تحقيق في معنى الغلو

تحقيق في معنى الغلو

تحقيق في معنى الغلو

ثم انه قد سبق ان الفاضل العاملي في صفحة ( ) من كتابة المذكور قال وينسب الى الكشفية امور اذا صحت فهي غلو. انتهى.

اقول: ان نسبة الغلو الى الشيخ احمد بن زين الدين ( قدس سره ) جارية على السن كثير من الفضلاء وكثيرة الدوران في  صحف كل من انتقد من المعاصرين ومن قبلهم فكان هذه الشبه صارت عندهم من المسلمات ثابتة على الشيخ مسلمة مفروغ عنها لا تقاس بسائر الشبهات من إنكار المعاد الجسماني أو المعراج الجسماني أو شق القمر أو غير ذلك وكأن تلك الشبهة انقشعت عن غالب الأذهان سيما بعد انتشار كتاب الكتابين المذكورين احقاق الحق وتنزيه الحق لوالدي الماجد أعلى الله مقامه وتحقق عند الغالب أنها شبهات نشأت من عدم إعطاء التأمل حقه في عبارات الشيخ ( قده ) في مواردها أو صدرت عن قلة التحصيل وعدم الاحاطة بحقائقها أو ترشحت ممن امتلأت صدورهم من بغضائها إلا شبهة الغلو فإنها بعد باقية راسخة تتطور باطوار حتى لدى الفضلاء المتورعين من الأخيار.

فلا بد لنا من تقديم مقدمة لتحقيق معنى الغلو ليكون ميزانا لمعرفة الغالي وتمييزه عن غيره.

فنقول ان الغلو في اللغة هو الارتفاع اي التجاوز عن الحد وهو في كل شيء بحسبه ان استعمل في الاثمان والاسعار يكون بمعنى زيادتها عن حدها المتعارف وان استعمل في المهور فبمعنى زيادتها عن المهر النبوي او عن المهر المتعارف على حسب بلادها او امثالها واقرانها ومنه الحديث لا تغلو في صداق النساء انتهى.

وان استعمل في الماء وقبل غلاء الماء فمعناه انه تجاوز عن حده الاول قبل الغليان حتى ارتفع وطمى وان استعمل في البشر يكون بمعنى عن حد العبودية الى مقام الربوبية قال تعالى: ( لا تغلو في دينكم ) أي لا تتجاوزوا الحد بأن ترفعوا نبي الله عيسى الى مقام الربوبية والالوهية وفي حديث الشيعة كونوا النمرقة الوسطى يرجع اليكم الغالي ويحلق بكم التالي فالغالي في آل محمد من قال في حقهم بما لا يقولون كمن يدعي فيهم النبوة أو الالوهية.

ومنه ان لنا اهل البيت في كل خلف عدو لا ينفون عنا تحريف الغالين اي الذين لهم غلو في الدين كالغلاة الذين يقولون بالوهية علي عليه السلام والمبتدعة وغيرهم.

فاقول من الواضح البين ان ما سوى الله تعالى حادث ممكن كما انه تعالى واجب قديم وكما ان الغني والاستقلال عين ذاته عز اسمه كذلك الفقر والاحتياج ذاتي الممكن لا يفارقه بوجه فهو مفتقر ابدا حدوثا وبقاء ومحتاج إلى بارئه في جميع الاحوال ولا يمكن ولا يعقل استغناء أي ممكن في حال من الاحوال قط سواء في ذلك كل الممكنات جمع شريفها ووضيعها باديها وخاتمها نبيها وغير نبيها قويها وضعيفها ولو استغنى ممكن فرضا ولو آنا ما لا نقلب في ذلك الانا واجبا وهو محال فالكل اي ما سوى الله مادوا اياديهم وباسطوا اكفهم للسؤال من خالقهم يا ايها الناس انتم الفقراء الى الله والله هو الغني فالله المتفرد في افعاله المتصرف في ملكه الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء والممكن كائنا من كان حده ورتبته الفقر والاحتياج لا غير ومن عاداه عن ذلك وتجاوز به الى ما يلزم غناه ولو لمحة فقد غلا في حقه وافرط ومن اثبت له اي مقام من المقامات وان بلغ به من الغلو والارتقاء ما بلغ مع عدم تجاوزه عن حد الامكان والفقر فلا غلو فيه ان ساعده الدليل على ذلك عقلا لو نقلا.

فلا يمكن ولا يعقل من حادث ان يكون شريكا لله تعالى ولو في فعل جزئي بان يؤثر في ذلك الفعل بنفسه ذاتا كتأثيره تعالى ويكون الفعل موجوداً بتأثيرهما معا لان هذا الحادث في نفسه حدوثاً وبقاءً في كل آن محتاج ومفتقر فكيف يوجد غيره او يسد فقره ان ادلة التوحيد قد نفت كل شريك وكذا بالطريق الاولى لا يمكن ولا يعقل ان يكون الحادث مفوضا اليه في فعل من الافعال ولو جزئيا بان يفوض القديم اليه ذلك الامر ويرفع يده عنه ويكون صدور هذا الفعل ووجوده بالكلية مستندا الى هذا الحادث لان الحادث المفوض اليه فرضا هو في نفسه وبقاءه محتاج الى مدد بارئه على الاتصال فلو قطع القديم مدده عنه آنا ما فنى وتلاشى وأني له الاستقلال في البقاء ولو لحظة او لمحة حتى يوجد غيره او يحدث امرا من الامور والذي لا يتأتى منه احداث امر بالشراكة مع القديم فبالطريق الاولى لا يتأتى من الايجاد استقلالا بالتفويض لما ذكرنا من ان الفقر والاحتياج ذاتي الممكن لا ينقلب عن ذاتيه ابدا.

