(في قلوبهم مَرَضٌ فزادهم الله مرضا)
حديث عن نفاق المنافقين الَّذين خالفوا بعْد النَّبي
على لسان الإمام الكاظم “عليه السَّلام”|(2)
“”””””””””””””””””””””””””””””””””
● في قول اللهِ تعالى: {في قلوبهم مَرَضٌ فزادهُمُ اللهُ مرضاً ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون} يقولُ الإمامُ الكاظم “عليه السَّلام”:
(إنَّ رسولَ اللهِ “صلَّى اللهُ عليهِ وآله”، لما اعتذرَ هؤلاءِ [المُنافقين إليه] بما اعتذروا، تكرَّم عليهم بأن قَبِلَ ظواهرهم، ووكل بواطنهم إلى ربهم، لكن جبرئيل “عليه السَّلام” أتاه فقـــال:
يا مُحمَّد إنَّ العليَّ الأعلى يقرأ عليكَ السَّلام ويقول:
اخرجْ بهؤلاء المَرَدة الَّذين اتَّصلَ بكَ عنْهم في علي”عليهِ السَّلام”: على نكثهم لبيعته، وتوطينهم نفوسهم على مُخالفتهم عليَّــاً ليُظهِر مِن عجائب ما أكرمهُ اللهُ به مِن طواعيةِ الأرض والجبال والسَّماء لهُ وسائِرَ ما خلقَ اللهُ – لما أوقفه موقفكَ وأقامه مقامك –
ليعلموا أنَّ وليَّ اللهِ عليَّــاً، غنيٌّ عنهم، وأنَّهُ لا يكفُّ عنهم انتقامَهُ منْهم إلَّا بأمرِ الله الَّذي لهُ فيه وفيهم التَّدبير الَّذي هو بالغه، والحكمة الَّتي هو عاملٌ بها وممضٍ لِما يوجبها.
فأمرَ رسولَ اللهِ “صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ” الجماعة – مِن الَّذين اتَّصلَ بهِ عنْهم ما اتَّصلَ في أمْرِ عليّ “عليه السَّلام” والمواطأةَ على مُخالفتهِ – بالخروج.
فقال لعليّ عليه السَّلام – لمَّا استقر عند سفْح بعض جبال المدينة-:
يا عليّ.. إنَّ الله عزَّ وجلَّ أمرَ هؤلاءِ بنصرتكَ ومُساعدتكَ، والمُواظبةَ على خِدمتكَ، والجدَّ في طاعتكَ، فإن أطاعوكَ فهو خيرٌ لهم، يصيرون في جنانِ اللهِ مُلوكاً خالدين ناعمين،
وإنْ خالفوكَ فهو شرٌّ لهم، يصيرونَ في جهنَّم خالدين مُعذَّبين.
فدعا اللهَ عليٌّ بذلك، فامتلأتْ تلكَ الجبال والهضاب وقرار الأرض مِن الرّجال الشَّاكي الأسلحة الَّذين لا يفي بواحد منْهم عشرةُ آلاف مِن النَّاس المعهودين، ومِن الأسود والنمور والأفاعي حتَّى طبقتْ تلك الجبال والأرضون والهضاب بذلك [و] كل ينادي:
يا علي.. يا وصي رسول الله، ها نحنُ قد سُخّرنا الله لكَ، وأُمِرْنا بإجابتك – كلّما دعوتنا – إلى اصطلام كلّ مَن سلَّطتنا عليه،
فمتى شئتَ فادعُنا نجِبكَ، وبما شئتَ فأمرنا بهِ نطعْكَ.
يا عليّ.. يا وصيَّ رسولِ اللهِ:
إنَّ لكَ عند الله مِن الشأن العظيم ما لو سألتَ الله أن يُصيّر لكَ أطرافَ الأرض وجوانبها هيئةً واحدة كصرَّة كيسٍ لفعل، أو يحطَّ لكَ السَّماء إلى الأرض لفعل، أو يرفع لكَ الأرض إلى السَّماء لفعل، أو يقلبَ لك ما في بحارها الأجاج ماءً عذباً أو زئبقاً بانا، أو ما شئتَ مِن أنواع الأشربة والأدهان لفعل،
ولو شئتَ أن يجمّد البحار ويجعل سائر الأرض هي البحار لفعل، فلا يحزنكَ تمرُّد هؤلاء المُتمرّدين، وخلافَ هؤلاءِ المُخالفين، فكأنَّهم بالدُّنيا إذا انقضت عنهم كأن لم يكونوا فيها (وكأنَّهم بالآخرة إذا وردتْ عليهم كأنْ) لم يزالوا فيها.
يا عليّ.. إنَّ الَّذي أمهلهم معَ كُفْرهم وفسقهم في تمرُّدهم عن طاعتكَ هو الَّذي أمهلَ فرعون ذا الأوتاد، ونمرود بن كنعان،
ومَن ادَّعى الإلهية مِن ذَوي الطُّغيان وأطغى الطُّغاة إبليسَ رأس الضّلالات.
[و] ما خُلقتَ أنتَ ولا هُم لدارِ الفناء، بل خلقْتم لدارِ البقاء، ولكنكم تُنقَلونَ مِن دارٍ إلى دار، ولا حاجةَ لربك إلى مَن يسوسهم ويرعاهم، ولكنَّه أرادَ تشريفك عليهم، وإبانتكَ بالفضل فيهم، ولو شاء لهداهم.
قالَ “عليه السَّلام”: فمرضتْ قلوبُ القَومِ لمَّا شاهدوه مِن ذلك، مُضافاً إلى ما كان [في قلوبهم] مِن مرض حسدهم [له و] لعليّ بن أبي طالب”عليهِ السَّلام”، فقال اللهُ عند ذلك:
(في قلوبهم مرض) أيّ: [في] قلوبِ هؤلاء المُتمرّدين الشَّاكين النَّاكثين لِمَا أخذت عليهم مِن بيعةِ عليّ بن أبي طالب “عليهِ السَّلام”
(فزادهم الله مرضا) بحيث تاهتْ لهُ قلوبهم جزاءً بما أريتهم مِن هذهِ الآيات [و] المُعجزات،
(ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) مُحمّداً ويكذِبون في قولهم:
إنَّا على البيعةِ والعهد مقيمون….)
********
[تفسير الإمام الحسن العسكري “عليه السَّلام”]