يطولُ الأمدُ يطولُ الوقتُ يتأخَّرُ الظهورُ فلا يجدُ الإنسانُ أنَّهُ قد حقَّق مُرادهُ ويُصيبهُ اليأسُ بسببِ ذلك فحينئذٍ سيقسو قلبهُ وبالتالي يتساوى عندهُ الأمر، يتساوى عنده الحقُّ والباطل، وهنا يدخلُ الشَّيطانُ من أوسعِ الأبوابِ إلى باطنِ الإنسان كي يعبثَ فيه، هنا يبدأُ الإنسانُ كي يُخطِّطَ لأمورٍ بديلةٍ وهنا تنشأُ الفِرقُ الضَّالة، وهنا تنشأُ الادعاءات من أنَّ فلاناً هو الإمام، ومن أنَّ فلاناً هو الَّذي في المنزلة الكذائية..
●لماذا يُعرضُ القلبُ عن المعرفةِ الصحيحة؟!
يُعرضُ القلبُ عن المعرفة الصحيحة حينما لا يستشعرُ عظمة نعمةِ الوَلايةِ عليه.
▪ هناك منطقان:
– هناك منطقٌ ترابيٌّ.
– وهناك منطقٌ علويٌّ.
يمكنني أن أصفهُ بالمنطق الغيبي، إذا ما توجَّه الإنسانُ بفكرهِ وبمضمونهِ النفسي إلى المنطق التُرابي فإنَّ نظرهُ سيكونُ ضيقاً، والنظرةُ الضيقةُ ستُفقدهُ القُدرةَ على الصبر الجميل، هناك صبرٌ جميل، وهناك صبرٌ لا يُوصفُ بالجميل، لا يوصفُ بالقبيح، هناك صبرٌ، وهناك صبرٌ جميل.
●وقفةٌ عند حديثٍ قال عنهُ إمامنا الصَّادقُ من أنَّهُ لابُدَّ أن يُكتب بالذهب بماء الذهب، الَّذي أوَّلهُ: (نَفَسُ الـمَهْمُوم لِظُلْمِنَا تَسْبِيح)، أنا أريدُ أن أقف عند هذهِ الجملة: (وَهَمّهُ لَنَا عِبَادَة)، المرادُ من هَمِّهِ هنا: هو الهاجسُ الَّذي يسكنُ المؤمن، ليس المرادُ من الهمِّ هنا الحُزن.
نَفَسُ الـمَهْمُوم؛ ذلك هو الحزين.
أمَّا هَمُّهُ لَنَا عِبَادَة؛ يعني هِمَّتهُ، يعني عزيمته، يعني حماسهُ العقائدي..
حماسهُ العقائديُ هو العبادةُ وذلك هو الانتظارُ والمرابطة، (أَفْضَلُ عِبَادَةِ أُمَّتِي اِنْتِظَارُ الفَرَج)، وانتظارُ الفرجِ هذا هو الَّذي تتحدَّثُ عنهُ سورةُ آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾، رابطوا إمامكم، إنَّها مرابطةُ الأحرار.
فإذا ما توجَّهنا إلى المنطق التُرابي صارت نظرتُنا ضيِّقةً وحينئذٍ سنفقدُ الصبر الجميل، وإذا ما فقدنا الصبرَ الجميل فإنَّنا سنكونُ مُحبَطين حينئذٍ، فاقدين للحماس العقائدي.
▪ أمورٌ ستُواجهنا إذا أردنا أن نُواجهها بالمنطق التُرابي فإنَّ النتيجة هي الإحباط:
– النقطة الأولى: حينما لا نجدُ نتائج ملموسةً ومحسوسة على أرضِ الواقع.
– النقطة الثانية: حينما نرى غلبة الباطل في واقعنا الحسِّي.
– النقطة الثالثة: حينما نجدُ صعوبةَ إثباتِ الحق، بل قد يكونُ مستحيلاً في بعضِ الأحيان بسببِ الظروفِ المساعدةِ لأهلِ الباطل، وبسببِ خُذلانِ الجمهورِ للحقّ.
