المشيئة من الصفات الفعلية
إن الفعل عبارة عن الحركة الإيجادية , التي يحدثها الموجد بنفسها , بمعنى أنها حركة لا تحتاج في إيجادها إلا إلى حركة توجد بها , فهي حركت فخلقت بنفسها , فارتفاع الدور والتسلسل.
ثم الموجد يحدث بتلك الحركة ساير المفاعيل , فيتحقق لتلك الحركة التي هي الفعل مراتب عديدة عند تعلقه بالمفاعيل , لأن المفاعيل بأسرها مذكورة في الفعل عند تعلقه بها , فالمذكور إنما هو مذكور في وجهه الخاص به , وهذا معنى ما ورد من أن في العرش تمثال جميع ما خلق الله , فإن العرش هو الفعل في أحد الاطلاقات , فإذا تعلق بالمفاعيل حصلت له مراتب يسمى بها فيسمى مشيئه عند تعلقه بمادة الفعل , وإرادة عند تعلقه بأعيانها وقدرا عند التعلق بالهندسة والحدود , وقضاءاً عند التعلق بالهيئة التركيبية.
فأول المراتب المشيئة , وثانيها الإرادة , وثالثها القدر , ورابعها القضاء , فلا تلتفت إلى من زعم أن القضاء سابق على القدر , لأن تراجمة وحي الله وألسنة إرادته عليهم السلام صرحوا بما ذكرنا , فقالوا ( إن الله علم وشاء وأراد وقدر وقضى , فبعلمه كانت المشيئة , وبمشيئته كانت الإرادة , وبإرادته كان القدر , وبقدره كان القضاء ). الحديث
وبالجملة فللفعل تتحقق هذه المراتب , وربما يعبر التمثال عن تلك المراتب بالنقطة , والألف , والحرف , والكلمة التامة.
فالنقطة هي المشيئة , والألف الإرادة , والقدر الحروف , والقضاء الكلمة التامة , ودلالة تلك الكلمة هي المفاعليل , لأن المفاعيل دلالات الفعل , فهي تدل عليه.
ويعبر أيضا بالرحمة , والرياح , والسحاب المزجي , والسحاب المتراكم .
ويعبر عن المفاعيل بالقطر النازل من السحاب إلى غير ذلك من التعبيرات.
فهذه المراتب تتحقق له عند تعلقه لا في ذاته , وليست المفاعيل مذكورة في ذاته , كما أن الدلالة مثلاً ليست مذكورة في النقطة , ولا في الحروف , بل إنما هي مذكورة في الكلمة التامة , فتلك الحركة الكلية لها وجوه عديدة بحسب كل مفعول من المفعولات , وذلك المفعول مذكور في ذلك الوجه الخاص المتعلق به , كالألف مثلاً فإنها مذكورة في الحركة المستقيمة , والباء في الحركة المعوجة , وليس الإعوجاج والاستقامة من ذاتيات تلك الحركة الكلية , لأنهما صفتان عرضتا لها والصفة غير الموصوف.
ولذلك لا توصف الحركة بالاستقامة والاعوجاج , إلا فيما ظهرت في متعلقاتها فتفطن.
ثم اعلم أن المراتب التي أثبتناها للفعل , فإنما هي تتحقق بحسب كل مفعول من المفاعيل.