ميزان علم الشيخ وربما يختلج ببالك أن كلما ذكرته دعوى بلا بينه وقول بلا صحة فإنا نقول بينة هذه الدعوى من أظهر البينات وحجتها من أوضح الحجج الواضحات وهاهو إن لم يكن في عالم الدنيا ولكن كتبه ومصنفاته بحمد الله موجودة وقد سئل أعلى الله مقامه عن أغلب العلوم بل كلها فأجاب عن الجميع ببيان واضح ودليل لائح ولم ينسب نفسه إلى التقليد من أحد. وتراه مستقلا في كل علم تكلم فيه كأنه مؤسسه وبانيه ولم يوجد نحو ما ذكر من جهات الاستدلال في كتاب ولم يذكر في خطاب , ولم يسطر في سؤال وجواب , فإذا نظرت إليه وأصغيت إلى كلامه بعين الإنصاف مجانبا جادة الجور والاعتساف , تجده منطويا على الفطرة تقبله الطبيعة بصافي الطوية كأنه سمع ذلك وعلم بما هنالك , فهذه كتبه موجودة ومصنفاته مشهورة , وسوق بيانه وكلامه معروف , ونمط احتجاجه واستدلاله مكشوف. ثم أنه أعلى الله مقامه مضت عليه برهة من الزمان بالإحساء , وكان متوحدا منفردا عن الناس مستقلا بذكر الله , ومعرضا عن كل ما سوى الله , وكان في تلك البلدة قاطنا وللخلق مباينا حليف المسجد والمحراب , معرضا عن جميع الأحباب والأصحاب , حافظا للعهد والميثاق , ناكبا عن سبل الفساق , باذل المجهود طويل الركوع والسجود , زاهدا في الدنيا زهد الراحل عنها , ناظرا إليها بعين المستوحش منها , آماله عنها مكفوفة , وهمته عن زينتها مصروفة , وألحاظة عن بهجتها مطروفة. حتى إذا الجور مد باعه , وأسفر الظلم قناعه , ودعا الغي أتباعه , وظهرت الفتنة الوهابية واستيلاء ابن سعود في تلك الأطراف وتسلطه على أهليها في تلك الأكناف , اقتضى علمه بما ظهر له الأدلة والبراهين الخروج عن تلك البلدة , والانتقال عنها إلى غيرها من بلدة إلى بلدة إلى غيرها من بلدة إلى بلدة ومن قرية إلى قرية , يطول الكلام بذكر أحوال تفاصيل تلك الانتقالات , إلى أن وصل إلى البصرة وأسكن فيها عياله , وهو بنفسه الشريفة وولده وبعض أتباعه قصد زيارة الإمام الثامن الضامن علي بن موسى الرضا عليه وعلى آبائه وأبنائه آلاف التحية والثناء , فخرج منها قاصدا لذلك المقصد الشريف , والمحل المنيف , إلى أن وصل إلى دار العبادة يزد , وعرفه فيها بعض مشاهير العلماء من قطان تلك البلدة فاشتهر خبره أعلى الله مقامه , وارتفع ذكره وعلا قدره بين الناس , وحضره جميع العلماء واستفادوا عنه في علوم شتى , فرأوه بحرا مواجا وتيارا من العلم متلاطما رجراجا , لا يساحل قعر علمه , ولا يبلغ منتهى كنه فهمه , فأذعنت له العلماء , وخضعت له الأدباء والشعراء , لأنه في علم العروض لا مثل له وفي علم الموسيقى لا بديل له وشرح حقيقة الحال باستنباط الموسيقى من الأفلاك من الموازين الستة. ففي علم النحو أستاذ أهله وسيبويه من أحد تلاميذه كالخليل في الصرف , وفي علم المعاني والبيان مستقل مؤسس ومؤصل القواعد , وفي علم النجوم رئيس أهله وزعيم علمائه , وقد بين من أحكام النجوم ما كانت مخفية على غيره من الممارسين لتلك العلوم والرسوم وأظهر مخفيات النجوم التي عليها الحساب ولم يكن عند القوم منها خبر ولا أثر. ففي علم الهندسة أظهر دقائق ونكات في أصولها وفروعها ما لا تكاد تصل إليه قلوب الكاملين , وفي علم الهيئة كشف دقائق رموزها وبين ما عدوه من مشكلات الفن , من تشابه حركات بعض الأفلاك على غير