فمن قال في حق ممكن واعتقد له الشراكة أو التفويض بالمعنى الذي ذكر ولو في أمر جزئي فقد تعدى وجاوزه عن حده وغلا وافرط في حقه كائناً  من كان من الخلق فلذا أشرفهم صلى الله عليه وآله وسلم الفقر فخري وبه افتخر لان الشراكة والاستقلال بالتفويض لا يتأتيان الا من الغني والحادث فقير لن يستغنى ابدا والا لانقلب عن حقيقته وذاتية وصار قديما وانقلاب الحقائق محال.

وكذلك لا يمكن ولا يقعل من الممكن الوكالة من القديم في امر من الامور بان يكون وكيلا منعزلا عن القديم ومنقطعا عن امره ومدده كسائر الوكلاء لان ذلك يوجب اولا الاستقلال والغنى ولو بوجه ما وهو خلاف ذاتيه وحقيقته فان الوكيل وان كان يده يد الموكل الا انه حين الفعل والعمل منعزل عنه خارج عن يده وثانيا يوجب انعزال الحق تعالى عن خلقه وملكه وتعطيله وهذا نقص في حقه تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

ونظير الوكالة في عدم الامكان فعل العبد بامر سيده على ما هو المعروف عند عادة الناس حين اطلاق الامر والاذن بمعنى ان تمام رأس ماله من مولاه وبضاعته ليس الا الامر اللفظي فقط والاذن الظاهري لا غير كالوكالة التي ليس للوكيل من موكله الا لفظ  وكلتك لا غير فهذا ايضا لا يتأتى من الحادث الممكن للزوم استغنائه الذي هو خلاف ذاتيه وانعزال الحق عن ملكه.

وعلى هذا يحمل ما ورد في الصحيح عن الصادق عليه السلام ما معناه من قال نحن خالقون بأمر الله فقد كفر انتهى اي الامر اللفظي العاري عن المدد المعنوي فمن قال بهذه الامور الاربعة اي بتأثير الحادث الممكن وفعله في شيء من الاشياء بالشراكة مع الحق او التفويض من او بالوكالة او بالامر بالمعنى الذي ذكرنا فقد غلا وافرط لانه جاوز الحادث عن حده وذاتيه وحقيقته وعزل الحق سبحانه عن ملكه وعطله عن فيضه فهذه الامور الاربعة كلها باطلة لا مسرح لحادث في واحد منها.

وهنا امر خامس لا مانع من القول به ولا ضير ولا محيص عنه في كل حادث له التأثير الظاهري في بعض الاشياء كتاثير العلويات في السفليات وتأثير العقاقير  والأدوية في مفاعيلها وصدور الافعال من الملائكة الموكلين بها وتوكل الملائكة الاربعة كجبرئيل وميكائيل وعزرائيل واسرافيل لاركان الوجود الاربعة الخلق والرزق والاماتة والاحياء

وذلك بان نقول ان الفعل الذي يصدر من هذا الممكن المؤثر انما هو فعل الحق عز اسمه أظهره في هذا الممكن وليس من تأثيره ذاته وإنما هو واسطة له فقط والمدد المتصل إليه من بارئه لذاته ولفعله وتأثيره فلو انقطع المدد عن ذاته لفنى ولو انقطع عن فعله لما اثر والتأثير تأثيره بفعله تعالى.

مثاله البلور اذا قابلته بالشمس فان البلور محرق بالشمس بشعاع الشمس وهو فعلها وذات البلور ليس فيه شيء من الاحراق وانما هو فعل الشمس اظهرته فيه لما كان ظهره صافية شفافا قابلا لتجلي الشمس فيه بإلقاء فعلها فيه واضهاره منه فلولا الشمس لما وجد الاحراق ولولا البلور لما ظهر الاحراق فالاحراق من الشمس بالبلور لشفافيته وصفاته وشدة قابليته والفاعل الحقيقي للاحراق هي الشمس والبلور مظهر لها لا غير.

مثال اخر: الصورة في المرآة فان المقابل هو الذي اوجد الصورة واحدثها في المرآة , والمرآة هي التي اظهرتها لصفائها ونورانيتها فلولا المرآت ما ظهرت ولولا المقابل ما وجدت فالمحدث الحقيقي للصورة هو المقابل لا المرآة وانما هي مظهر وواسطة فقط.

مثال ثالث: الحديدة المحماة بالنار فان الحديدة ذاتها اسود بارد فاذا قربت من النار ذهب عنها السواد والبرودة تدريجياً الى ان ترقت والقت النار فعلها فيها من الاضائة والاحراق فالحديدة ما انقلبت عن ذاتها وحقيقتها لكنها تكلست بالقرب من النار فصارت مستعدة وقابلة لتحملها فعل النار فهي حديدة حقيقة وليست بنار وذات النار ما حلت فيها  وهذا الذي نرى هو فعل النار قد ظهر فيها لا ذات النار وهكذا جميع ما نرى من الاشتعال في الحطب والفحم والغاز والسراج والكهرباء كلها فعل النار واثرها قد ظهر في هذه المظاهر وليست بذات النار فان النار الحقيقية لا ترى في الحس والعيان وهي الحرارة واليبوسة المؤثرتان اللتان متى توجهتا الى شيء او وجدتا في مادة بالمس احرقتا وظهر اثرهما في تلك المادة من الضياء والاحراق لا ذاتهما فكلما نرى في العالم فهو اثر النار قد ظهر في مواد مستعدة ومظاهر قابلة لذلك فالاحراق الذي في الحديدة هو من النار لا من الحديدة وانما هي مظهر وواسطة له فلو بعدت عن النار رجعت على حديديتها وبرودتها وسوادها ولم تحرق بوجه فالحراق والضياء فعل النار واثرها وملكها ملكتها للحديدة باطاعتها للنار وقربها منها وهي المالكة لما ملكتها والقادرة على ما اقدرتها والاولى بها منها فالمحرق والمضيء ظاهرا هي الحديدة وحقيقة وواقعا هي النار بالحديدة فهي ليست شريكة مع النار ولا مفوض اليها ولا وكيلة عنها ولا غير ذلك بل هي واسطة للنار ومظهر لفعلها وهي لا تملك لنفسها في التأثير نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حيوة ولا نشورا فافهم وقس عليها جميع المؤثرات والعلل والملائكة المدبرات والحاملات لاركان الوجود من الخق والرزق والاماتة والاحياء فكلها حوامل لافعال الله سبحانه تعالى وماظهر لها لا شريكة لله تعالى ولا مفوض اليها ولا غير ذلك على نمط قوله عليه السلام كما في الغرر والدرر ( تجلي لها فاشرقت وطالعها فتلألأت فالقى في هويتها مثاله واظهر عنها افعاله ) انتهى.