– النقطة الرابعة: حينما نرى إعراض القريبين مِنَّا عن الحق أو أنَّهم يقبلون الحقّ ثُمَّ يرتدون عنه، ومرادي من القريبين إمَّا من أسرنا أو من عشائرنا أو من أصدقائنا أو من رِفاق الطريقِ ومِمَّن شاركنا في إحياءِ أمرِ الإمامِ صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه، لا أتحدَّثُ عن حالةٍ شخصيَّةٍ تخصني مع أنَّني أمتلكُ من التجاربِ الكثيرةِ في هذا الشأن ابتداءً من حال أسرتي وانتهاءً بالبعيدين عنّي، هذا أمرٌ يطرأُ على الجميع، لأنَّ هؤلاء يواجهون هذهِ الأمور الَّتي تقدَّم ذكرها ويتعاملون معها بالمنطقِ التُرابي فيقودهم ذلكَ إلى الإحباط، ولذا فإنَّ القضيةَ هذهِ واضحةٌ في سيرةِ الأنبياءِ وفي سيرةِ الأئِمَّة.
●طرحُ بعض الأمثلة وبعض الصور من سيرةِ الأنبياء وسيرةِ الأئِمَّة عن إعراض القريبين منهم عن الحق.
إذا واجهنا هذهِ المعاني وهذهِ الصور وهي تُواجهنا على طولِ الخط لأنَّنا سنُواجهُ في الفترةِ القريبةِ من ظهورِ إمامِ زماننا سنُواجهُ الشيعةَ وهم يتهيّؤون لحربِ إمامِ زماننا في العراق، سنجدُ النَّجف مُبايعةً للسفياني، الرواياتُ تُحدِّثنا بذلك، وسنجدُ شيعة العراقِ يُبايعون السفياني بسببِ مراجعهم، بسببِ مراجعِ النَّجف، وسنجدُ أنَّ السفيانيين في النَّجف يبحثون عن أشياعِ عليٍّ وآلِ عليّ إنَّهم أنصارُ الحُجَّةِ بن الحسن، وصاحبُ السفياني قائدهُ في النَّجف يُعلِن الجوائز المالية لقطعِ رؤوسهم، كُلُّ هذا إذا تعاملنا معهُ في حينهِ أو ما يُشابهُ ذلك في أيامنا هذهِ، إذا تعاملنا معهُ بالمنطق التُرابي فإنَّهُ سيقودنا إلى الإحباط، لكنَّنا إذا تعاملنا معهُ وفقاً لقواعدِ المنطق العلوي فإنَّ الأمر سيكونُ مختلفاً جِدَّاً.
●هذهِ الآيةُ منذُ أربعين سنة وأنا أعودُ إليها وأقفُ عندها وإلى هذهِ اللحظةِ وكُلَّما رجعتُ إليها وجدتها جديدةً وكأنَّني ما قرأتها من قبل! إنَّها الآيةُ العاشرةُ بعد المئة بعد البسملةِ من سورةِ يوسف: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ – هذا الحديثُ ما هو عنّي ولا عنكم حديثٌ عن الرُّسل، وقطعاً الرُسلُ مراتب، والآيةُ هنا تتحدَّثُ عن الرُّسلِ الَّذين هم أشياعُ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد، فالرُّسلُ والأنبياءُ من شيعتهم من شيعةِ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد..
لاحظوا العجب هنا: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ – استيأس الرُّسل معناها يختلفُ عن يئسِ الرسل، يَئِس الرُّسل؛ أصابهم اليأس.. إنَّهم هُم بأنفسهم يبحثونَ في تفاصيل الأمورِ الَّتي يريدونَ منها أن تكونَ سبباً لتأكيدِ حالةِ اليأسِ عندهم، بسببِ صعوبةِ الظروف، فأيُّ معاناةٍ عاشها هؤلاء؟؟؟ – حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
منذُ أربعين سنة وأنا أغدو وأروح على هذهِ الآية، إنَّها تتحدَّثُ عن أعجبِ أحوال الرُّسل وعن أدهى الحالات الَّتي يُواجهها أصحابُ العقيدةِ الَّذين يحملون رسالةً، خصوصاً ونحنُ نتحدَّثُ في أجواءِ إمامِ زماننا الحُجَّةِ بن الحسن صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه، في كُلِّ ذلكَ نحنُ نحتاجُ إلى المنطق العلويّ، مُشكلتنا في المنطقِ التُرابي، نحنُ نحتاجُ إلى المنطق العلويّ.