أقطابها , وفي علم الحساب فاق جميع أهله بطرق إخراج المجهولات , وحل ما لا ينحل من تلك المسائل التي عدوها مما لا ينحل , وفي علم الإكسير والكمياء أظهر قواعد العلم ومراتبه وأرباعه , وما في كل ربع من عجائب العلوم وغرائبها من أنحاء الظاهر والباطن , وشرح قول أمير المؤمنين عليه السلام من قوله في هذا العلم: ( هي أخت النبوة وعصمة المروة , الناس يعلمون ظاهرها , وأنا أعلم ظاهرها وباطنها , فما هو إلا ماء جامد وهواء راكد وأرض سائلة ونار حائلة ) , وذكر باطن هذا العلم وأسراره وأطواره بحيث تحيرت العقول والألباب من فضل ذلك الجناب , وليظهر أنه هو الذي تعلم من أمير المؤمنين عليه السلام ذلك الباطن بلحن الخطاب من قوله عليه السلام ( نحن العلماء وشيعتنا المتعلمون ) وقوله عليه السلام ( ما من عبد أحبنا وزاد في حبنا وأخلص في معرفتنا وسئل مسألة إلا ونفثنا في روعه جواباً لتلك المسئلة ). وفي علم الأعداد والأوفاق أتى بما عجز عنه أهل الوفاق والخلاف وبين أسرارها , وأظهر أنوارها , وأبان ما خفي على غيره من وصفها في أشكالها وهيئاتها , ووضع الأشكال وأوضح المقال بواضح الاستدلال وذكر مبدأ الأشكال وأصلها وأباها وأمها وبين حقيقة الشكل المثلث والمربع إلى المائة في المائة يما يضيق بذكرها المجال , وفي علم الحروف تصرفه فيه معروف , وفي علم البسط والتكسير لم يكن له نظير , وفي علم الجفر له قواعد مقررة وقوانين مقننة من كليات العلوم وجزئياته وأصله ومبدئه ومنتهاه , وحقيقة الجفر ومبدأ اشتقاقه , وأصل تحققه عن النبي والولي سلام الله عليهما. وفي علم الطب أستاذ الفن وله استخراجات واستنباطات يعجز عنها علماؤه , وقد أبرز من هذا العلم في عمليات الطب ما لم يكن له عنوان في كتبهم , وهو علم الضم والاستنتاج , وقد أظهر فيه الغرائب وأبان عن عجائب المطالب , وفي علم التفسير قد أتى أعلى الله مقامه ورفع في الخلد أعلامه من مدلولات الأخبار وواضحات الآثار بما لم يذكره المفسرون ولم يعثر عليه إلا الأقلون , وقد ذكر جهات التفسير الظاهر وظاهر الظاهر والباطن وباطن الباطن والتأويل وتأويل التأويل وباطن التأويل , وبين الفرق بين هذه التفاصيل ووجوهها وشرائطها وآدابها وسائر أحوالها وكيفية إجرائها. وفي علم الحديث هو سيد المحدثين وسيد المحققين , أما في علم الدراية فهو الرافع لأعلامها والمنير لظلامها والمجيب عن الشكوك والشبهات التي ترد عليها , وأما في علم الرجال فهو أكثر الممارسين له تتبعا وأزيدهم حفظا , وقد كان أعلى الله مقامه يحفظ في كل رجل رجل من الرواة جميع الأقوال فيه من المدح والقدح وتحقيق الحق وترجيح الصدق , فهو في حفظ الرجال من عجائب الزمان. وفي علم الأصول مهذب قواعدها ومقنن قوانينها , والعالم بجميع مسائلها والمطلع على الاختلافات الواقعة فيها , ومحقق مطالبها ومبين فوائدها وشارح كيفية الاستنباط منها , وفي علم الفقه هو أعلم الفقهاء والمجتهدين , صاحب القوة القدسية والملكة الإلهية , المطلع على الفتاوى والأقوال , ولم يكن يشذ عنه شيء من المسائل وسائر الأحوال , أكثرهم حفظا بالفتاوى , وأشدهم إطلاعا على مواقع الإجماعات من المركبة والمحققة والإجماع المشهور والمحصل الخاص والعام , وما رأيته أعلى الله مقامه في مدة كوني معه من السنين والشهور أن