في أن النبي صلى الله عليه وآله العلة الصورية والمادية والغائية

في أن النبي صلى الله عليه وآله العلة الصورية والمادية والغائية

فهو صلى الله عليه وآله العلة الصورية وهو أيضاً علة مادية , لأن الوجودات بأسرها أشعة أنواره ومظاهر أسراره إذ ليس لله نور , وهو نور الذات , وهو نور الذات إلا هو صلى الله عليه وآله , فكل ما في الكون عكوسات أنواره وصدى أصوات خطاباته فإن جميع مافي الإمكان غيرهم , فإنما خلق من أشعة أنوارهم فجميع مواد الأشياء من تلك الأشعة والأشياء مركبة من المواد والصور , أما المواد فرفتها كما قلنا لك .

وأما الصور فجنسية ونوعية وشخصية وكلها كينونات تلك الأشعة سواء كانت مواد نورانية أو مواد عنصرية لأن المواد العنصرية من المواد النورية كالثلج من الماء , فظهر أنهم عليهم السلام علة مادية وعلة صورية

وهو صلى الله عليه وآله أيضاً علة غائية , لأن الموجودات بأسرها إنما خلقت لمصالحهم وشؤونهم وجميع الخلق أنعامهم وغنمهم , كما أشار إليه الصادق عليه السلام في قوله لعبيد بن زرارة : ( والذي فرق بينكم هو راعيكم الذي استرعاه الله أمر غنمه فإن شاء فرق بينها لتسلم ثم يجمع بينها لتسلم ) الخ .

ومثله قوله عليه السلام : ( نحن صنائع الله والخلق بعد صنائع لنا ) على أحد التأويلين , وهو أن الله سبحانه صنع لنا الخلق والوجه الثاني تقدم , وأما الوجه المستشهد به هنا فيجري عليه تأويل قوله تعالى : ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعم بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاث ومتاعا إلى حين )

وقوله سلمه الله : ( أم متعددة ) , قد تقدم جوابه بأنها معددة في كل شيء بحسبه , أما في الباطن فلأنه صلى الله عليه وآله كما أنه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى خلقه في تبليغ الشرايع والتأديبات الشرعية التكليفية دقيقها وجليلها , كذلك هو رسول الله صلى الله عليه وآله إلى خلقه في تبليغ ذرات الوجود والتأديبات التكوينية دقيقها وجليلها , وأما في التأويل فكما قلنا سابقاً فهم من فهم .

وأما حقيقة المختار فهو من يقصد فعل ما يفعل ويرضى ويرضى به أن كان منه بالذات وإن كان بالعرض فهو يرضى به لا لنفسه بل لتمام ما هو بالذات , فالرضا به عرضي كما أن الرضى بالذات ذاتي , وهذا هو المعنى إن شاء فعل وإن شاء ترك , ولكن لما كان بعض ما يفعله الحكيم لا يجوز في الحكمة تركه , وإن كان ممكناً في المشية توجه لتعريف المختار المعنى الأول دون الثاني على أن الله سبحانه قال في حق نبيه صلى الله عليه وآله : ( ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ) الآية .

ولا ينافي ما أشرنا إليه ما روي عنهم عليهم السلام مثل : ( وإنا لأشد اتصالاً بالله من شعاع الشمس بها ) , وقولهم عليهم السلام ما معناه : ( ننفصل عنه كأشعة الشمس من الشمس ) , كما رواه علم الهدى ابن ملا محسن القاشاني في الينبوع , ومثل قول الرضا عليه السلام لعمران الصابي على ما رواه الصدوق في التوحيد والعيون حيث مثل الخلق من الخالق , قال : ( ألا ترى إلى السراج فإنه لا يقال له ساكت ثم نطق فيما يريد أن يفعل بنا ) الحديث .

وأمثال ذلك كثير مما يظن أنه يلزم منه الإيجاب , لأن ذلك ليس بإيجاب بل ليس في الوجود على الحقيقة موجب إلا على نحو رقدة أهل الكهف ظن يقظتهم حيث قال الله تعالى : ( وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ) . وقد حققناه في بعض رسائلنا ومباحثنا لأن ظهور إيجابها في الدور إنما هو باعتبار نظر الدور الرابع من قوله تعالى : ( ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها )

وأما قوله : ما معنى هذا الاتحاد والوحدة ؟

فجوابه: أن الاتحاد إنما يقال لشيئين قد تحققت فيهما الاثنينية فطرأ عليهما الاتحاد , والاتحاد قد منع تحققه المحققون وأحاله المدققون فلا يقال ما هذا الاتحاد إلا مجازاً والمراد به على المجاز البساطة وليس المراد بالبساطة بساطة الأجزاء وعدم تحقق التشخص , لأن ذلك من صفات الأجسام والجسمانيات ونفوسها المقارنة لها غير المقدسة بل التعدد متحقق في أصل الخلقة , إلا أنه تعدد كتعدد الضوء من الضوء فإن السراج إذا أشعل من السراج ليس بينهما كثرة باعتبار الوحدة الجنسية والنوعية , وأما باعتبار الوحدة الشخصية وباعتبار فعل النبوة وفعل الولاية ومتعلقهما ومقامهما والترتيب وإلى غير ذلك من المشخصات , فالتعدد موجود وهو معنى فقسمه نصفين فإذا تطاولت المدد في العود وعاد كل شيء إلى ما منه بدئ حصل بينهما ( عود مجاورة لا عود ممازجة ) .

وليس المراد بالعود فناء الوحدة الشخصية بالكلية إلا أنه في هذه الدار أحكامها في الشخصية أظهر وفي تلك الدار في النوعية والجنسية أولى لا بمعنى فناء كل واحدة في مقام الأخرى.

وأما محل الأئمة عليهم السلام إذ ذاك فهو كمفاصل القفا وكالشجرة الطيبة فإنها محمد صلى الله عليه وآله وعلي لقاحها وفاطمة أصلها والأئمة اغصانها أو الحسن والحسين عليهما السلام ثمرها أو وهم عليهم السلام ثمرها على اختلاف الروايات والشيعة الورق الملتف بالثمرة وكالضوء وكظهور الوجه في المرايا المتعددة المتقابلة , فيتجلى الوجه في الأولى بلا واسطة وفي الثاني بواسطة المرآة الأولى , وهكذا

ولهذا ترى في الثانية صورة الوجه في صورة الوجه في صورة المرآة الأولى , فافهم .

وقوله سلمه الله : ( وما نسبتهم من ذلك النور وعلى كل حال فما معنى هذا الافتراق ؟ وهل تعود تلك الوحدة بعد الافتراق أم لا ؟ وعلى تقديره فمتى وبأي معنى وفي أي عالم ) قد مرت الإشارة إليه والبيان فيه.

نعم , قوله : ( فمتى الخ ) , معنى ذلك أنه في الزمان وهو وعاء عالم الأجسام , وفي الدهر وهو وعاء الملكوت والجبروت , وفي السرمد وهو وعاء المشية وعالم الأمر والإبداع , وقوله : ( وايضاً هل هم علل لجميع جزئيات العالم وكلياته أم لبعضها ؟ وما ذلك البعض ) .

قد تقدم بيانه فراجع .

المصدر: كتاب جوامع الكلم الجزء الثاني عشر

الكاتب: الشيخ الأوحد أحمد الإحسائي قدس سره الشريف

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة