فاعلم أن الله سبحانه لم يخلق العباد عبثاً لأنه حكيم و الحكيم لايفعل ما لا فائدة فيه و لما كان غنياً غير محتاج لأن المحتاج محدث كانت فائدة خلقه للخلق راجعة إليهم ليوصلهم إلى السعادة الابدية و ذلك متوقف على تكليفهم بما يكون سبباً لاستحقاق السعادة الابدية و لو لم يكلفهم لمااستحقوا شيئاً و لو أعطاهم بغير عمل كان عبثاً و قد ثبت أنه حكيم لايفعل العبث قال تعالى (أفحسبتم أنماخلقناكم عبثاً و أنكم إلينا لاتُرجعون) و لما أراد خلقهم أنعم عليهم كرماً لأنهم لايكونون شيئا إلا بنعمته فلما أنعم عليهم وجب عليهم شكر النعم و لايمكنهم شكر نعمه حتي يعرفوه لئلايفعلوا ما لايجوز عليه فشكر نعمه متوقف على معرفته و معرفته متوقفة على النظر و التفكر في آثار صنعه و النظر و التفكر متوقف على الصمت يعني الإعراض بالقلب عن الخلق فأول الواجبات على المكلفين الصمت كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام فإذا صمت عن الخلق تمكن من النظر و هو الواجب الثاني و به يتمكن من المعرفة فمن ترك الواجب الأول من المكلفين فقد ترك الواجب الثاني و من تركه فقد ترك معرفة الله و توحيده و عدله و نبوة أنبيائه و إمامة خلفاء أنبيائه عليهم السلام و معرفة المعاد و رجوع الأرواح إلى الأجساد و من ترك ذلك فليس بمؤمن بل و لا مسلم و كان في زمرة الكافرين و استحق العذاب الأليم الدائم المقيم و المراد بالمعرفة التي لايثبت الإسلام إلا بها اعتقاد وجود صانع ليس بمصنوع و إلا لكان له صانع و معرفة الصفات التي تثبت لذاته و هي ذاته وإلا لتعددت القدماء و الصفات التي تثبت لأفعاله و معرفة الصفات التي لاتجوز عليه لأنها صفات خلقه و الصفات التي لاتجوز على أفعاله لأنها صفات أفعال خلقه و معرفة عدله لأنه سبحانه غني مطلق فلايحتاج الي شئ و عالم مطلق فلايجهل شيئاً و معرفة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه و آله و نبوة جميع الأنبياء عليهم السلام لأنهم الوسائط بين الله سبحانه و بين عباده و المبلغون عنه تعالى إليهم و معرفة خلفائهم عليهم السلام لأنهم حفظة شرائعهم فهم حجج الله بعدهم و معرفة بعث المكلفين و حشرهم إلى مالك يوم الدين و ذلك على ما نذكره من تعليم الله تعالى لعباده معرفة ذلك على ألسنة حججه عليهم.
المصدر : كتاب حياة النفس للشيخ الأوحد الأحسائي أعلى الله مقامه