فتبصر فان هذا الوجه لا مناص عن القول به في جميع المؤثرات وهو الحق الذي يساعده التحقيق وبه يحفظ جانب الربوبية والعبودية وهو التوحيد الحق ان كنت تفهم وهو النمط الاوسط حيث ان الممكنات باقية على حدودها من الفقر والاحتياج وان ظهر منها ما ظهر والباري سبحانه على قدرته ونفوذه في بريته وتفرده في ملكه وعدم انعزاله عن ملكه ودوام فيضه بلا تعطيل وكونه كل يوم هو في شأن.

وهذا التحقيق بعينه جار فيما يصدر من محمد وآل محمد عليهم السلام حيث احتووا على جميع مراتب العبودية وسبحوا في كل ابحرها وعبدوا الله تعالى عبادة لا تتأتى من احد من الخلق واطاعوه طاعة لا يتصور مثلها في الامكان حتى افنوا انفسهم وتلاشت انيتهم وما فقدهم خالقهم فيما يحب ولا وجدهم فيما يكره فقربهم من نفسه بقربا لا يصل ولن يصل اليه احد وعلاهم تعلية لا يدانيها أي كادح ومجتهد علوا يقصر عنه كل علو وسموا , ينحط عنه اي سمو حتى الانبياء والمرسلين والملائكة المقربين والشهداء والصديقين كما في الزيارة حيث لا يلحقه لاحق ولا يفوقه فائق ولا يطمع في ادراكه طامع ) فصار فعلهم فعل الله وامرهم امر الله وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله على حد قوله تعالى ( الذين يبايعونك انما يبايعون الله ) وقوله تعالى ( وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى ).

وفي الزيارة الجامعة ( من والاكم فقد والى الله ومن عاداكم فقد عادى الله ومن احبكم فقد احب الله ومن ابغضكم فقد ابغض الله ومن اعتصم بكم فقد اعتصم بالله ) الخ.

فالفعل في الحقيقة فعل الله وهم مظاهره والامر امر الله وهم حوامله فهم في انفسهم لا ارادة لهم ولا مشية الا مشية الله عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بامره يعملون وما يشاؤون الا ما شاء الله ولا يفعلون الا ما اراد الله وهو ظاهر قوله تعالى ليس لك من الامر شيء او تأويله فهم في احوالهم وافعالهم وحركاتهم وسكناتهم يتقلبون تحت اوامر الله تعالى ونواهيه فلذا صار قولهم وفعلهم وتقريرهم حجة فافهم.

فجميع ما يصدر منهم من المعجزات وخوارق العادات والتصرفات في الكون وفي اركان الوجود فهي افعال الله تعالى وهم مظاهر وحوامل لها كما أن البلور مظهر الشمس والحديدة مظهرة للنار والمرآة مظهر للمقابل فيما سبق من الامثله الثلاثة وهم في هذه الأحوال كلها مربوبون مرزوقون محتاجون الى مدد خالقهم في كل آن فلو انقطع المدد عن ذواتهم الشريفة آناً  ما لفنوا واضمحلوا وتلاشوا ولو انقطع المدد عن افعالهم لما اثروا بوجه ولما تمكنوا من تحريك شعره ولا ذرة قال تعالى ( ولئن شئنا لنذهبن بالذي اوحينا اليك ) انتهى.

فلذا كان أمير المؤمنين عليه السلام في كسر خبز الشعير يستعين بركبته اشارة الى فقره واحتياجه بامر بارئه مع انه عليه السلام كان مصدر تلك القوة الباهرة في قلع باب خيبر وقلع الصخرة وغيرها فهم في عين كونهم مظاهر قدرة الله ومجالي صفات الله تعالى لا يتجاوزون حد امكانهم وفقرهم الى الله تعالى ولا يتعدون عن عبوديتهم لله طرفة عين بوجه.

فمن قال انهم شركاء لله تعالى في الصوادر منه عليهم السلام فقد كفر والحد.

ومن قال انهم مفوضون في ذلك أو هم مستقلون فيما يصدر عنهم فقد غلا وافرط لانه جاوزهم عن حد الامكان والعبودية.

ومن قال انهم عليهم السلام وكلاء عن الله سبحانه او انهم يفعلون بامر الله على ما يفهمه العوام في الوكالة والامر كما سبق فقد قال باطلا واغلط وكل هؤلاء على خلاف جادة الحق ومأويهم النار وبئس المصير.

