الولاية التكوينية للمعصوم عليه السلام
الأدلة:
لقد وردت آيات وروايات تدل على أن للنبي وآله عليهم السلام ولاية تكوينية , بها يفعل ما يشاء , وذلك بمدد من ا لله تعالى , ومنها:
١ – قال تعالى: ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم الراكعون ).
بما أن الله تعالى الولاية , وولايته على التكوين والتشريع , والآية ورد فيها لفظ الولاية , وهي مطلقة غير مقيدة , فتشمل التكوين والتشريع , فما ثبت له تعالى يثبت للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام.
وليست ولايتهم عليهم السلام في عرض ولايته تعالى , ولا في طولها , بل هي مظهر من مظاهرها. وليست هي من باب المشكك , لأن أفراد المشكك تجمعها حقيقة واحدة في الجنس أو النوع , والله سبحانه لا يجتمع مع أحد لا في جنس , ولا في نوع , بل تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
وقد وردت روايات كثيرة تنص على أن الذي يقيم الصلاة هو أمير المؤمنين عليه السلام , ومنها:
عن ابن عباس قال: ( أتى عبد الله بن سلام ورهط معه من أهل الكتاب نبي الله – صلى الله عليه { وآله } وسلم – عند الظهر فقالوا: يا رسول الله إن بيوتنا قاصية , لا نجد من يجالسنا ويخالطنا دون هذا المسجد , وإن قومنا لما رأونا قد صدقنا الله ورسوله وتركنا دينهم أظهروا العداوة , وأقسموا أن لا يخالطونا , ولا يآكلونا فشق ذلك علينا.
فبينا هم يشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه { وآله } وسلم , إذا نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه { وآله } وسلم: ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ).
ونودي بالصلاة صلاة الظهر , وخرج رسول الله صلى الله عليه { وآلة } وسلم فقال للسائل: أعطاك أحد شيئاً ؟
قال: نعم
قال: من ؟
قال: ذاك الرجل القائم
قال: على أي حال أعطاكه ؟
قال: وهو راكع
قال: ذاك علي بن أبي طالب
فكبر رسول الله – صلى الله عليه { وآله } وسلم – عند ذاك وهو يقول: ( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ).
٢ – قال تعال: ( ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ).
ووجه الاستدلال: هو أن الله تعالى ذكر في قصة عرش بلقيس: ( قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) إن من يقدر على إتيان العرش قبل ارتداد الطرف هو الرجل الذي عنده علم من الكتاب , وهذا يدل على أن سبب القدرة والولاية التكوينية هو ما عنده من الكتاب , لأن تعليق الحكم على الوصف يشعر بالعلية والمدخلية , وإلا لكان ذكر هذا الوصف – علم من الكتاب – لغواً.
وبما أن هذه الولاية التكوينية ثابتة لمن عنده علم من الكتاب فهي بطريق أولى تثبت لمن عنده علم الكتاب.
وقد وردت روايات تنص على أنها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام ومنها:
عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: ( قال لي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: الويل كل الويل لمن يعرفنا حق معرفتنا , وأنكر فضلنا.
يا سلمان , أيما أفضل محمداً رضي الله عنه أو سليمان بن داود عليه السلام ؟
قال سلمان: بل محمد أفضل
فقال: يا سلمان فهذا آصف بن برخيا قدر أن يحمل عرش بلقيس من فارس إلى سبأ في طرفة عين وعنده علم من الكتاب ولا أفعل أنا أضعاف ذلك وعندي ألف كتاب: أنزل الله على شيث بن آدم عليه السلام خمسين صحيفة , وعلى إدريس النبي عليه السلام ثلاثين صحيفة , وعلى إبراهيم الخليل عليه السلام عشرين صحيفة , والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان.
فقلت: صدقت يا سيدي
فقال الإمام عليه السلام: اعلم يا سلمان إن الشك في أمورنا وعلومنا كالممتري في معرفتنا وحقوقنا وقد فرض الله – تبارك وتعالى – ولايتنا في كتابه في غير موضع , وبين فيه وجب العمل به وهو غير مكشوف.
٣ – قال الإمام الصادق عليه السلام: ( بكم يبين الله الكذب , وبكم يباعد الله الزمان الكلب , وبكم فتح الله وبكم يختم الله وبكم يمحو الله ما يشاء , وبكم يثبت وبكم يفك الذل من رقابنا.