آيةٌ تتحدَّثُ عن وضعٍ عجيبٍ تُواجههُ الرسالات وأهلُ الرسالات، تواجههُ العقائد وأهلُ العقائد: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾، مرَّةً ييأسُ الرجل يُصيبهُ اليأس، ومرَّةً يستيئس الرجل يستيئس الرجل يذهب يبحثُ بنفسهِ، استيأس، استنتج، استخرج، استحلب، يبحثُ في الأوضاع الَّتي تحيطُ بهِ، يبحثُ عن أمورٍ هو يطلبُ منها أن يتحقَّق اليأسُ في نفسهِ، لماذا؟ لأنَّ الأمورَ المحيطة بهِ من كُلِّ جانبٍ تُوصلهُ إلى هذهِ النتيجة، أنا لا أقولُ من أنَّ المنطق هنا منطقٌ تُرابي، أقول من أنَّ الواقع كان مُستحكَمَاً ومُستَحكِمَاً عليهم، على الرُّسلِ، على أصحابِ الرُّسلِ، على أصحابِ الرسالاتِ، على أولياءِ أهل البيت، هذا الظرفُ مرَّ في حياةِ أولياءِ أهل البيت، والرُّسلُ من أولياءِ أهل البيت، هذهِ الظروفُ مرَّت على أولياءِ أهلِ البيت ولا زالت تمر، وستبقى إلى عصرِ ظهورِ إمامنا صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليه، لذلك يُسمَّى في ثقافةِ الكتابِ والعترة يُسمَّى اليومُ الَّذي يظهرُ فيهِ إمامُ زماننا يُسمَّى (بيوم الخَلَاص)، حتَّى يحين موعدُ الخَلَاص فإنَّ هذهِ الأوضاع ستبقى.
إذا تعاملنا معها بالمنطقِ التُرابي فإنَّنا سنذهبُ مُسرعين إلى الإحباط، وإذا تعاملنا معها بالمنطق العلويّ فإنَّنا سنتجاوزُ تلكَ الصِّعاب كما يُعبِّرُ عنها أميرُ المؤمنين: (إنَّها الغَمَرَات)، أميرُ المؤمنين يوصينا أن نخوضَ الغَمراتِ في الحقّ..
– النقطة الخامسة: غلبةُ شعور الوحدةِ والغُربةِ والوحشة.
وطوبى للغرباء إنَّهم غُرباءُ العقيدة، غُرباءُ المعرفة، طريقُ الحقّ هو طريقُ الوحشة كما يقولُ سيِّدُ الأوصياء: (مَا تَركَ لِي الحَقُّ مِن صَدِيق)، غَلبةُ الشعورِ بالوحدةِ والغُربةِ والوحشةِ إذا ما فتحَ الإنسانُ أبوابُ قلبهِ للوحدةِ والغربةِ والوحشةِ وتعاملَ مع الموضوعِ بالمنطقِ التُرابي إنَّهُ يذهبُ مستقيماً مسرعا ًباتجاه الإحباط.
والإحباطُ الناشئ من الشعورِ بالوحدةِ والغُربةِ والوحشةِ إحباطٌ خطيرٌ جِدَّاً هو أخطرُ أنواع الإحباط، قد يقودُ الإنسان إلى الانتحار، من أخطرِ أنواع الإحباط، قطعاً ونحنُ نتحدَّثُ في الأجواءِ العقيديةِ إنَّهُ يقودهُ إلى الانقلابِ الكاملِ على العقيدة حتَّى يعود مستهزئاً بالعقيدةِ الَّتي كانَ يؤمنُ بها.
#مقتضبٌ من برنامج الخاتمة – ح36.