قال – سلمه الله تعالى – وأيضاً فقد نستدعي من جنابك أن تبين لنا مراتب الأئمة عليهم السلام , ومقاماتهم وولايتهم حتى يكون تذكرها سبباً لزيادة الخضوع والخشوع , والتذلل والانقياد لهم , والإخلاص في محبتهم وولايتهم , وزيادة الوجد والبكاء في مصائبهم ورزاياهم صلى الله عليهم ؟ .
أقول: إن بيان تلك المراتب والمقامات , مما لا يمكن استقصائها لأحد من المخلوقين سواهم صلى الله عليهم مما حضر عندهم , وظهر لديهم عليهم السلام , مما جرى من فوارة القدر , والفيض الأقدس بهم إليهم , دون ما يتجدد لهم أبد الأبد , ودائم السرمد , الصحيح لهم , بالاستزادة في العلم في ذكر فضائلهم ومقاماتهم روح فدائهم كما قال عز وجل: ( وقل رب زدني علما ) وقال تعالى: ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ) ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) .
والدليل على عدم الاستقصاء قوله تعالى: ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) , والنعمة هي الإمام عليه السلام , وبه أنعم الله على الخلق في جميع ذرات كينوناتهم , كما ورد التصريح بذلك عنهم عليهم السلام , والمخاطب هو كل المكلفين , مما يصلح أن يقع عليه التكليف من الأولين والأخرين وكل الخلائق أجمعين , على ما صح عندنا من عموم الخطابات الشفاهية , وإن كل ما برز في الوجود من الغيب والشهود , والذوات والصفات , والأعراض والأعمال , كلها ذات شعور واختيار وتكليف , قد وقع عليهم التكليف من اللطيف الخبير .
وأدلة ما ذكرنا موجود في القرآن , وأحاديث الأئمة عليهم السلام , والعقل المستنير , وقد ذكرناها في سائر أجوبتنا للمسائل , وسائر المباحثات , ولا يسعني الآن بيانها , لأنها خلاف المقصود والمرام , فكل الموجودات يشملهم خطاب ( وإن تعدوا ) فيدخل فيهم الأنبياء والمرسلون والملائكة المقربون وكل الخلائق أجمعون , فلا يمكنهم إحصاء فضائلهم وبيان مقا ماتهم ومراتبهم عليهم السلام وقال تعالى: ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) .
وعن الكاظم عليه السلام قال: عن الأبحر السبعة أنها: ( عين الكبريت , وعين اليمين , وعين برهوت , وعين الطبرية , وحمة ما سبذان , وحمة افريقية , وعين ما جروان , ونحن الكلمات التي لا يستقصى فضلنا , ولا يستحصى ) .
وهذه العيون والجمتان , كناية وعبارة عن كل الموجودات بمراتبها من الطيب والخبيث , واللطيف والكثيف , والصافي والممتزج , والمائع والجامد , وسائر الأحوال , وكلما في الأرض القابليات , من الأشجار النابتة بسقي ماء المزن , وحرارة الكلمة التامة الإلهية المعبر عنها , بل يكن لو كانت أقلاماً مستمدة من تلك الأبحر , من الإمدادات الواردة عليهم من ذلك البحر الأعظم , الذي لا نهاية لها , ولا غاية تنتهي إليها , وجرت تلك الأقلام على ألواح الكائنات , من حيث انبساطها , وتحملها للتشأن بالشؤون المتكثرة المختلفة الغير المتناهية .
والكاتب: هو كاتب الإبتداع بسر الاختراع , في حقائق تلك النسمات , وكينونات تلك الذرات .
ومدة الكتابة إلى أن ينتهي الزمان , وينفذ الدهر , ويسير في بيداء السرمد أبد الأبد بلا أمد , لا أحصي جزء من مائة ألف جزء من مثقال الذرة , مما لهم عليهم السلام , من الفضائل والمناقب والأسرار , كفاك لذلك شاهداً ودليلاً قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : ( يا علي ما عرفني إلا الله وأنت ولا يعرفك إلا الله وأنا ).