وكذا من قال انهم لا يتمكنون من كل شيء لا من انفسهم ولا من قبل بارئهم ولا يؤثرون في شيء ابدا وحالهم حال عامة البشر بل هم كالعصاة الملقات وسائر الجمادات لا يتأتى منهم اي تصرف في الكون وان هذه المعاجز والخوارق الصادرة منهم انما هي بمصادفة امر الله تعالى بمعنى ان الله حتم وحكم بشق القمر في زمانه ورد الشمس في ساعته وهكذا الا انه صار موافقا ومصادفا لدعائهم فوقع ذلك المعجز ومن قال بذلك قلى وفرط ونزلهم عن مراتبهم التي رتبهم الله عليها وقصر مقامهم وسلب القدرة عن الله سبحانه او نسب اليه صدور خلاف الحكمة وان حجته غير بالغة حيث نصب لنا ائمة عاجزين وقاصرين ولم يجعل حجته بالغة اما لعجزه عن جعلهم كاملين من جميع الجهات او لعدم قابليتهم واستعدادهم للكمال تعالى الله وتعالوا عن ذلك علوا كبيرا فان القدرة عين ذاته وهم يكاد زيت قابليتهم يضيء ولو لم تمسه نار مشيئته عز وجل اسمه ولله الحجة البالغة وهذا القالي ما اظن ان الله ينظر اليه يوم القيامة ولا يزكي عمله بل يجعله هباءا منثورا ويصليه سعيرا فهذا الاعتقاد في طرف التفريط كما انه تلك المذكورات في طرف الافراط وكلاهما باطلان وخارجان عن الطريق السوي والصراط المستقيم والنمط الاوسط هو ما ذكرنا من ان لهم التأثير في الوجود والتصرف في الكون بعضا او كلا على الخلاف لكن بمدد الله وارادته تعالى والفعل هو فعل الله تعالى قد ظهر فيهم وهم وسائط في ذلك الفعل والمدد متصل لهم من بارئهم لا ينقطع والله هو الفاعل بهم ويتوسطهم ولو شاء لفعل بلا واسطة ولو شاء لافناهم وأتى بآخرين غيرهم للوساطة كما قال تعالى ( إن يشاء يذهبكم ويأت بآخرين ) لكنه لا يفعل ذلك ابدا لانه خلاف الحكمة وان كان قادرا عليه اما عبوديتهم لله تعالى وانهم مخلوقون مربوبون مرزوقون محتاجون لمدد خالقهم كل آن ولحظة وانهم لا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حيوة ولا نشورا فهو ثابت وجدانا وحسا لا ينكر لمكان حدوثهم واماكنهم وهي قضية قياسها معها مضافا الى اخبار كثيرة في اعترافهم بعبوديتهم بقولهم اجعلوا لنا ربا نؤب اليه وغير ذلك لكن معرفة مراتبهم عند الله تعالى ومقاماتهم لديه وحد قربهم ومنزلتهم عنده لا يتأتى لأحد من البشر بل ولا الانبياء والمرسلين والملائكة المقربين الا لخالقهم وبارئهم لقول نبينا خاتم الانبياء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( يا علي لا يعرفني الا الله وانت ولا يعرفك الا الله وانا ) بنحو الحصر وهذا يشمل جميع طبقات الخلق من الاولين والاخرين والاخبار كثيرة معتبرة متواترة في الكافي والاحتجاج وأمالي الصدوق وغيرها ونحن في غنى عن نقلها وتدوينها لكثرتها وشهرتها ونحن ابناء البشر خارج عن طوقنا تقدير ما يمكن ان يقال فيهم ( عليهم السلام ) وما لا يقال وما يجوز عليهم وما لا يجوز بعقولنا القاصرة وانى للرعايا ان تحد حدا للسلاطين وارباب الولاية المطلقة مضافا الى ان العقول والافهام مختلفة اختلاف الهيئات والصور فهذا يرا امرا غلوا والاخر لا يراه غلوا بل يراه قصورا.

منهم من يرى ان دعوى علم الغيب بعضا او كلا في حقهم عليهم السلام غلو لا يجوز.

ومنهم من يرى نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غلوا ويبتغي الاجر في تأليف رسالة في السهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ومنهم من يرى ان قول آل محمد خير البرية بعد حي على خير العمل في الاذان والاقامة من علائم الغلاة.

ومنهم من يعتقد ان دعوى احاطة علمهم ( عليهم السلام ) بالاشياء تعد غلوا بل يعتقد انهم ( عليهم السلام ) يجهلون كثيرا من الاشياءز

ومنهم من يرى ان اعتقاد عدم الاحاطة قلو وتنقيص عن مراتبهم ( عليهم السلام ).

ومنهم من يعتقد انهم لا يعلمون ساعة موتهم وقتلهم وان عليا ( عليه السلام ) ما كان يعلم ساعة خروجه الى المسجد ان المرادي قاتله تلك الساعة وان الحسين ( عليه السلام ) ما كان يعلم حين قدومه الى العراق انه يقتل وان الائمة ( عليهم السلام ) حين تناولهم السم ما كان يعلمون بذلك والا لا لقوا بانفسهم الى التهلكة.

ومنهم من يزعم ان آل محمد ( عليهم افضل الصلاة والسلام ) ما يتمكنون من خلق او رزق او احياء او اماتة ولو في بعض الاحيان حتى بامر الله وارادته.

ومنهم من يعتقد خلاف ذلك

ومنهم من يرى نجاسة مدفوعاتهم ودمائهم.

ومنهم من يرى طهارتها.

ومنهم من يساويهم مع البشر في جميع اطوارهم وحالاتهم السامية.

ومنهم من يجوز عليهم الظن والتخمين في تقدير الكر الذي هو من الموضوعات المستنبطة الشرعية.

ومنهم من يطعن في كثير من الرواة الموثوقين الفضلاء الكملين بالغلو لرواياتهم عنهم فضيلة او منقبه عالية المضمون بعيدة عن عقله وفهمه كبعض القميين.

وهكذا والاخبار ايضا في اكثر المسائل المذكورة مختلف بين نفي واثبات وليس بايدينا حد منصوص متفق عليه او مستنبط يرجع اليه فيما يجوز عليهم وما لا يجوز حتى نقف عنده الا ما وصل الينا من الكلية في عدة اخبار معتبرة بالقول بما نشاء من المراتب والمقامات لهم بعد الاعتراف بعبوديتهم وان لهم ربا يؤبون إليه.

