الأخباريون والأصوليون

الأخباريون والأصوليون

الأخبارويون فرقة من الشيعة الإمامية الاثنى عشرية اختلفت مع الأصوليين في موارد أهمها: إسقاط دليلي الإجماع والعقل من الأدلة الأربعة المذكورة في أصول الفقه , والتي يعتمدها الفقيه في استنباط الأحكام الشرعية. فقد اقتصروا على الكتاب والخبر – السنة – وأوجبوا العمل بالأخبار , لذلك سموا ( الأخباريين ) و ( الأخبارية ) وهم يقدمون الخبر مهما كانت درجته على الدليل العقلي وحجتهم في ذلك أن الاجتهاد رأي والرأي لا يجوز في الدين , بينما يرى الأصوليون القياس رأياً ولا يجوزون الرأي في العبادة والدين لذلك رفضوه.
وهم يمنعون الاجتهاد في الاحكام الشرعية , ومن تقليد المجتهد , ويقولون بالرجوع إلى الإمام وذلك بالرجوع إلى الأخبار المروية عنه الواردة عن النبي وأهل بيته عليهم السلام ويرون أن مافي الكتب الأربعة التي عليها المدار عند الشيعة , قطعي السند أو موثوق بصدوره , فلاحاجة إلى البحث عن سنده , لأن مؤلفيها قد انتقوا الأخبار وحذفوا منها ما رواه الضعفاء والمجرمون وأثبتوا ما رواه الثقات فقط , أو قامت القرائن عندهم على صحته … بينما قسم الأصوليون الأخبار إلى أنواعها المعرفوة من صحيح , وحسن , وموثق , وضعيف , وغيرها. وهم يرون أن أغلبها غير قطعي السند وأنها مختلفة المراتب وهي لذلك ظنية الدلالة فيجب , فيجب على الفقيه أن يبحث في أسانيد الرواية عند العمل بها , ولا يجوز له العمل بكلها والحكم بصحتها , إذ لو سلمنا بأن جامعيها قد انتقوا أحاديثها – كما يقول الأخباريون – فهم قد فعلوا ذلك بحسب اجتهادهم , وهو مما يجوز عليها الخطأ , فإذا بان لنا الخطأ برؤية أسانيد الضعفاء المجروحين فما الذين يسوغ لنا تقليدهم ؟؟!
ولما كان الأخباريون ينكرون الاجتهاد فقد نفوا الحاجة إلى علم الأصول زاعمين أنه من وضع غيرنا , بينما كان الشيعة أسبق فرق الإسلام إلى الأخذ بأصول الفقه في استنباط الأحكام . فقد أملى الإمام الباقر عليه السلام بعضها وأملى الإمام الصادق عليه السلام على تلميذه هشام بن الحكم الشيباني بعض مبادئه , وقد وضع هشام كتاباً في ذلك وهو أقدم مما حرره الإمام الشافعي بعشرات السنين وقد جمع الشيخ الحر القواعد الكلية المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في كتاب خاص , وألف السيد محمد هاشم الخوانساري في الموضوع كتاباً أيضاً , فما ذكره أبو نعيم من أن الإمام الشافعي أول من وضع كتاباً في أصول الفقه سماه ( الرسالة ) غير صحيح , وكذا ما قاله الرازي والسيوطي والجلبي وجولدزيهر  كما أن قول بعض المعاصرين: ( بأنها أصول سبق لأئمة أهل السنة أن حرروها وبحثوها ولم يكن للإمام فيها نصيب ) غير صحيح أيضاً
والجدير بالذكر ما تنبه له الفخر الرازي من أن نسبة علم الأصول إلى الشافعي كنسبة علم المنطق إلى أرسطاطاليس وعلم العروض إلى الفراهيدي , فقد كان الناس قبل الأول يستدلون ويعترضون من غير قانون مخلص في كيفية ترتيب الحدود والبراهين فوضع أرسطاطاليس قانونا كليا يرجع إليه وهو المنطق , وكذلك كان الشعراء قبل الخليل ينظمون على السليقة والطبع فوضع الخليل العروض فصار قانوناً كلياً ولذلك فقد كان السبق في هذا المجال لأئمة الشيعة وعلمائهم.
كانت بداية ظهور الأخباريين في مطلع القرن الحادي عشر للهجرة على يد الشيخ محمد أمين الاستربادي صاحب ( الفوائد المدنية ) إلا أنها تجددت بشدة في أواخر القرن الثاني عشر , وقد دارت رحى المعركة بين الفريقين – الأخباريين والأصوليين – في كربلاء بقيادة زعماء الدين وكبار المراجع فدوت في الأوساط العلمية. ولم تقتصر على طلبة العلوم وأهل الفضل بل تسربت إلى صفوف العوام مما أدى إلى الاستهانة بالعلم والاستخفاف بحملته. وبلغ التطرف حداً حكم فيه الوحيد البهباني بعدم صحة الصلاة خلف البحراني وأوغل الأخباريين في الازدراء بالأصوليين إلى درجة عجيبة حتى أننا ( سمعنا من مشايخنا الأعلام وأهل الخبرة والاطلاع على أحوال العلماء : أن بعض فضلائهم كان لا يلمس مؤلفات الأصوليين بيده تحاشياً من نجاستها , وإنما يقبضها من وراء ملابسه ). وقد ذكر ذلك غير واحد من الأفاضل.
واستمر الصراع الفكري قائماً بشدة وشراسة واتساع في النصف الأول من القرن الثالث عشر , فجرت مناقشات طويلة بين الفريقين وظهرت كتب عديدة في الرد على الأخباريين وكانت اللهجة قاسية والأسلوب نابياً وقد تزعم فريق الأخباريين في تلك الفترة الميرزا محمد النيشابوري المعروف بالأخباريين كما تزعم فريق الأصوليين الشيخ جعفر كاشف الغطاء النجفي وقد تطرف الأخباري إلى أبعد حد ووسع شقة الخلاف كثيراً , وتخلى عن الأدب والحشمة والاحترام في مناقشته لعلماء الأصوليين في نقده ورده على السواء وتطاول على أساطين الدين وعظماء المذهب بالشتم , واستعمل بذيء القول ومرذوله مما أدى إلى وقوف العلماء قاطبة في وجهه وإجماعهم على هتكه وتحطيمه حتى انتهت القصة بمأساة فظيعة فقد قتل على أيدي العوام مع كبير أولاده بهجوم شن على داره في الكاظمية وسلمت جثته إلى السكان للعبث بها.
وقد حاول كاشف الغطاء تخفيف حدة التوتر والحيلولة دون وقوع ما انتهى إليه الأمر فألف كتاباً شرح فيه حقيقة مذهب الطرفين وأن عقائدهما في أصول الدين متحدة سواء وفي فروع الدين يرجع الجميع إلى ما روي عن الأئمة عليهم السلام فالمجتهد أخباري والأخباري مجتهد وفضلاء الطرفين ناجون والطاعنون هالكون لكن الأخباري تمادى في غيه وتوسع في اتهاماته لأساطين العلماء ونسبة الآراء الفاسدة والفتاوى المفتعلة القذرة لهم كنسبة القول بجواز اللواط إلى السيد محسن الأعرجي ونسبة أمثال ذلك إلى الشيخ أبي القاسم القمي – وكان يسمى أتباعه ( البقسمية ) – والسيد علي الطباطبائي وغيرهما والتجأ بعد ذلك إلى السلطان فتح علي شاه القاجاري في إيران واعتصم بالقصر واضطر ذلك كاشف الغطاء إلى أن يؤلف كتابه: ( كاشف الغطاء عن معايب الميرزا محمد الأخباري عدو العلماء ) الذي أرسله إلى السلطان ودله فيه على فساد عقيدته وحثه على طرده وملاحقته. ومن يقف على الرسالة يتضح له خبث الأخباري وخروجه على الشرع وعدم وعدم تورعه في الدين وقد ورد على كاشف الغطاء بكتاب سماه: ( الصيحة بالحق على من ألحد وتزندق ) !! ولما توفي كاشف الغطاء بمرض الخنازير قال الأخباري: ( مات الخنزير بالخنازير ) هكذا كان الأخباري يرد وبهذا الأسلوب كان يخاطب أكابر العلماء ويعتدي عليهم.

