منابع المعرفة عند الشيخ الأوحد (العقل)

منابع المعرفة عند الشيخ الأوحد (العقل)

منابع المعرفة عند الشيخ الأوحد (العقل)     ما خلق الله شيئاً أبغض إليه من الأحمق ، لأنه سلبه أحب الأشياء إليه وهو عقله      العقل ,من النعم التـي أنعم الله تعالى علينا نعمة العقل ، بل هو من أفضلها وأشرفها ، قال الـرسول الأعظم صلى الله عليه وآله : ” مـا قسم الله للعباد شيئاً أفضل من العقل ”  وقال أمير المؤمنين (ع) : ” أبغض الخلائق إلى الله تعالى الجاهل ، لأنه حرمه أفضل ما مَنّ به على خلقه وهو العقل ”  والكلام عن العقل يقع في أمرين :  العقل ,من النعم التـي أنعم الله تعالى علينا نعمة العقل ، بل هو من أفضلها وأشرفها ، قال الـرسول الأعظم صلى الله عليه وآله : ” مـا قسم الله للعباد شيئاً أفضل من العقل ”  وقال أمير المؤمنين (ع) : ” أبغض الخلائق إلى الله تعالى الجاهل ، لأنه حرمه أفضل ما مَنّ به على خلقه وهو العقل ”  والكلام عن العقل يقع في أمرين :   الأمر الأول : أهمية العقل عند الكتاب والسنة المطهرين : إذا رجعنا إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة وجدناهما مليئان بما يشيد بمقام العقل ، وأنه من الأهمية بمكان ، وإليك بعض ما ورد فيهما عن ذلك : قال تعالى : ( قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون  ) وقال تعالى : ( إن أجري إلا على الذي فطرنـي أفلا تعقلون ) وقال تعالى : ( ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون )  هذا بعض ما ورد في القرآن الكريم إذ لا يمكننا حصرها في هذا المختصر ، وأما السنة الشريفة فقد ورد فيها من الروايات التـي تدل على مقام العقل الكثير أذكر بعضها للاختصار ، وهي : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ” يا علي ، لا فقر أشد من الجهل ، ولا مال أعود من العقل  وقال صلى الله عليه وآله : ” إذا رأيتم الرجل كثير الصلاة كثير الصيام فلا تباهوا به حتـى تنظروا كيف عقله ” وقال أمير المؤمنين (ع) : ” الروح حياة البدن ، والعقل حياة الروح ”  وقال الإمام الصادق (ع) : ” ما خلق الله شيئاً أبغض إليه من الأحمق ، لأنه سلبه أحب الأشياء إليه وهو عقله ” الأمر الثانـي : العقل والشيخ الأحسائـي قدس سره : لقد أخذ العقل حيزاً هاماً في الفكر البشري ، إذ به يحصل النظام في المجتمع البشري ، وبه توجد المدينة الفاضلة ، بل بالعقل يتطور الإنسان ويصل إلى أعلى درجات الكمال ، فلذا اهتُم به وجُعل من مصادر المعرفة في الفكر الإنسانـي ، حتـى المدارس الفلسفية التـي أهملته في مقام الوصول إلى الحقيقة كالعرفانية لم تهمله في مقام إثبات الحقائق للآخرين ، بل جعلته متوحداً في ذلك . ونظراً لهذه الأهمية والمقام أهتم الشيخ الأحسائـي قدس سره به ، وجعله أحد وسائل المعرفة في حكمته ، وجعله نوراً يستضاء به في ظلمات الجهل ، وسفينة نجاة يركب فيها رواد المعرفة ، ولكن الشيخ قدس سره لم يطلق العنان له بل جعله محكوماً بقواعد سيأتـي الكلام عنها إن شاء الله تعالى . والكلام عن العقل على ضوء مدرسة الشيخ الأوحد قدس سره في :- أ . تبعية العقل للكتاب والسنة المشرفين : العقل من النعم التـي ذم الله تعالى إهمالها وعدم استعمالها في آيات عديدة ، مثل قوله تعالى : ) لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل ( وقال تعالى : ( إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ) وهذا لا يعنـي أن العقل له الحرية الكاملة ويحكم بما يشاء بل العقل يحتاج إلى من ينبهه ويصلح مساره ، إذ كثيراً ما نرى من يستعمله يصل إلى نتائج غير صحيحة وذلك بسبب اشتباه وقع إما في المقدمات أو النتائج أو فيهما . قد يقال أن هذه الاشتباه من المستعمل والعاقل وليس من العقل ، قلت : نعم ولذلك احتاج العاقل إلى من ينبهه على اشتباهه ، وإذا رجعنا إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة نرى أن المرجع في ذلك هو القرآن الكريم والسنة الشريفة ، ومن الآيات قوله تعالى : ) وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة (  وقال تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتـى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ) وأما الروايات ، فمنها ما رواه يونس بن عبدالرحمن قال : قلت لأبـي الحسن الأول – (ع) – بما أوحد الله ؟ . فقال : يا يونس ، لا تكونن مبتدعاً ، من نظر برأيه هلك ، ومن ترك أهل بيت نبيه ضل ، ومن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر .  وقال أبو عبدالله (ع) : إن الأئمة في كتاب الله عز وجل إمامان . قال الله تبارك وتعالى : ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا )(  لا بأمر الناس يقدمون أمر الله قبل أمرهم ، وحكم الله قبل حكمهم ، قال : ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار )  يقدمون أمرهم قبل أمر الله ، وحكمهم قبل حكم الله ، ويأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله عز وجل .  وقال أبو جعفر (ع) لسلمة بن كهيل والحكم بن عتبة : شرقا وغربا فلا تجدان علماً صحيحاً إلا شيئاً خرج من عندنا أهل البيت .  وبهذه الأدلة نعرف أن المرجع في كل شيء – وخصوصاً في الاعتقاد – هو الكتاب والسنة ، فالعقل ليس له استقلال بل هو تابع لهما ، والمهتدي بهما ، وفي هذا الأمر يقول الشيخ الأحسائـي – في شرح قول الإمام الهادي (ع) ” وجعلنـي ممن يقتص آثاركم ” – : أقول سأل الزائر المؤمن ربه أن يجعله ممن يقتص آثار آل محمد صلى الله عليه وآله ، ومعنـى يقتص يتبع مستخبراً أو مطلقاً ، وليس المراد أن الاستخبار الواقع حالاً علة للاتباع بل الاستخبار أحد معلولات الاتباع . وإنما المراد أن يكون متبعاً حقيقياً – أي لا يكون في حال غير متبع فيكون فيها مستقلاً نعوذ بالله من طلب الاستقلال بدونهم فإن من شذ عنهم إلى النار – لا فرق في هذا بين حكم العمل والقول والاعتقاد . وليس القول بوجوب أخذ المعارف والأصول الدينية عن العقل منافياً لما نقوله ، لأن الحق لهم ومعهم وبهم ، والعقل إنما حكم له بإصابة الحق لأن نوره من نورهم . ألا ترى من يدعـي العقل من أعدائهم ربما تشهد له أنت بالعقل الدقيق والفهم الشديد عند التحقيق . وكذلك كثير من أهل الملل والانتحال من الكفار والمسلمين مع أنهم لا يدركون بعقولهم في اعتقاداتهم إلا الاعتقادات الباطلة … ولو كان العقل يستقل في إدراك شيء من الاعتقادات بدون أنوارهم صلى الله عليهم لاهتدى هؤلاء  وأتباعهم …  خلاصة الكلام في هذه المسألة أن العقل لا يستقل في المعارف بل يجب عليه الرجوع إلى الكتاب والسنة المشرفين ، إذ بهما يسدد العقل ، ويعصم من الزلل . ب . شروط الاستفادة : عرفنا في البحث الأول والذي تكلمت فيه عن الكتاب والسنة المشرفين وجود نوعين من الشروط ، شروط عامة وخاصة ، وعرفنا أن العامة ليست مختصة بهما بل تعم العقل والكشف ، فعلى هذا أقول : أن للعقل نوعين من الشروط ، وهما : النوع الأول : الشروط العامة : قد ذكرنا هذه الشروط في البحث الأول ، ولا بأس بالتذكير بها ، وهـي : ترك الأنس بما اعتادت النفس . ترك الرجوع إلى القواعد والاصطلاحات . ترك الاستنكاف عن الجهل في مقابلة ما عرفه العقل من الحق . الإخلاص لله تعالى . النوع الثانـي : الشروط الخاصة :- وأما الشروط الخاصة التـي إذا توفرت استفدنا مما توصل إليه العقل ، وأخذنا به ، فهما . ١.