النهج الصحيح عند العلماء الأعلام

النهج الصحيح عند العلماء الأعلام

 النهج الصحيح عند العلماء الأعلام

بل نقول: إن القائل إذا قال قولاً وسكت عنه , ومضى على منواله , ولم يأتي بشيء ينفيه , ويبين مراده عنه غير ما يعرفه الناس من ذلك الكلام , فذلك القول والكلام هو الذي يجب أن تبنى عليه الأحكام , من النفي والإثبات , إن لم تكن قرينه بخلافه من الحالية أو المقالية أو غيرهما من أنحاء القرائن , وأما إذا لم يكن كذلك , لا يذكر كلاماً ويبين مراده بقرينه صحيحة وبيان واضح , ولا يلزم أن يكون تلك القرينه في ذلك الموضع , بل يكفيه إثباته وبيانها بحيث يعرف ذلك منه , إما بتنصيص مقالي أو بيان لساني , أو بإخبار المجازين الآخذين عنه , أو بالكتابة والإتيان بصريح العبارة , أو بغير ذلك كما فعله مولانا الأستاذ – أعلى الله مقامه -.
فحينئذ: فهو الحكم الذي يجب الحكم على ما يقتضيه كلامه ويؤديه بيانه , وإن أتى بشيئين مختلفين ولم يمكن الجمع بينهما بما يعلم منه , ولم يظهر مذهبه في الخارج , فيجب التوقف والسكون عنه , لأن الوقوف عند الشبهات خير من الإقتحام في الهلكات , وإن اختلفت كلماته إلا أنه المعروف بالانتساب إلى مذهب ودين , فيجب الحكم به على ما هو المعروف من مذهبه والمعلوم من دينه وملته , لقوله تعالى: { ولا تقولوا لمن القى اليكم السلم لست مؤمناً }.
وعلى ما ذكرنا من هذا التفصيل استقر مذهب علماء الإسلام , وعلى ذلك جرت طريقتهم وآدابهم , فلا يحكمون على أحد بالكفر إلا إذا تطابقة أحواله وكلماته وعباراته فيما تظهر للناس , وتجري على وتيرة واحدة , وإذا اختلفت فيطلبون المرجحات , ولذا يختلفون في شخص واحد بالجرح والتعديل والإسلام والكفر , ولذا ترى إن عبدالحميد بن أبي الحديد لما ظهر منه بعض الكلمات في بعض قصائده ورسائله حكم عليه جماعة بالتشيع , حتى أن من علمائنا من يقول: ( حشرني الله معه ) , مع كونه معروفاً بالانتساب إلى مذهب التسنن , وتقويته لمذهب ودفع الاعتراضات الواردة عليه مما لا ينكر بتتبع شرحه على نهج البلاغة , وأما ما ذكر في مدح أمير المؤمنين عليه ا لسلام فقد بان عذره من مذهبه لأنه معتزلي , يجوز تقديم المفضول على الفاضل , ولا شك أن أمير المؤمنين عليه السلام عنده أفضل الصحابة , ولكن الحكمة اقتضت تقديم فلان وفلان عليه , وإن كانوا مرجوحين , ويشهد لما ذكرنا قوله في القصيدة العينية:
ورأيت دين الإعتزال وإنني                        أهوى لأجلك كل من يتشيع
والحاصل: إن العلماء إذا رأوا كلاماً حقاً من متكلم يجعلونه يجعلونه أصلاً , ويحملون غيره عليه , حتى أجروا في أبن أبي الحديد وأشباهه. فما ظنك بأكابر الشيعة وأساطين الشريعة , وهكذا دأب علماء الرجال , وكذا الاختلاف في أحوال محمد بن سنان وكلماته وأطواره , واختلاف النقل عنه والروايات فيه. اختلفت كلمات علماء الرجال فيه , حتى إنك ربما تجد عالماً واحداً يناقض نفسه فيه كتاب واحد , فضلاً عن كتابين فضلاً عن العلماء , هذا المفيد – أعلى الله مقامه – في الإختصاص على ما نقل عنه في العوالم عد من خواص مولانا الرضا عليه السلام محمد بن سنان , ومع ذلك قد طعن فيه ورماه بالضعف وهكذا , وقد فصل القول فيه سيدنا السند محمد مهدي الطباطبائي – أعلى الله مقامه – .
وربما يكون رجل واحد قد ضعفه المشهور , ويتبين لبعضهم من كلامه وآدابه وأحواله ما يدل على حسن حاله فيوثقه , كما في عثمان بن عيسى الرواسي , فإن المشهور الصحيح أنه ضعيف وأقفي , ولكن مولانا الآقا محمد باقر البهبهاني في تعليقته قد وثقه , وبعضهم جعلوه ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه , وربما تختلف أحواله بحيث يتوقف فيه العلماء , ويسكتون عنه , ولم يعترضوا له بجرح وتعديل , كما يظهر لمن تتبع كتب الرجال.
فضهره لك أن العلماء – رضوان الله عليهم – لا يكتفون بمجرد العبارة كيفما كانت , بل ينظرون إلى القرائن والمرجحات والأحوال والأطوار , ثم يحكمون على مقتضى ما يظهر لهم بعد التتبع التام والفحص البالغ العام , لا أنهم , إذا رأوا عبارة – فرضناها – ظاهراً في الكفر أو صريحة , ثم يرون بعد ذلك عبارة ثانية موضحة ومبينه لمراده , من العبارة الأولى صريحة في التوحيد والإسلام , بأنه ما أراد منها إلا هذا المدلول من هذه العبارة الثانية , الارتداد وينبأ عن الخلاف في المسألة , وأما في الصورة الأولى فلا شك أنه لا يعرضون عن الثانية , ويحكمون على مقتضى العبارة الأولى – لا والله – ما صنع ذلك إلى الآن عالم من العلماء , من جميع الملل فضلاً عن المسلمين , فضلاً عن الفئة الناجية والفرقة المحقة – رضوان الله عليهم – إلا من أبدع في الدين ولم يعرف طريقة الفقهاء والمجتهدين ولا ما هو المعروف عند عامة المسلمين.
وأنا قد تلوت عليك من كلمات مولانا وعباراته مما يوهم المخالفة , وما يكشف عنها بصريح الكشف والبيان , وحينئذ فالاعتراض عليه من جهة تلك العبارات بعد البيان والتوضيح خروج عن جادة أهل الإسلام , وعن طريقة المسلمين , واتباع لغير سبيل المؤمنين , والله سبحانه وتعالى يقول: { ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً }.
ومولانا – أعلى الله مقامه , ورفع في الدارين أعلامه – لم يزل على منهاج بصيرة في الدين والتقوى , وجار على ما جرت عليه العلماء , وسالك سبيل أصحاب العصمة أئمة الهدى عليهم السلام , ما دامت الأرض والسماء , ولكن القوم كما أخبر الله تعالى عنهم: { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله } و { وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم } , لم يسمعوا قوله تعالى: { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } وقوله تعالى: { وفوق كل ذي علم عليم } وقوله تعالى: { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبتغون عرض الحيوة الدنيا } وقوله تعالى: { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين أمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والأخرة } وقوله تعالى: { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة } وأمثالها , بل لقد سمعوها ووعوها , ولكن الدنيا قد احولت في أعينهم , وراقهم زبرجها.
آه آه فوالله قال أمير المؤمنين عليه السلام: ( لولا حضور الحاضر , وقيام الحجة بوجود الناصر , وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم , ولا سغب مظلوم , لألقيت حبلها على غاربها , ولسقيت آخرها بكأس أولها , ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفظة عنز ).
وإني كتبت هذه الكلمات تنبيهاً لمن يتنبه , وتبصرة لمن يتبصر وتذكرة لمن يتذكر وإتماماً للحجة على المكابر.     
الكاتب: السيد كاظم الحسيني الرشتي
المصدر: كتاب كشف الحق في مسائل المعراج

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة