*دليل الحكمة نادر جداً في طرق الإستنباط والفتوى *

*دليل الحكمة نادر جداً في طرق الإستنباط والفتوى *
……….
إنّ ما يريد كما يريد لا يمكن ولا يتحصّل إلاّ بدليل الحكمة من الأدلة الثلاثة التي أمر الله سبحانه نـبـيّه أنْ يدعوَ الخلقَ إلى سبيله بها كما قال تعالى: [أدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]

فلا يعرف الشيئ على ما هو عليه بحيث يزول ويرتفع الإشكال إلاّ بدليل الحكمة الّذي هو أعلى الأدلّة وأقواها وأعظمها وأشرفها وأسناها، وبه تعرف الأشياء كما هي، كما قال صلى الله عليه وآله: [أللّهُمّ أرِنِي الأشْيَاءَ كَمَا هِيَ]

وهو الّذي أعطاه الله داوود ولقمان كما قال تعالى: [وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَاب] [وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَة] وقال تعالى: [وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا] .

وقد بـيّـنّا الأدلة الثلاثة في كثير من مباحثاتنا ورسائلنا إلاّ أنّ المعروف المشتهر الآن بين علماء الزّمان هو المجادلة بالتي هي أحسن التي ذكرها الْمنطقيّون في علم الميزان،

وهذا الدليل لا يوصل إلاّ إلى ظاهر الشيئ وقشره وصورته، فلا ترتفع به الإشكالات، ولا تذهب معه الإحتمالات، فإذا سدّ احتمالا يقوم احتمال آخر،

ولذا تراهم كثيراً ما يرجعون عن حكمهم الأول المعلوم المقطوع به بالدّليل البرهاني والقياس الإستثنائي والإقتراني إلى الأمر الآخر، فيكون الأول باطلاً عندهم،

وقد يتّفق أنّ الأمرين في الواقع شيئ واحد، وإنما اختلفا في الصورة والحدود الظاهرية، وهذا دليل على إنهم ما شاهدوا الأمر، وما وصلوا إلى الواقع، وما رأوا الشيئ كما هو، وإنما تصوّروا مفهوماً صوريّاً وَرَتّبُوهُ على المفهوم الآخر، فينتج المفهومان بهذا التزويج والإقتران مفهوما آخر، وصورة أخرى.

وإنْ كان يتراء لهم أنـّه الحقيقة والواقع، ولكنّه ليس كذلك، بدليل عدم الثّبات والإستقرار،

إلاّ أنّ هذا الدّليل أيضاً بابٌ فَتَحَهُ اللهُ -سبحانه- للخلق إذا عجزوا عن الدليلين الآخرين اللذين هما الأصل في معرفة الأشياء على جهة القطع واليقين، الذي لا يشوبه الظّنّ والتّخمين.

(فإذا علمت هذا)؛ علمت أنّ إجراء الكلام على دليل الحكمة لا يمكن في هذا الزّمان، لعدم معرفتهم إيّاه، وعدم أنسهم به، فينكرون كما هو عادة أكثر الطبايع، وقد أخبر الله تعالى عنهم في كتابه: [وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ] ، وقال تعالى: [بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُه] .
………..
من كتاب أدلة أصول الفقه الأربعة مولانا السيد الأمجد السيد كاظم الرشتي أعلى الله مقامه

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة