ثَمّةَ فرقٌ جوهريٌّ بين مرجعياتٍ تتعامل مع عامة الناس بمنطق التجهيل، وتطالبهم بالرجوع إليها على أساس أنهم قاصرون عن الاختيار، مسيّرون لا مخيّرون، وبين المرجعية الأوحدية الإحقاقية التي جعلت للإنسان حرية الاختيار عن وعيٍ وبصيرةٍ وقناعةٍ علميةٍ وعقائدية.
ألم يقف المرجعان الدينيان الأعلى، المولى الميرزا عبدالرسول الحائري الإحقاقي والمولى الميرزا حسن الحائري الإحقاقي، أعلى الله مقامهما، موقف الواثق بعلمه وعقيدته، مؤكدَين للناس حريتهم في الاختيار، حتى إنهما لم يمنعا أحداً من تقليد غيرهما، ولم يجعلا من المرجعية قيداً على إرادة المؤمنين أو وصايةً على عقولهم؟
فأنتم الذين اخترتم هذه المرجعية عن قناعة، وأنتم الذين أقررتم بعلم أعلامها وورعهم وتقواهم، وبايعتموهم على أساس ما عرفتموه من مقاماتهم العلمية والعقائدية، لا بإكراهٍ ولا بإجبار.
ثم إنكم، حين انقلبتم على ما كنتم تعتقدونه وتدافعون عنه، لم تقدّموا مواجهةً علميةً رصينةً تنقض مبانيهم أو تدحض حججهم، وإنما بدا أن دوافع هذا التحوّل أقرب إلى المصالح الدنيوية الزائلة منها إلى المطالب العلمية الأصيلة.
فلو كان خلافكم علمياً، لواجهتم العلم بالعلم، والحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان؛ أما تبدّل المواقف بتبدّل المصالح، فلا يصنع دليلاً علمياً، ولا يُسقط مقاماً علمياً، ولا يمحو حقيقةً عقائدية.
فالمرجعية التي تثق بعلمها لا تخشى حرية الاختيار، والمدرسة التي تستند إلى البرهان لا تحتاج إلى مصادرة عقول أتباعها؛ إذ إنّ الولاء القائم على المعرفة والبصيرة أرسخ من الاتباع القائم على التبعية والتلقين والمشرك الذي يقدم رأي المرجع المقصر على روايات محمد وآل محمد عليهم السلام ويطمر فضائلهم ومقاماتهم