وبكم يدرك الله تراه كل مؤمن يطلب وبكم تنبت الأرض أشجارها وبكم تخرج الأشجار أثمارها وبكم تنزل السماء قطرها ورزقها.
وبكم يكشف الله الكرب وبكم ينزل الله الغيث وبكم تسبح الله الأرض التي تحمل أبدانكم , وتستقل جبالها على مراسيها.
إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم , وتصدر من بيوتكم , والصادق عما فصل من أحكام العباد ).
٤ – وقصة الإمام الرضا عليه السلام مع حاجب المأمون حميد بن مهران وإليك موضع الشاهد.
قال حميد بن مهران مخاطباً الإمام الرضا عليه السلام: ( فإن كنت صادقا فيما توهم فأحيي هذين وسلطهما علي فإن ذلك يكون حينئذ آية معجزة , فأما المطر المعتاد مجيئة , فلست أنت أحق بأن يكون جاء بدعائك من غيرك الذي دعا كما دعوت.
أحق الحاجب أشار إلى أسدين مصورين على مسند المأمون الذي كان مستنداً إليه , وكانا متقابلين على المسند.
فغضب علي بن موسى عليه السلام , وصاح بالصورتين: دونكما الفاجر , فافترساه , ولا تبقيا له عيناً ولا أثرأً.
فوثبت الصورتان وقد عادتا أسدين فتناولا الحاجب ورضاه ورضضاه وهشماه وأكلاه ولحسا دمه.
والقوم ينظرون متحيرين مما يبصرون.
فلما فرغا منه أقبلا على الرضا عليه ا لسلام وقالا: يا ولي الله في أرضه ماذا تأمرنا نفعل بهذا أنفعل به ما فعلنا بهذا ؟.
يشيرون إلى المأمون
فغشي على المأمون مما سمع منهما
فقال الرضا عليه السلام: قفا فوقفا
قال الرضا عليه السلام: صبوا عليه ماء ورد وطيبوه
ففعل ذلك به وعاد الأسدان يقولان: أتاذن لنا أن نلحقه بصاحبه الذي أفنيناه ؟
قال: لا فإن الله عز وجل فيه تدبيراً هو ممضيه.
فقال: ماذا تأمرنا ؟
قال: عودا إلى مقركما كما كنتما.
فصارا إلى المسند وصارا صورتين كما كانتا ).
أقوال العلماء:
لقد ذهب كثير من العلماء إلى أن للنبي وآله عليهم السلام ولاية تكوينية بمدد من الله تعالى ولا استقلال لهم ولا تفويض ولا شراكة معه تعالى ومنهم.
١ – الشيخ محمد حسين الأصفهاني قدس سره: ( النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام لهم الولاية المعنوية والسلطنة الباطنية على جميع الأمور التكوينية والتشريعية , فكما أنهم مجاري الفيوضات التكوينية كذلك مجاري الفيوضات التشريعة , فهم وسائط التكوين والتشريع وفي نعوت سيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم: ( المفوض إليه دين ا لله ).
٢ – الإمام الخميني قدس سره: ( فإن للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون ).
٣ – قال السيد الخوئي قدس سره: ( أما الجهة الأولى { أي ولايتهم التكوينية } فالظاهر أنه لا شبهة في ولايتهم على المخلوق بأجمعهم , كما يظهر من الأخبار لكونهم واسطة في الإيجاد , وبهم الوجود , وهم السبب في الخلق , إذ لولاهم لما خلق الناس كلهم , وإنما خلقوا لأجلهم وبهم وجودهم وهم الواسطة في الإفاظة , بل لهم الولاية التكوينية لما دون الخالق ).
٤ – قال السيد محمد البجنوردي قدس سره: ( وربما يحصل له مرتبة شامخة من الولاية التكوينية بحيث يكون له بعض التصرفات في الكون…
نعم الولاية المطلقة مخصوصوة بنبينا صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام فيتصرفون في جميع الأشياء بإذن الله حتى في الحيوانات والنباتات كلها بإذن الله …
وهذه الولاية هي التي يبرأ بها الأكمه والأبرص بإذن الله , ويحي الموتى بها بإذن الله وكذلك في سائر التصرفات المنقولة عنهم عليهم السلام , المروية في الكتب المعتبرة التي اعتمد عليها العلماء الأبرار في هذا الموضوع , ككتاب مدينة المعاجز للسيد البحراني قدس سره وغيره مما هو مثله ).
الكاتب: الشيخ عبدالمنعم العمران
المصدر: كتاب دعوى وحدة الناطق