يحتاج في مسألة من المسائل التي يسأل عنها إلى مراجعة ونظر , بل كان مستحضرا لجميع أدلتها وشقوقها واختلاف العلماء فيها , وهذا من عجائب الكرامات له أعلى الله مقامه ( ام يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون ). وفي علم الكلام والحكمة العملية والنظرية بأقسامها أصولا وفروعا قد اتفقت الكلمة على أنه لم يسبقه فيها سابق بل ولا يلحقه لاحق , وهكذا الكلام في سائر العلوم من العلوم الظاهرية والباطنية والحقيقية والمجازية والأصولية والفروعية , لا سيما علم التواريخ والسير ومعرفة القرون الماضية والأمم السعيدة والهالكة وما وقع في العالم من عجائب الأمور وغرائب حوادث الدهور , ومعرفة عجائب المخلوقات وغرائب المصنوعات والحوادث الليلية والنهارية. ومعرفة علم السماء والعالم من ربط العلويات ومزج السفليات بآثار أشعة العلويات , وحدوث الآثار الغريبة منها , وهي مبدأ علم الطلسمات , ومعرفة طبائع السفليات ومزاج الطبيعيات , ومعرفة الحركات السريعة والبطيئة والمعتدلة ونسبتها بحروف الصفات المتشعبة عنها العلوم الأربعة ( السيمياء والليمياء والريمياء والهيمياء ) , ومعرفة علم تجويد القرآن والتنزيل في القراءة من حفظ الوقوف وأداء الحروف والاستقامة في الأداء عند القراءة , من معرفة الأنوار الثلاثين التي نصفها من محسنات القراءة ونصفها من المستهجنات فيها , ومعرفة الحروف وصفاتها وقراناتها , ونسبة كل حرف مع الحروف كلها , فإن له في هذا العلم باعا واسعا ويدا طولى , بحيث اعترفت القراء ممن شاهدناهم بالعجز عن البلوغ إلى عشر معشار ما عنده أعلى الله مقامه , ومعرفة علم كتاب القرآن ورسم الخط في الكتابة , فإن بعض الكلمات لها صور مخصوصة لا تجري تحت قاعدة الخطوط المعروفة , وسائر العلوم من علم التطبيق وعلم الكتاب التكويني والكتاب التدويني والكتاب التشريعي والشرع الوجودي والوجود الشرعي. ومن علم الميزان ميزان العلوم بالمشاعر , وميزان المشاعر بالميزان القويم والقسطاس المستقيم , وعلم أحوال الكلام , وما يقتضيه من القرانات الحاملة لقضاء الله بأنحاء المشيئات , وهكذا سائر العلوم التي طويت ذكر بعضها ونشرت ذكر بعضها , وما خفي علي أكثر وأكثر , ومن العجائب التي لا تنقضي والغرائب التي لا تفنى ولا تتصرم أنه أعلى الله مقامه وأشاد شأنه ورفع في الدارين أعلامه كان يستخرج هذه العلوم والأحوال كلها من الكتاب والسنة ويستدل عليها بالحكمة والمجادلة والموعظة الحسنة , ويأتي بكل مسألة من هذه الفنون المتشتتة بآية من محكمات الكتاب , ودليل عقلي من العقل المستنير بنور الشرع , ومثال من العالم ومن الآيات المرئية والأمثال المضروبة من قوله تعالى ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) وقوله تعالى ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) وقوله تعالى ( ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا ). وهذا أمر صعب بعيد المنال عزيز الوصال , لا يناله إلا من له عناية خاصة من الله وتسديد ظاهر من آل الله , فإن أنكرت شيئا من هذا الذي ذكرناه ها كتبه تتلى عليك وصحف بيناته تدل عليه , وأنموذج من بقايا بعض آثاره تنبئك عنه ( إن آثارنا تدل علينا ).
الكاتب: السيد كاظم الحسيني الرشتي
المصدر: كتاب دليل المتحيرين