مطابقة الكتاب الكريم والسنة المشرفة له . فإذا وجد من القرآن الكريم والسنة المطهرة أو من أحدهما ما يوافق ما توصل إليه العقل ويصدقه ويطابقه ، أخذ به ، وكان مما يتمسك به ، وفي هذا الشيء يقول الشيخ الأوحد قدس سره : ” نعم إذا كان التفصيلـي ذوقياً عيانياً غير مخالف لكلام أهل العصمة عليهم السلام ، بمعنـى أنهم يقولون طبق ما قال هذا المستدل ، ليكونوا عليهم السلام مخبرين عن صدقه لا أنه يصرف كلامهم عن ظاهره ، ويدعـي أن هذا مرادهم ، فإن ذلك ضلال ، بل شرط صحة المستدل أن يحصل له شاهدان بقوله بلا تأويل : أحدهما :كلام المعصوم بظاهره وبباطنه الذي يوافق ظاهره ”  وهذا الشرط يذكرنا بالشروط الخاصة للقرآن والسنة المكرمين ، إذ لا يمكن الرجوع إليهما لكل شخص ، لوجود مفاسد سبق ذكر بعضها في البحث السابق ، ولذلك نبه الشيخ الأوحد قدس سره إلى ذلك ، بعد الكلام السابق بقوله : ” وقولـي قبل : كلام المعصوم بظاهره وبباطنه الذي يوافق ظاهره ، احتراز عن دعاويهم الباطلة ، فإنهم يقولون كلامنا هذا هو مراد الإمام (ع) ولكن القشريين لا يفهمونه ، فهم يؤلون لكلام الإمام (ع) معنـى يخالف ظاهره ، ويخالف القرآن ، ويخالف ما أقـر الله ورسوله – صلى الله عليه وآلـه – عليه المسلمين ، والله سبحانه ) سيجزيهم وصفهم أنه حكيم عليم ( ”  فعلى هذا العقل يجب أن يرجع للنقل ، وقبل أن يستند على القرآن والسنة المشرفين يجب توفر الشروط العامة والخاصة للقرآن والسنة المكرمين . ٢.مطابقته لظاهر كلام عوام المسلمين المؤمنين : العقل إذا توصل إلى شيء يعرضه على القرآن والسنة المكرمين ، وكذلك على ظاهر كلام عوام المسلمين المؤمنين ، لا ما يتأولونه ، وفي هذا الأمر يقول الشيخ الأوحد قدس سره : ” بل شرط صحة قول المستدل أن يحصل له شاهدان بقوله بلا تأويل أحدهما … وثانيهما : أن يكون قوله مطابقاً لما عليه ظاهر كلام العوام من المسلمين المؤمنين لا ما يتأولونه ، كما ذكرنا سابقاً فإنهم لا يفهمون إلا ما ينافي الحق ولكن ظاهر كلامهم صحيح … ”  وتوضيحه : أن عوام المسلمين المؤمنين مجمل عقائدهم صحيحة ، وتوافق القرآن الكريم و السنة المطهرة ، فإذا نطقوا بمجمل عقائدهم نطقوا بما يوافق الكريمين . وأما إذا نطقوا بتفصيل ذلك المجمل تراهم يقعون في الشرك أو الكفر – والعياذ بالله تعالى – ومثال ذلك : الداعـي يرفع يديه نحو السماء ، وهذا الفعل صحيح ، ويدل على عقيدة صحيحة ، ولكن لو سئلت الداعـي عن سبب ذلك لقال لك : لأن الله تعالى موجود في السماء . وهذا الاعتقاد باطل يوجب المكان له تعالى الموجب للحدوث ؛ مع أن الفعل في نفسه صحيح . مع أن سبب رفع اليد عند الدعاء قد ذكر عن أهل العصمة عليهم السلام ، وليس فيه شيء من عقيدة العوام ، وذلك قول أمير المؤمنين (ع) : ” إذا فرغ أحدكم من الصلاة فليرفع يديه إلى السماء لينصب في الدعاء . فقال ابن سبا : يا أمير المؤمنين ، أليس الله في كل مكان ؟ قال : بلى . قال : فلم يرفع يديه إلى السماء ؟ فقال : أو ما تقرأ ) وفي السماء رزقكم وما توعدون (  فمن أين يطلب الرزق إلا من موضع الرزق ، وموضع الرزق وما وعد الله السماء .”  ولقد ذكر الشيخ الأحسائـي قدس سره قضية حصلت له تدل على هذا المعنـى ، لا بأس بذكرها : ” ولقد رأيت شخصاً ممن هو يقول بهذا المذهب الحق – يعنـي يقول بالولاية والبراءة – وظاهره الزهد والصلاح وملازمة العبادة ، وقعدت بعد الفراغ من الصلاة أعظ الجماعة ، وأعلمهم بعض المعارف . وكان الرجل بالقرب منـي فأخذت أقول : بأن الله تعالى لا يشابهه شيء من خلقه ، ولا في مكان ، ولا في جهة ، وما أشبه هذا . فاعترض ذلك الرجل بالكلام ، فقلت له : اسكت ؛ لأنـي قلت : إن تكلم قال بالكفر فقت اسكت لا تتكلم . فلم يقدر على إمساك نفسه ، إلى أن قال : البارحة رأيت ربـي في المنام ، وعنده جروا كلب جبريل وميكائيل . وأنا أقول له : اسكت ، مع أنه يقول إن الله تعالى ليس كمثله شيء ، وليس الملائكة باجراء كلاب ، ولكن يقول ذلك بلسانه ، فإذا نطق بمقتضـى التفصيل نطق بمثل ما سمعت ”  فظهر من هذا أن العرض على مجمل عقيدة عوام المؤمنين لا تفصيلها ، إذ التفصيل يوقع في المهالك ، وهذا بخلاف مجمل عقيدة عوام المسلمين المؤمنين يوصل إلى النجاة ، لأنه يطابق القرآن الكريم والسنة المطهرة .

الكاتب: الشيخ عبدالله العشوان
المصدر: موقع الشيخ عبدالله العشوان

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة