– ابن عقدة، قال: حدثني الحميري، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن أحمد، عن الحسين، عن ابن أخت شعيب العقرقوفي عن خاله شعيب، قال: كنت عند الصادق (عليه السلام) إذ دخل إليه يونس بن ضبيان، فقال: يا ابن رسول الله إني دخلت على مالك وأصحابه فسمعت بعضهم يقول: إن الله له وجه كالوجوه، وبعضهم يقول: له يدان، واحتجوا بذلك قول الله تعالى:
* (بيدي استكبرت) * (3) وبعضهم يقول: هو كالشاب من أبناء ثلاثين سنة، فما عندك في هذا يا ابن رسول الله؟
قال: فكان متكئا فاستوى جالسا، وقال: اللهم عفوك عفوك. ثم قال: يا يونس من زعم أن لله وجها كالوجوه فقد أشرك، ومن زعم أن لله جوارحا كجوارح المخلوقين فهو كافر بالله، فلا تقبلوا شهادته ولا تأكلوا ذبيحته، تعالى الله عما يصفه المشبهون بصفة المخلوقين، فوجه الله أنبياؤه، وقوله: * (خلقت بيدي استكبرت) * (1) فاليد القدرة كقوله: * (وأيدكم بنصره) * (2)، فمن زعم أن الله في شئ أو على شئ أو تحول من شئ إلى شئ أو يخلو منه شئ أو يشغل به شئ فقد وصفه بصفة المخلوقين، والله خالق كل شئ لا يقاس بالقياس ولا يشبه بالناس، لا يخلو منه مكان ولا يشغل به مكان، قريب في بعده بعيد في قربه، ذلك الله ربنا لا إله غيره، فمن أراد الله وأحبه بهذه الصفة فهو من الموحدين، ومن أحبه بغير هذه الصفة فالله منه برئ ونحن منه براء.
ثم قال (عليه السلام): إن أولي الألباب الذين عملوا بالفكرة حتى ورثوا منه حب الله، فإن حب الله إذا ورثه القلب استضاء به وأسرع إليه اللطف، فإذا نزل منزلا صار من أهل الفوائد، فإذا صار من أهل الفوائد تكلم بالحكمة، فإذا تكلم بالحكمة صار صاحب فطنة، فإذا نزل منزلة الفطنة عمل في القدرة، فإذا عمل به ما في القدرة عرف الأطباق السبعة، فإذا بلغ هذه المنزلة جعل شهوته ومحبته في خالقه، فإذا فعل ذلك نزل منزلة الكبرى فعاين ربه في قلبه وورث الحكمة بغير ما ورثه، الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت، وإن العلماء ورثوا العلم بالطلب، وإن الصديقين ورثوا الصدق بالخشوع وطول العبادة، فمن أخذه بهذه السيرة إما أن يسفل وإما أن يرفع، وأكثرهم الذي يسفل ولا يرفع إذا لم يرع حق الله ولم يعمل بما أمر به، فهذه صفة من لم يعرف الله حق معرفته فلم يحبه حق محبته، فلا يغرنك صلاتهم وصيامهم ورواياتهم وعلومهم فإنهم حمر مستنفرة.
ثم قال: يا يونس إذا أردت العلم الصحيح فعندنا فنحن أهل الذكر الذين قال الله عز وجل: * (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * (1)، فانا ورثنا وأوتينا شرع الحكمة وفصل الخطاب.
فقلت: يا ابن رسول الله وكل من كان من أهل البيت ورث كما ورثتم من كان من ولد علي وفاطمة (عليهما السلام)؟ فقال: ما ورثه إلا الأئمة الاثنا عشر.
قلت: سمهم لي يا ابن رسول الله؟ فقال: أولهم علي بن أبي طالب، وبعده الحسن والحسين، وبعده علي بن الحسين، ومحمد بن علي، ثم أنا، وبعدي موسى ولدي، وبعد موسى علي ابنه، وبعد علي محمد، وبعد محمد علي، وبعد علي الحسن، وبعد الحسن الحجة، اصطفانا الله وطهرنا وأوتينا ما لم يؤت أحدا من العالمين.
ثم قلت: يا ابن رسول الله، إن عبد الله بن سعد دخل عليك بالأمس فسألك عما سألك فأجبته بخلاف هذا. فقال: يا يونس كل امرء وما يحتمله ولكل وقت حديثه، وإنك لأهل لما سألت فاكتمه إلا عن أهله. والسلام (2).
المصدر: فضائل أمير المؤمنين (ع) – ابن عقدة الكوفي – الصفحة 164 – 165 – 166