ففي بصائر الدرجات في الحديث المسند الى كامل التمار قال: كنت عند ابي عبدالله ( عليه السلام ) ذات يوم فقال لي: ( يا كامل اجعلوا لنا ربا نؤب إليه وقولوا فينا ما شئتم : قال: قلت نجعل لكم ربا تؤبون إليه ونقول فيكم ما شئنا . قال فاستوى جالسا فقال: وما عسى أن تقولوا واللخ ما خرج من علمنا إليكم إلا ألف غير معطوفة ) انتهى

وعن كتاب العوالم والبحار وكتاب انيس السمراء وسمير الجلساء في حديث النورانية عن سلمان وابي ذر عن مولانا علي عليه السلام في اول الحديث ( اعلم يا ابا ذر انا عبدالله وخليفته على عباده لا تجعلونا ارباب وقولوا في فضلنا ما شئتم فانكم لا تبلغون كنه ما فينا ولا نهايته ) الخ وفي اخر الحديث كرره واعاد عليه السلام بما لفظه: ( ولو ظهرت للناس بصورة واحدة لهلك في الناس لقالوا هو لا يزول ولا يتغير وانما انا عبد من عبيد الله عز وجل لا تسمونا اربابا وقولوا في فضلنا ما شئتم فانكم لن تبلغوا من فضلنا كنه ما جعله الله لنا ولا معشار العشر ) انتهى

ونظير هذه العبارة في تضاعيف بعض خطبه عليه السلام الحاكية عن بعض مقاماته العالية سلام الله عليه ويوجد ايضا في تضاعيف بعض احاديثهم المتضمنة لبعض فضائهلم السامية ( عليهم السلام ).

فهذا هو الميزان الحق الذي منوا على رعاياهم به فزن بهذا القساطاس المستقيم كلما يرد عليك من الفضائل والمناقب من ناحيتهم عليهم السلام فما وافق فهو مقبول وما خالف فهو مردود او موقوف وكذلك زن به كل من تصادف من الناس فمن ثبت عليه فهو من الرجال ومن انحرف عنه الى احد الجانبين فهو من اشباه الرجال وايم الله لو سرحت بريد الفكر توأما مع الانصاف في خلال احايتهم وفضائلهم ووجهت منضرة الدقة والتأمل نحو خطبهم واحوالهم لرأيت ما ذكر صراطا واضحا وميزانا راجحا ونمطا اوسطا لا افراطا ولا تفريطا قد ضلت وتاهت في بر الافراط والغلاة والمفوضة كما أنه قد هلكت وغرفت في بحر التفريط القلاة والمقصرة وركبت سفينة النجاة الامة الوسطى الهداة المتبصرة المؤمنين العارفين الكاملين الموحدين الفائزين الذين انعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

فتحصل من جميع ما ذكر ان من لم يتجاوز عن الميزان المذكور فلا يقال عنه غالي وان بلغ في مراتب آل محمد ( عليهم السلام ) ومقاماتهم ما بلغ اذا دل عليهم الدليل وتبين ايضا ان الغلو ماذا هو وان الغالي من تجاوز عن ذلك الميزان وتعداه الى مرتبة الربوبية والالوهية او النبوة في حق آل محمد ( ع ) وغير ذلك لا يقال غالي وعرفت ايضا ان ليس المدار في معرفة الغلو والغالي على عقائد افراد الناس او افهام احاد الفضلاء حتى ان من كانت عقيدته في آل محمد ( عليهم السلام ) طفيفة سفلى يرى غاليا من هو اعلى منه في العقيدة وارقى والذي يرى ان الامام ( ع ) لا يعلم الغيب ينسب الذي يرى انه يعلم الغيب بعضا او كلا الغلو والخروج عن الجادة والذي يعتقد ان علم الامام ليس باحاطي او ليس بحضوري يرمي من يعتقد الاحاطة او الحضور الى الغلو والارتفاع كلا ثم كلا فان مقامات آل محمد ( عليهم السلام ) ومراتبهم لا تحدها ولا تحصرها عقول سائر البشر ولا تكون اهوائهم حكما وميزانا لمعرفة الغلاة وتمييز الهداة والحق هو ما ذكرناه فاحفظه واغتنم وليس مقصودنا في هذه النبذة بيان ما نحن عليه من العقيدة في حقهم سلام الله عليهم في المسائل التي سبقت فان المقام لا يسعه وله محل اخر قد بسطنا الكلام فيها في بعض رسائلنا واجمالا نقول انا نعتقد فيهم الكمال وفوق الكمال وعدم تطرق النقص والقصور اليهم لا في ذواتهم ولا في افعالهم ولا في اثارهم بوجه من الوجود وعدم البخل عنهم من المبدء الفياض في شيء من الاشياء وقد اتى بالمراد وفوق المراد في بعض المواد كتاب ( احقاق الحق ) جزى الله مصنفه عن الحق واهل الحق بما هو اليق بكرمهم واحق وانما المقصود في هذه النبذة دفع شبهة الغلو والارتفاع عن المؤمنين الموالين وكف السن القاصرين وردع اقلام بعض المغرضين لتجتمع كلمة الموحدين ويرتفع النزاع والاختلاف من البين.

وحيث عرفت الحكم والمدار والميزان والمعيار في معرفة الهداة فالفت النظر حيئذ الى رسائل الشيخ احمد بن زين الدين الاحسائي ( اعلى الله مقامه ) وتصنيفاته بالاخص شرح الزيارة وتفحصها واستقرئها صفحة صفحة وسطرا سطرا فهل ترى فيها ما نسبوه اليه من الغلو والارتفاع في حق آل محمد ( عليهم السلام ) وهل جاوزهم في بيان مراتبهم ( عليهم السلام ) عن حد العبودية والاحتياج إلى مقام الربوبية والغنى شركة أو تفويضا أو غير ذلك أو لا.