لقد تميزت تلك الفترة بالمهاترات والخروج على طريقة الدين والمشايخ الصالحين , حتى أدت إلى هتك البعض لحرمة البعض , وانتقاص كل واحد الآخر . وكان كل فريق يرى وجوب قتل الفريق الآخر , وتطورت القضايا إلى أمور شخصية بحتة تقريباً , فكان كل من الخصمين يهدف إلى الانتقام من خصمه والتطويح به بينما كانت الخلافات إلى ما قبل عصرهما بفترة غير طويلة علمية نزيهة وحرة مخلصة لله وللدين , لا يهدف من ورائها إلى غير إحقاق الحق وإزهاق الباطل , وكان كلا الطرفين ينطق ويكتب حسب ما يمليه عليه مؤدى علمه ومبلغ اجتهاده.
ومن طريق ما يروى دليلاً على الإخلاص وحسن القصد أن الشيخ يوسف البحراني صاحب ( الحدائق ) سئل عن حال الصلاة خلف الشيخ محمد باقر البهبهاني فصححها فقيل له: كيف تصحح الصلاة خلف من لا يصححها بصلاتك ؟! فقال: وأي غرابة في ذلك ؟! إن واجبي الشرعي يحتم علي أن أقول ما أعتقده وواجبه الشرعي يحتم عليه ذلك , وقد فعل كل منا بتكليفه وواجبه … وهل يسقط عن العدالة لمجرد أنه لا يصحح الصلاة خلفي ؟!.
هكذا كانت الحال بالنسبة إلى ذلك العالم المخلص , فقد صفت نفسه منكل شائبه , فلم تعرف إلا الصدق والإنصاف , ولم يخفق قلبه الكبير بغير الإيمان واتسع صدره الرحب للعدالة وإن كانت عليه لا له , ولما وصلت النوبة إلى الأخباري حولها إلى خصومة شخصية وحاول إرجاع نسب كاشف الغطاء إلى بني أمية لينقصه.
وقد أنهى السيد محمد الدزفولي الفروق بين الأخباريين والأصوليين إلى ستة وثمانين , والمتتبع الفاحص يجد معظمها تافهاً ومتشابهاً , غير أن بعض علماء الأخباريين قد عمد إلى نقشها وتصنيفها للتضخيم والتهويل وتوسيع شقة الخلاف بين الفريقين , وإظهار الفوارق كثيرة وكبيرة أمام عوامهم ليحرموا الصفاء وييأسوا من الالتقاء.
وقد أنهاها الشيخ عبدالله السماهيجي إلى أربعين فرقاً , ذكر منها السيد محمد باقر الخوانساري تسعة وعشرين وقال: إن ا لبقية ترجع إليها . ونقلها عنه السيد محمد صادق بحر العلوم . ولخصها السيد محسن الأمين في خمسة وقال إن الباقي راجع إليها . وإليك ملخصها:

١ – الاجتهاد والتقليد:
أوجب الأصوليون الاجتهاد كفاية كما أوجبوا على العوام تقليد المجتهدين. ومنع الأخباريون منهما فقالوا بلزوم الرجوع إلى الإمام بالرجوع إلى الأخبار الواردة عنه لنهي الأخبار عن الأخذ بالرأي وعقول الرجال , ويظهر أنهم ظنوا بأن الأصوليين يأخذون بالرأي الصرف غافلين عن أخذهم بما يستفيدونه من الكتاب والسنة والإجماع الصحيح وحكم العقل.

٢ – تقليد الميت:
فقد منعه الأصوليون ابتداءً واختلفوا في يجوازه دوماً محتجين بعدم قيام الدليل على جواز تقليد الميت , وأن ذلك على خلاف الأصل. وأجاز ذلك الأخباريون ذاهبين إلى عدم تغير الحق بالموت والحياة , وأن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة . في حين أن الحق الذي لا يتغير هو الواقعي لا الظني وزعمهم بأنهم لا يعملون إلا بالعلم غير الصحيح.

٣ – الأخبار:
رأى الأخباريون أن أحاديث الكتب الأربعة كلها صحيحة , محتجين بانتقاء مؤلفيها للأخبار وحذفهم ما هو للضعفاء والمجروحين , وأن قدماء الأصحاب كانوا على ذلك ولم يكن لتقسيمات الحديث أثر عندهم قبل ابن طاووس وتلميذه العلامة الحلي . أما الأصوليون فقد قسموها إلى الصحيح والحسن والموثق والضعيف والمرسل وغيرها. وإذا ما وجدوا في أسانيدها الضعاف والمجروحين , أو رأوا فيها المرسل والمقطوع , لم يستسيغوا العمل بها , بل ولم يحكموا بصحتها , بل بحثوا أسانيدها. وهم يؤيدون قول الأخباريويين بأن أصحاب الكتب الأربعة قد نقحوها وهذبوها حسب اجتهادهم واعتقادهم , ولكنه مما يجوز عليه الخطأ , ولذلك يحتم على كل مجتهد أن يفحصها جيداً.

٤ – دليل العقل:
كقبح التكليف بما لا يطاق وقبح العقاب بلا بيان , ولذلك موارد كثيرة في علم الأصول , وقد ذهب الأصوليون إلى الاحتجاج به لتطبيق القواعد الواردة على الأخبار مثل: ( ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم ) و ( الناس في سعة ما لم يعلموا ) و ( رفع القلم عن تسعة أشياء منها: ما لا يعلمون ).
ومن الموارد التي يحتاج فيها إلى الاستدلال بالعقل: مسالة الشك في المحرم , كالشك في حرمة التدخين مثلاً , فقد اتفق الأصوليون على العمل بالبراءة الأصلية فيه لبح العقاب بلا بيان يصل إلى المكلف. بينما اتفق الأخباريون على وجوب التوقف والاحتياط فيه محتجين بأن الأشياء حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك , ولو جاز العمل بالبراءة الأصلية لما تم التثليث ولدخل المشكوك فيه في الحلال البين , فالتدخين عند الأخبارين محرم مثلاً

٥ – الاستصحاب:
ذهب الأصوليون إلى القول بحجيته مستدلين بحديث: ( إذا كنت على يقين من شيء فلا تنقض يقينك بالشك ) وخالفهم الأخباريون في ذلك وتوقفوا فيه.
وقد خص الشيخ يوسف البحراني الفائدة الثانية عشرة في الفرق بين الأخباري والأصولي كما أفاض عنه في بعض مؤلفاته , وللشيخ محمد أمين الاستربادي بحث واف في الموضوع. وهناك مصادر أخرى لمن يبتغي التوسع والاستزادة.

الكاتب: السيد محمد حسن آل الطالقاني
المصدر: كتاب الشيخية نشأتها وتطورها ومصادر دراستها 

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة