الولاية التشريعة للمعصوم عليه السلام:
الأدلة:
١ – قال تعالى: ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ).
المراد من الإيتاء الأمر , بقرينة مقارنته بقوله تعالى: ( وما نهاكم عنه ).
مع أن الآية الكريمة نزلت في الفيء , إلا أنها تدل على أن كل ما يعطيكم , ويأمركم به , وينهاكم عنه , هو ممضي من الله تعالى , فيجب طاعة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بامتثال أوامره وترك ما نهى عنه.
قال السيد الطباطبائي قدس سره: ( وفي الكافي بإسناده عن زرارة أنه سمع أبا جعفر وأبا عبدالله عليها السلام يقولان: ( إن الله عز وجل فوض إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم ثم تلى هذه الآية: ( ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فنتهو ).
أقول: والروايات عنهم في هذا المعنى كثيرة.
والمراد بتفويضه أمر خلقه – كما يظهر من الروايات – إمضاؤه تعالى ما شرعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم وافتراض طاعته في ذلك وولايته أمر الناس.
وأما التفويض بمعنى سلبه تعالى ذلك عن نفسه وتقليده صلى الله عليه وآله وسلم لذلك فمستحيل ).
وقد ورد في الأخبار عنهم عليهم السلام ما ينص على أن الآية الكريمة شاملة لهم ومنها:
عن محمد بن الحسن الميثمي , عن أبيه , عن أبي عبدالله , قال: ( سمعته يقول: إن الله أدب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قومه على ما أراد ثم فوض إليه فقال: ( ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ).
فما فوض الله إلى رسوله فوضه إلينا ).
٢ – قال تعالى: ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ).
قال السيد الطباطبائي قدس سره: ( فالمراد بالإراءة – في قوله: ( لتحكم بين الناس بما أراك الله ) – إيجاد الرأي وتعريف الحكم لا تعليم الأحكام والشرائع كما احتمله بعضهم.
ومضمون الآية – على ما يقتضيه السياق – أن الله أنزل إليك الكتاب , وعلمك أحكامه وشرائعه وحكمه , لتضيف إليها ما أوجد لك من الرأي وعرفك من الحكم فتحكم بين الناس وترفع بذلك اختلافاتهم ).
وقال أيضاً: ( وقد ذكر الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم من الولاية التي تخصه الولاية التشريعية … قال تعالى: ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) وفي معناه قوله تعالى: ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ) وقوله: ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ).
وقال شيخنا الأوحد الأحسائي قدس سره: ( فقوله: ( بما أراك الله ) يريد به بما أعطاه من الفهم في كتابه , وهو وإن كان رأيه صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنه الرأي الذي أوحى به إليه , فإنه مجمل كلي محفوف بالعصمة والتسديد من الله تعالى , ولهذا قال تعالى: ( بما أراك الله ) ولم يقل بما ترى , وإن كان المقصود منه هذا , لكن لما كان رأيه صلى الله عليه وآله وسلم ليس منه ولا مستنداً إلى خصوص نفسه , بل هو من الله مستند إلى نفسه بإذن الله قال: ( بما أراك الله )
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في هذه الآية: ( والله ما فوض الله إلى أحد من خلقه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الأئمة عليهم السلام قال الله تعالى: ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ).
وهي جارية في الأوصياء عليهم السلام ).
وفي الاحتجاج عن عليه السلام أنه قال لأبي حنيفة: ( وتزعم أنك صاحب رأي وكان الرأي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صواباً ومن دونه خطا لأن الله تعالى قال: فاحكم بينهم بما أراك الله , ولم يقل ذلك لغيره ).
أقول: إنما كان رأيه صلى الله عليه وآله وسلم ورأي أوصيائه عليهم السلام صواباً , لما قلنا من أنهم إذا فعلوا إنما فعل الله تعالى عنهم أو بهم , ولا فعل لهم من نحو ذاتهم إلا على نحو ما قررنا فافهم ).
٣ – عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: ( وضع روسل الله صلى الله عليه وآله وسلم دين العين ودية النفس ودية الأنف وحرم النبيذ وكل مسكر.
فقال له رجل: فوضع هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير أن يكون جاء فيه شيء !
قال: نعم ليعلم من يطع الرسول ومن يعصيه ).
أقوال العلماء:
بالإضافة إلى كلام الشيخ محمد حسين الأصفهاني والسيد الطباطبائي وقولهما بثبوت الولاية التشريعية لهم عليهم السلام ذهب بعض الأعلام إلى ذلك ومنهم:
١ – السيد عبدالله شبر قدس سره: ( وحاصل هذه الأخبار أن الله – تبارك وتعالى – إنما فوض الأحكام الشرعية إلى نبيه بعد أن اجتباه بالهداية إلى جميع ما فيه صلاح العباد , في أمور المعاش والمعاد , وأكرمه واصطفاه بالعصمة المانعة عن الخطأ والزلل في القول والعمل , لعلمه سبحانه بأن كل ما يصنعه ويحكم به فهو حكم الله عز وجل ولذلك كان تعالى يجيزه ويمضيه في الأحكام التي فوضها إليه.
فتلك الأحكام من حيث أنها لم يسبق فيها من الله تعالى وحي ولا خطاب بتحريم أو إيجاب , ومع ذلك فقد حكم بها صلى الله عليه وآله وسلم ووضعها فهي أحكام النبي وموضوعاته.
ومن حيث إنها صدرت عن أسباب مقتضية لها هي من فعل الله تعالى , مع تعقب الإجازة منه تعالى والإمضاء فهي أحكام الله تعالى ظهرت على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم , وعلى هذا ينزل قوله تعالى: ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فنتهو ).
٢ – قال الميرزا محمد حسين النائيني قدس سره: ( وثانيهما: الولاية التشريعية الإلهية الثابتة لهم من الله عز وجل في عالم التشريع , بمعنى وجوب اتباعهم في كل شيء , وأنهم أولى بالناس شرعاً في كل شيء من أنفسهم وأموالهم ).
الكاتب: الشيخ عبدالمنعم العمران
المصدر: كتاب دعوى وحدة الناطق