وهنا أنا انقل لك بعض عبارته عن شرح الزيارة في توحيده وعقيدته في مواليه و قال اعلى الله مقامه في شرح قوله عليه السلام والمخلصين في توحيد الله في صفحة ( ) من طبعة الوقف في السطر التاسع: ( الثالث ان مراتب التوحيد اربعة توحيد الذات وتوحيد الصفات وتوحيد الافعال وتوحيد العبادة فتوحيد الذات ما امر الله تعالى وقال لا تتخذوا الهين اثنين انما هو الله واحد الى ان قال ( اعله ): وتوحيد الصفات ما قال الله تعالى ليس كمثله شيء وبين لتوحيد الصفات معنين الى ان قال:

وتوحيد الافعال كقوله تعالى: ( اروني ماذا خلقوا من الارض ام لهم شرك في السماوات ) فليس له شريك في فعله فكلما ترى من افعال خلقه فهي افعاله بهم كما قال علي عليه السلام ( فالقى في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ) وقال تعالى ( وما رميت اذا رميت ولكن الله رمى ) الخ الى ان قال:

وتوحيد العبادة قال تعالى: ( فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا ) الخ انظر كيف صرح بتوحيد الافعال من الخلق والرزق والاماتة والاحياء كلها لله تعالى وهو المتفرد بها ليس له شريك فيها وكلها وكلما يصدر من هذه الافعال من خلقه فهم وسائط لها والفعل فعله تعالى اظهره في خلقه ويكرر اعلا الله مقامه اربعة مواطن التوحيد في كثير من كتبه وفي هذا الشرح فقرة ( اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ) في صفحة ( ) من طبعة الوقف ذكر المواطن الاربعة اجمالا الى ان قال في سطر : ( ولا شبيه له في افعاله ومفعولاته اي ليس له شريك فيها اروني ما خلقوا من الارض ام لهم شرك في السماوات ) انتهى.

وكذلك تلاميذه ( قدس سرهم ) يكررون هذا المطلب اي توحيد الافعال بعبارات شتى في تصنيفاتهم والمطلب واحد وهو حصر الافعال لله تعالى وان كانت ظاهرة بتوسط بعض عباده كالملائكة الاربعة والأنبياء والاولياء ( عليهم السلام ) فهل بعد هذا التصريح المؤكد يبقى محل لنسبة الغلو اليهم افلا يبصرون او يستريب احد في انهم مبرؤن عن كل اعتقادينا في التوحيد افلا يشعرون؟.

ثم ان الشيخ احمد بن زين الدين ( اعلا الله مقامه ) ما قنع بذلك البيان الصريح بل شرح وفسر في تضاعيف تحقيقاته ان كلما يذكر في شرح الزيارة وغيره من مقامات آل محمد صلى الله عليه وآله وجميع ما ينسب اليهم من الفضائل والمراتب ليس فيها شيء يستقلون به ولا يمكن لهم الاستقلال بل هم وسائط ذلك الفعل ومظاهر ذلك الامر وناهيك وصيته اعلا الله مقامه في شرح فقرة ( وأجسادكم في الأجساد ) الخ في صفحة ( ) في سطر ( ) قال: ( اوصيك وصية ناصح الا تستغرب هذه الاشياء او تنكرها فانا لا نريد بذلك انهم فاعلون او خالقون او رازقون بل نقول ان الله سبحانه هو الخالق والرازق وهو الفاعل لما يشاء وحده عز وجل ولم نجعل له شريكا في شيء الا انا نقول انه سبحانه لا يفعل شيئا بذاته لتكرمه وتنزهه عن المباشرة وانما يفعل ما يشاء بفعله ومفعوله من غير تشريك بل هو الفاعل وحده الى ان قال ( اعلى الله مقامه ).

( واما مفعوله فهو تعالى يفعل ما يشاء من مفعولاته ما شاء من صنعه مثلا إذا أراد أن ينبت الحنطة خلق لها الأرض بفعله أو بشيء من مفعوله وخلق لها الماء كذلك وخلق زيدا مثلا يزرعها وخلق لزيد جميع ما يتوقف عليه عمله من القوى والعلوم وتسليطه على البذر والماء والارض فاذا القى البذر في الارض وسقاه كما علمه الله والهمه انبت الله سبحانه بهذه الاشياء التي هي مفعولاته ما شاء من صنعه تعالى فقال تعالى ( افرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن  الزارعون ) والله سبحانه هو الزارع وحده من غير تشريك مع غيره وكذلك ما خلق في الارحام كما روي انه خلق ملكين خلاقين يقتحمان من فم امه فهما يقدر أنه كما أمرهما وكذلك ميكائيل جعله موكلا بالأرزاق وهو تعالى وحده الرازق ذو القوة المتين وكذلك ملك الموت جعله موكلا على قبض الارواح قال تعالى: ( قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم ) مع أنه تعالى قال: ( الله يتوفى الانفس حين موتها ) واذا قلنا هو الفاعل سبحانه نريد ان يفعل بفعله لا بذاته لان كل فاعل لا يفعل الا بفعله ) أنتهى.