وعن الصادق عليه السلام: ( والله ما وصل إليكم من فضلنا إلا ألف غير معطوفة , فإذا كان كان ) فاستحال معرفتهم ومعرفة فضائلهم وأسرار ولايتهم إلا الله سبحانه , ولهم فيما حضر لديهم , دونما يتجدد من قعر بحر القدر بأمر مستقر , إلا أن الله سبحانه لما أبى أن يجري على الفلق الفيض , من مخزن الرحمة الواسعة والرحمة المكتوبة في علو درجاتهم وتسافل دركاتهم إلا بما عندهم من الإقرار بفضائل محمد صلى الله عليهم أجمعين بالدليل والبرهان والإنكار لها بعد الحجة عليهم والبيان , وتعالي الدرجات وتفاوتها في العلو والرفعة , إنما كان بزيادة بهم عليهم السلام , المقتضية لزيادة معرفتهم , وتسافل الدركات وتفاوتها في السفل , إنما هو بالتقصير في واجب حقوقهم عليهم السلام , وحرمان درك معرفتهم , كما ينبغي لجلال قدسهم عليهم السلام , فكتب الله سبحانه في حقائق الخلق وذواتهم , وأسرار كينوناتهم شرح فضائل آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم , مما تتحمل تلك الخلائق من اطوار الرقائق فرفهم إياها وأكرمهم بها , وجعل ذواتهم تلك المعرفة , وحقائقهم تلك المنقبة , فأقامهم في العالم الأول في القدم , والأزل الثاني في محشر واحد , وشرح الله لهم تلك الفضائل , بحيث لا يخفى على أحد فضلهم , وبعض خفايا أسرارهم , وهو قوله عليهم السلام في الزيارة الجامعة الكبيرة: ( فبلغ الله بكم أشرف محل المكرمين , وأعلى درجات المرسلين , حيث لا يلحقه لاحق , ولا يفوقه قائق , ولا يسبقه سابق , ولا يطمع في ادراكه طامع , حتى لا يبقى ملك مقرب , ولا نبي مرسل , ولا صديق , ولا شهيد , ولا عالم ولا جاهل , ولا دني ولا فاضل , ولا مؤمن صالح , ولا فاجر طالح , ولا جبار عنيد , ولا شيطان مريد , ولا خلق فيما بين ذلك شهيد , إلا عرفهم جلالة أمركم , وعظم خطركم , وكبر شأنكم , وتمام نوركم , وصدق مقاعدكم , وثبات مقامكم , وشرف محلكم ومنزلتكم عنده , وكرامتكم عليه , وخاصتكم لديه , وقرب منزلتكم منه , بأبي أنتم وأمي وأهل ومالي … ) .
وهذا التعريف بسر التحقيق إنما كان في ذلك العالم , وجرى القلم على اللوح المحفوظ , ولوح المحو والإثبات , بإثبات التقدير , والقضاء والأجل , والإذن والكتاب , والمحتومات والمشروطات من الخيرات والشرور , وأحكام المحور والإثبات , والبقاء والفناء , والرزق والحرمان , وكلما نطق به أن الإمكان والأكوان , وسائر الأحوال والأوضاع , والاقتضاءات كلها مقتضى ذلك التعريف , فهنالك ظهرت هيمنة آل محمد صلى الله عليهم , واستيلائهم على كل مذروء ومبروء وهو قوله عليه السلام في الزيارة: ( طأطأ كل شريف لشرفكم , وبخع كل متكبر لطاعتكم , وخضع كل جبار لفضلكم , وذل كل شيء لكم , وأشرقت الأرض بنوركم , وفاز الفائزون بولايتكم , بكم يسلك إلى الرضوان , وعلى من جحد ولايتكم غضب الرحمان , بأبي أنتم وأمي ونفسي وأهلي ومالي … ) .
ولما أن الله سبحانه أنزل الخلق من العالم الأول الأعلى , إلى العالم الأسفل الأدنى , وابتلى الخلق بالمحن , وشملتهم العوارض والفتن , فنسوا ذلك العهد والميثاق , وخمدت لذلك نيران الأذواق والأشواق وها أنا أذكرك ببعض ذلك العهد أي: بجزء من مائة ألف جزء من ذلك العهد , الذي أخذ منا في أسفل المراتب , لا ما هو المأخوذ منا في أعلى المراتب , فإن القلوب لا تتحمل لإدراكه , والصدور تضيق عن حمله , فيفسد على الضعفاء ما عندهم من الدين , وقد قال الإمام سيد الساجدين , عليه السلام: ( لا تتكلم بما تسارع العقول في انكاره وإن كان عندك اعتذاره وليس كلما تسمعه نوكراً وسعته عذراً ) .
وقال الصادق عليه السلام: ( ما كل ما يعلم يقال , ولا كل ما يقال , حان وقته , ولا كل ما حان وقته حضر أهله )