بالرغم من السعادة الأبدية تكمن في معرفة النفس , والإحاطة بحقيقة الإنسانية , التي هي الصراط المستقيم لمعرفة الله , فإن للإحاطة بكل من أجزاء الجسم وأعضائه , دخلا في تحقيق السعادة أيضا .
إن معرفة الذات تعم معرفة الجسم والروح والنفس جميعا , يستطيع الشخص تدريجيا أن يتعرف على بنية كيانه , وكيفية استعمال كل من الجوارح , وحدود واجبات كل منها . كما أن بإمكانه أن يسلك كلا الطريقين : المادي والمعنوي , ويتعرف على أسرار الخليقة من خلال الحواس الظاهرة والأعمال الجسمانية والحواس الباطنة ومقام الذات … وفي كل ذلك , يتلقى درسا عميقا في التوحيد وصفات الخالق .
إن الـتعرف على جارحة واحده مهما كانت صغيرة يتضمن عالما رحبا من السعادة . فالفم يعتبر جزءا من الأقسام الثلاثة للجهاز الهضمي , وهو يبدو بسيطا , ويظن أكثر الناس أنهم يستخدمون هذا العضو ويستفيدون منه بالدرجة القصوى , في حين أنه يصعب العثور على شخص واحد من بين الألف شخص يكون مطلعا على واجبات هذا العضو .
يظن أغلب الناس أن الفم نافذة لعبور الطعام , وقطع اللقم الكبيرة إلى قطع صغيرة يسهل ابتلاعها , في حين أن واجب الفم يتعدى ما ذكر إلى سحق الطعام وطحنه , ثم المساعدة على هضمه . ذلك أن العمل الكيمياوي الذي يحدث في الفم أهم من العمل الميكانيكي … واستـنادا إلى هذه الغفلة فإن أكثر الناس يبلعون الطعام من دون مضغ جيد , وإذ لا يستخدمون الجانب الكيمياوي في ذلك فإنهم يصابون بسوء الهضم والأمراض المزمنة الأخرى .
هناك نوع من اللعاب الذي ترشحه غدد الفم يقوم بدور أساسي وهو تحويل المواد السكرية الموجودة في الطعام إلى شكل يسهل امتصاصه , إنه يجعل المواد النشوية قابلة للتمثيل , وبالتالي فإنه يرفع عبئا كبيرا عن المعدة .
من الضروري أن يمضغ الطعام بالمقدار الكافي واللازم , ولا بد أن تدار اللقمة يمينا ويسارا , حتى يختلط المقدار المناسب من ذلك اللعاب القيم باللقمة , ثم ترسل إلى المعدة , وبذلك يضمن الإنسان الصحة والعافية لنفسه , ويريح معدته في مستقبل أيامه حيث يصاب بالشيخوخة والهرم .
يقول إمامنا أمير المؤمنين عليه آلاف التحية والثناء في ذلك : (( لا خير في طعام لم يمضغ )) .
وهذا هو السبب في كون بعض الأطعمة السائلـة كالحساء فاقدة لهذه الفائدة العظمى ، لأنها لا تمضغ ، وبذلك تؤدي إلى آلام المعدة والأمعاء .
وحتى تناول الحليب والألبان يجب أن يتم بشكل يضمن الاستفادة من هذا اللعاب الثمين في الفم .
وهكذا نلاحظ أن الأطفال الرضع يتمتعون بوفرة اللعاب في أفواههم ، فإنهم بالسرعة نفسها التي يمتصون فيها الحليب من الثدي تفرز الغدد اللعابية عندهم ليختلط الكل وينزل إلى جوفهم .
ويجب أن نعلم أن الروح السليمة تكمن في البدن السليم ، والفكر السليم في الجسم السليم , لذا فإن معرفة الجسم تساعد على معرفة الروح ، وتعتبر غصناً من شجرة المساعدة الإنسانية.
رسالة الإنسانية
للإمام المصلح والعبد الصالح الميرزا حسن الحائري الإحقاقي قدس الله سره