انظر كيف صرح بان الفعل لله تعالى وهو الخالق الرازق وحده لا بشريك وبين ان ما يجري على الملائكة الاربعة في صدور الافعال منهم يجري على محمد وآله ( عليهم السلام ) فكما ان جبرئيل المتوسط للخلق وليس هو الخالق وميكائيل المتوسط للرزق ليس هو الرازق وعزرائيل المتوسط للاماتة ليس هو المميت واسرافيل المتوسط للاحياء ليس هو المحي بل الخالق الرازق المميت المحيي حقيقة هو الله لا غير وهؤلاء مظاهر للافعال ووسائط للاعمال فكذلك آل محمد ( عليهم السلام ) في صدور الافعال منهم لا فرق في ذلك بين هؤلاء وبينهم الا في الكلية والجزئية والتقدم والتأخر وحال الجميع حال الحارث الباذر الساقي لا غير فكما ان الزارع المنبت هو الله تعالى وان كان الحارض هو الذي حرث الارض وألقى البذر وسقى لكن الله تعالى سبحانه هو الذي خلق الحارث وخلق يديه وقواه وأعطى له تدبير الحرث وهو الذي خلق البذر والأرض والماء والتأثير للأرض بالبذر والماء بتكرير الأفلاك والكواكب وتسلط حرارة الشمس فالله الفاعل للزرع والانبات بفعله وبمفعولاته المذكورة فكذلك حال محمد والملائكة وغيرهم قال تعالى: ( إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب أليم ) فيا حبيبي لا شك أن المؤمن عند الله تعالى أعز وأكرم من المؤمنة والرمي بالغلو والكفر أشد وأعظم من الرمي بالزنا فاحذر أن تكون ممن تشمله اللعنة والعذاب أو يناله السخط والحساب.

ثم أن الشيخ ( اعلى الله مقامه ) بعد الوصية التي نقلناها استدرج الكلام في دفع الغلو عن مقتقداته وعما ذكر في الشرح الى ان نقل في صفحة ( ) مستشهدا لدفع الغلو ومعناه كلاما من صاحب العوالم.

قال الشيخ ( اعلى الله مقامه ) في السطر الثامن من تلك الصفحة ما لفظه: ( اذا عرفت ان الاستقامة في الدين في غير ما ذكروا حق او حق للضعفاء وقد ذكرنا سابقا شيئا من ذلك وهنا احببت ايراد بعض كلامهم لما في نفسي مما اسمع من الجهال لعل ناظرا في ذلك يتذكر او يخشى قال الشيخ عبدالله بن نور الله البحراني في كتابه عوالم العلوم وهو من تلامذة محمد باقر المجلسي ( رحمه الله ) وكل كلامه او جله من البحار قال بعد نقله لعتقاد الصدوق ونقل كلام للمفيد ( أعله ) قال تتميم وتحقيق اعلم ان الغلو في النبي والائمة عليه وعليهم السلام انما يكون بالقول بألوهيتهم أو بكونهم شركاء لله تعالى في المعبودية أو في الخلق او في الرزق او ان الله تعالى اتحد بهم او انهم يعلمون الغيب بغير وحي او بالقول في الأئمة ( ع ) انهم كانوا انبياء او القول بتناسخ ارواح بعضهم الى بعض او القول او القول بان معرفتهم تغني عن جميع الطاعات ولا تكليف معها بترك المعاصي والقول بكل منها الحاد وكفر وخروج عن الدين كما دلت عليه الادلة العقلية والايات والاخبار السالفة وغيرها وقد علمت ان الائمة ( ع ) تبروا منهم وحكموا بكفرهم وامروا بقتلهم وان سمعت شيئا من الاخبار الموهمة لشيء من ذلك اما مأولة او هي من مفتريات الغلات ولكن افرط بعض المتكلمين والمحدثين في الغلو لقصورهم عن معرفة الأئمة ( ع ) وعجزهم عن ادراك غرائب احوالهم وعجائب شؤونهم فقد جرحوا في كثير من الروات الثقات لنقلهم بعض غرائب المعجزات حتى قال بعضهم من الغلو نفي السهو عنهم والقول بانهم يعلمون ما كان وما يكون وغير ذلك مع انه قد ورد في اخبار كثيرة ( ولا تقولوا فينا ربا وقولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا ) وورد ( ان امرنا صعب مستصعب لا يحتمله الا ملك مقرب او نبي مرسل او عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان ) وورد ( لو علم ابو ذر ما في قلب سلمان لقتله ) وغير ذلك مما مر وسيأتي.

فلا بد للمؤمن المتدين الا يبادر برد ما ورد عنهم من فضائلهم ومعجزاتهم ومعالي امورهم الا اذا ثبت خلافة بضرورة الدين بقواطع البراهين او بالايات المحكمة او بالاخبار المتواترة كما مر عليك في باب التسليم وغيره ) أنتهى.

موضوع الحاجة من كلام صاحب العوالم المنقول في الشرح طويلا . ولعمري ان هذا التحقيق من هذا العلامة الذي لم يتهم بشبة الغلو وغيره وهو غواص بحار الاخبار كاستاذه المجلسي خير شاهد لما استشهد به الشيخ الاحسائي ( اعلى الله مقامه ) من بيان معنى الغلو وان مراتب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا تتقدر بعقول الناس وان بعض القميين والمحدثين لم يعرفوا معنى الغلو حتى جرحوا كثير من الروات الثقات وعدوهم من الغلاة وان المؤمن المتدين ينبغي ان يتأمل ويتحقق ولا يبادر برد بعض الاخبار والفضائل السامية لان علمهم صعب مستصعب ومن جعل لهم ربا يؤبون اليه ولم ينسبهم الى النبوة والربوبية فهو ليس بغال فعتمد عليه وارض به وصدق بشهادته فانه خير شاهد وخبير وقال اعلا الله مقامه ايضا في شرح فقرة وبأمره تعملون في صفحة ( ) في سطر ( ) ( ثم اعلم ان قوله تعالى لا يسبقونه بالقول على حد قوله تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وقوله بامره يعملون على حد وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى قال تعالى اروني ماذا خلقوا من الارض ام لهم شرك في السموات وقال هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه فابان في هاتين الايتين وفيما اشبهما من ايات كتابه المجيد تفرده بالصنع وحده لا شريك له الا له الخلق والامر فلم يكن لاحد سواه شيء من الخلق الا بأذنه يعني هو المتفرد بالخلق الا باذنه والذين من دونه اي من دون اذنه انما يخلقون افكا باطلا ثم نوح لاهل الاشارة ان من كان يعمل بإذنه يعمل الحق قال في عيسى عليه السلام واذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني ولكن عيسى عليه السلام وان كان خلق باذن الله تعالى ما هو حق لكنه من الطين الذي لم يخلقه ونفخ فيه من الروح التي لم يخلقها فالمادة خلقها الله والصورة التي احدثها عيسى عليه السلا بحركات يديه بيدي عيسى عليه السلام وضميره ويدا عيسى وضميره خلقها الله وحركاتهما خلقها الله وعيسى خلقه الله وكلما قلنا فيه وفي ضميره ويديه وحركاته فهي قائمة بأمر الله سبحانه قيام صدور فالله يخلق بما شاء ما شاء كيف شاء قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار. فاذا سمعت منا انا نقول بانهم عليهم السلام بامره يعملون كل شيء فمرادنا به ان ذلك ان ذلك على حد ما ذكرناه هنا في حق عيسى عليه السلام فاذا عرفت هذا فقل ما شئت ان قدرت وهو قولهم الحق اجعلوا لنا ربا نؤوب اليه وقولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا فقال السائل نقول ما شئنا فقال عليه السلام وما عسى ان تقولوا والله ما خرج اليكم من علمنا الا الف غير معطوفة هذا معنى قول الصادق عليه السلام. انتهى

فانظر وانصف هل تجد تعبيرا في البيان ودفع شبهة الغلو عن نفسه اوضح وافصح من العبارة وهل ترك لاحد مجالا لاي اعتراض واي سوء توهم فهذه المقالة من في الحقيقة مبنية لجميع ما ابدع من غرائب المطالب واودع في هذا الشرح من عجائب المقامات والمراتب لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبلسان اهل الاصول هذه المقالة حاكما على عامة شروحه  التي ربما يستشم منها الجاهل بلحنه رائحة الغلو والارتفاع او يتوهم منها ما يورث الوحشة والابتشاع وتنادي باعلى صوتها قائلة ايها النظارون في هذا الشرح اياكم والوحشة وسوء الظن في حق مصنفه من مطالب وتحقيقات اودعها في هذا الشرح من اوله الى اخره من اثبات البرزخية الكبرى والواسطة العظمى والولاية المطلقة الكلية الالهية لمحمد واله صلى الله عليه وآله وسلم وكونهم العلل الاربع للاشياء واحاطة علمهم وقدرتهم التامة وكمالهم المطلق في كل شيء وعدم تطرق قصور ونقص لساحتهم في اي شيء وانهم محال مشيئة الله وترجمان ارادة الله وغير ذلك فان كل ذلك بجعل بارئهم وليس من نحو ذواتها الشريفة وكله فعل ا لله وخالقهم وباتصال الفيض من الله تعالى اليهم لا يستقلون بشيء من افعالهم واحوالهم وحركاتهم وسكناتهم ولا يستغنون عن مدد بارئهم وصانعهم اناما ولا لحظة ولا لمحة وحالهم في صدرو تلك الافعال وخارق العادات والتصرفات في الكون واركان الوجود على حد ما ذكر في عيسى بن مريم ( ع ) من كون المادة من الله والصورة التي احدثها عيسى بحركات يديه وحركات يده وضميره وكلها من الله وقائمة بامر الله قيام صدور كذلك هم سلام الله عليهم وما يصدر منهم وجميع قواهم وظاهرم وباطنهم واقوالهم وافعالهم وتوجهاتهم كلها قائمة بامر الله قيام صدور وافعال الله قائمة بهم قيام ظهور فالله خالق كل شيء وهو الواحد القهار يخلق ما شاء بما شاء كيف شاء وهم مظاهر وحوامل ووسائل لا غير لايملكون لانفسهم شيئا مما ذكر وهو المالك لما ملكهم والقادر على ما اقدرهم فهل بعد هذا البيان الشافي والمثال الوافي يبقى لاحد موضع توهم الغلو ونسبة التجاوز عن حد الامكان والعبودية الى مقام القدم والالوهية.

وما ادري هؤلاء الذين ينسبون الغلو الى الشيخ واتباعه اما انهم ما يتفحصون رسائله وكلماته ويأخذون هذه النسب من الافواه والالسنة بوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا او انه يطالع ولكن لا يتدبره ولا يتأمله وليس نظره الانصاف بل همته الاعتراض من اول الامر او انه ينظر الى عبارة ويحكم بما عنده من دون ان يلاحظ مقدم الكلام ومؤخره او انه يتفحص كلماته ولكن لا يفهمها اصلا لعلو المطلب وقصور الادراك والمشعر او انه يتعمد الافتراء والرمي بالغلو وشبهه بغضا وعنادا او انه يرى ان كون محمد واله صلى الله عليه وآله حال الملائكة في صدور الافعال غلوا ايضا وانهم ( ع ) اقل مقاما وانزل من جبرئيل وميكائيل وغيرهما حيث ان فعل الله يجري على ايديهما ولا يتأتى ذلك في زعمه من محمد وآله عليهم السلام صدق الله العظيم وانها لكبيرة الا على الخاشعين احتمالات ولكل منها اهل واقوام ولكن اهل الاحتمال الاول كثيرون فئام وإلا فإن الشيخ ( اعله ) في هذا الشرح لم يأل جهداً في ايضاح مقاصده وافصاح مطالبه باحسن بيان وابلغ تبيان بالادلة العقلية والامثلة الوجدانية مع تكرير مطالبه مرات متعددة بعبارات مختلفة رفعا للاشتباه وحذرا من سوء الظن به ومع ذلك ما سلم مما خاف من وحذر ووقع في السنة الفضلاء النبلاء فضلا من الاوباش والجهلاء انكارا منهم لما لم يحيطون به خبرا او عداوة لما جهلوا وحسدا لما فقدوا لله ولا مشتكى الا إلى الله.

الكاتب: الميرزا علي الحائري الإحقاقي قدس سره الشريف
المصدر: كتاب عقيدة الشيعة

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading