رد آية الله المولى الميرزا موسى الحائري الإحقاقي على المقصر الهمداني في فهم
كلام الشيخ الأوحد حول معجزة حصلت في واقعة الجمل
كتاب إحقاق الحق، ج 2 ص 35
)ولما كان كلام الهمداني كلاماً مشتملاً على الغلط الفاحش في بعض المقام …
وتوضيح ذلك ، أن حقيقة محمد وآله صلى الله عليه وآله لما كانت أول ما خلق الله سبحانه،
كما نطقت به الأخبار المستفيضة بل المتواترة ، ولم يكن أكمل وأصفى وأبهى منها، ولم يُخلق
أعلى منها مرتبة ، وبمقتضى خطاب أدبر، أُمروا بتبليغ الأحكام الإلهية للمكلفين، وتأديبهم ،
وتربيتهم، وتعليمهم معالم دينهم . اقتضت الحكمة والمصالح الحقيقية أن تكون صورهم أيضاً
أكمل وأبهى وأعلى من صور من سواهم من المخلوقات، ولكن لو أ ا ردوا أن يظهر وا للخلق بصورهم
الأصلية المناسبة والمطابقة لحقيقتهم عليهم السلام ، لما كان يتحمَّلها نبيٌّ مرسلٌ ولا ملك مقرب،
بل ماتوا ، وهلكوا، واحترقوا ، من تلألؤ أنوارها وشدة ضيائها. لا جرم ظهروا للخلق بقدر تحمّلهم
في أحسن صورة من صور المخلوقات ؛ حتى يتمكنوا من التكسب والتعلم منهم معالم دينهم،
ولو كانوا ظهروا بصورتهم الأصلية المناسبة لحقيقتهم ، فكيف كانوا ينظرون إليهم وينتفعون
منهم؟ كما لا يتمكنون من النظر إلى الشمس التي نورها أنزل من نورهم بآلاف آلاف الم ا رتب ،
واكتسبت نورها من نورهم .
ولما كانت حقائق جميع المخل وقات من الأنبياء إلى الجمادات على التفصيل السابق ،
خلقت من شعاع نور أجسادهم الشريفة، وصورهم من صورة ولايتهم وعكسها كما برهانه ، ولذا،
كانوا علة مادية وصورية لكل المخلوقات . قال الشيخ الأوحد: إنهم عليهم السلام أولى وأحق
بصورة زيد من زيد ، لأنها لهم عليهم السلام، أعطوها له عارية ، وإن أ ا ردوا الظهور فيها
والتصور بها لظهروا، لكن ظهروا في أحسن صورة لقربه للاعتدال وحقيقتهم الطيبة الطاهرة ،
كما أن جب ا رئيل عليه السلام كان يظهر في زمان نبينا صلى الله عليه وآله في صورة دحية الكلبي
الذي هو أجمل أهل زمانه، وفي غيره ، في غيرها. هذا طريق ظهورهم لمحبيهم ومخلصيهم .
وأما ظهورهم لأعدائهم ومبغضيهم، إن أ ا ردوا الظهور بغير صورهم الظاهرة فبحسب قابلية العدوّ
والمبغض ، يعني: أن العدو لما كانت قابليته قبيحة ومعوجة ، يرى الإمام عليه السلام
بمقتضى قابليته في صورة قبيحة منك رة، مع بقاء الإمام عليه السلام على صورته الظاهرة ،
بحيث لو نظر غير ذلك العدو لرآه في صورته الظاهرة للخلق، لا أنهم العياذ بالله يتلبَّسون
بالصورة القبيحة ، ويظهرون لذلك العدو، كصورة مروان بن الحكم ، كما زعمه البعض من
المعاصرين، بل الم ا رد هو ما ذكرناه ، مثاله ظاه ا رً: أنك إذا قابلت الشمس بم ا ريا عديدة مختلفة
الألوان ، كالأسود، والأحمر ، والأصفر، والأخضر ، والمعتدل، والمعوج ، فالشمس تظهر فيها
بحسب قابليات الم ا ريا من الألوان والاعتدال والاعوجاج، في الأسود أسو د ، والأحمر أحم ر،
والمعتدل معتدلا ، والمعوج معوجاً وهكذا، ولا يرى في الشمس تغيير بوجه إلاَّ بحسب القوابل
والمحال . ومن قطع النظر عن الم ا ريا ونظر إلى الشمس لم يرها إلاَّ على صورتها الظاهرة لغير
الم ا ريا، فالسواد والاحم ا رر والاعوجاج ونحوها من الصور التي ظهرت الشمس بها في الم ا ريا ،
ليست من الشمس بل من الم ا ريا .
فالصورة القبيحة الظاهر بها الإمام عليه السلام للأعداء منهم بحسب قابليتهم واعوجاجها
، لا من الإمام عليه السلام، ي ا ره الأعداء بتلك الصورة بمقتضى التغيير والاعوجاج الذي فيهم
، وأما الإمام عليه السلام، فليس فيه تغيير بوجه ، بل هو على ما هو عليه من صورته
الظاهرة لمحبيهم ومخلصيهم. نعم ، العدوّ لو كشف عن بصره الغطاء كحالة الموت، لرآه عليه
السلام على ما يظهر به للمحبين ، كما كُشِ ف عن بصر طلحة الغطاء ونظر إلى الحقيقة
والواقع، و أ رى أن علياً عليه السلام هو الذي رماه بواسطة مروان ، وجعله آل ة رميه وهلاكه له.
وأما سائر الناس ، لما كانت على أبصارهم غشاوة لم يروا أن علياً هو السبب، والممد لمروان
في رمي طلحة ، ولم يعلموا أن مروان كان آلة له عليه السلام في هلاك طلحة، بل أ روا أن
مروان هو الذي قتل طلحة ، مستقلاً من غير كونه آلة للغير، بل نفس مروان لم ير نفسه إلاَّ
أنه هو ال ا رمي المباشر للقتل ، والسبب التام المستقل له فضلاً عن الغير، ولذا ، لما سمع جابر
من طلحة ما سمع تعجب، واستعظم قوله ! وقال: إن علياً لم يرمِ بالنبل ، وما بيده إلاَّ سيفه.
فقول جابر وطلحة كلاهما صحيحان ، إذ قول جابر بمقتضى الظاهر الذي كان ي ا ره، وقول
طلحة بحسب الحقيقة والواقع الذي كشف عن بصره ورآه .
فمقصود الشيخ الأوحد من قوله : إن الذي رماه هو عليّ في صورة مروان؛ لكونه آلة
هلاكه ، فاقتضت قابلية هلاكه على ظهوره في صورته. انتهى . هو ما ذكرناه، لا ما توهم في
المقام من تلبُّسِ عليّ عليه السلام بصورة مروان ، إذ لو كانت عبارته قدس سره هكذا،
فاقتضت قابلية هلاكه على تصوُّره بصورته . لكان لهذا التوهُّم محال، لكنه قال : ) على ظهوره
في صورته( . وغير خفي أن الظهور غير التصور ، كما يقال في الشمس: إنها تظهر في
المرآة ، لا أنها تُتصوُّر بها. وكذا قوله : ) لكونه أي مروان آلة هلاكه( ، صريح في المرام ،
منافٍ لما زعمه بعض الأعلام. فظهر أن مقصوده — نوَّر الله ضريحه — بيان سرّ أن عليّا عليه السلام مع أنه هو السبب في قتل طلحة ، وهو القاتل له حقيقة، كما شاهده طلحة أيض ا ،
واعترف بذلك. ما الداعي في عدم مباشرته عليه السلام بنفسه الشريفة قتل طلحة ، وقتله ظاهراً
على يد مروان؟ في ذلك أن الحكمة الإلهية اقتضت جريان الفعل وظهوره بمقتضى المحل ،
وعلى حسب اقتضائه، يعني : إن حقيقة طلحة اقتضت أن يكون قتله على يد قبيح، وواسطة قبيح
، وهو مروان، وإن كان الممد حقيقة لمروان والمحرك له هو عليّ عليه السلام : ) بهم تحركت
المتحركات، وبهم سكنت السواكن ( ، وقوله : )لأن مقتضى قوابل أفعاله سبحانه وتعالى أن
تظهر أسباب تعلقها بالمفعولات على ما اقتضته تلك القوابل ، تمشية للأحكام الإلهية، صريح
فيما ذكرنا (.
فتبيّن أن م ا رده من ظهور الإمام عليه السلام في صورة مروان ، هو جعله عليه السلام
مروان واسطة وآلة في قتل طلحة، يعني : إظهار فعله عليه السلام من مروان على حسب
اقتضاء القوابل والمحال، تمشية للأحكام الإلهية ، لا ما توهَّم من تلبُّسه وتصوّره عليه السلام
بصورة قبيح، وهي صورة مروان بن الحكم . وبعبارة مختصرة: إنه لما لم يكن في طلحة مانع
وصارف عن مشاهدة الواقع ، من حيث كشف الغطاء عن بصره، أدرك الواقع ونفس الأمر ،
ولم يلتفت إلى الواسطة والآلة بوجه، بل نظر إلى السبب الأعظم وهو عليّ عليه السلام ، و أ رى
أنه هو ال ا رمي والقاتل له، وبيده زمام الحياة والممات تفويضاً من الله خالقه . وأما سائر الناس
لما كانت على أبصارهم غشاوة، ولهم مانع وصارف عن مشاهدة الواقع وحقيقة الأمر ، أ روا ما
اقتضاه المحل وحقيقة طلحة، وهو توسط مروان في قتله ، وجريان الرمي على يده، ونسبة القتل
إليه ظاه ا رً .
وبالجملة ، لما ظهر لك م ا رد الشيخ الأوحد من عبارته المنقولة، بعبا ا رت مكررة وبيانات
واضحة ، عرفت طريق اشتباه الفاضل المعاصر المرحوم وغيره، وهو رحمه الله لما زعم أن
مقصود الشيخ الأوحد هو تلبُّس عليٍّّ عليه السلام بلباس م روان ، وتصوره بصورته، نسب إليه
ما لا يليق به ، وقال: چكونه ميتوان اعتقاد نموكه انحضرت بجسد مروان متلبس شود ؟ يعني
: كيف يمكن أن يعتقد أن عليا يتلبس بجسد مروان؟ وقد عرفت بحمد الله أن ما نسبه إلى ذلك
الأوحد نشأ من عدم التأمل في كلماته ، والغفلة عن مقدماته، … وأضعف من هذا الاحتمال ما
ذكره الهمداني في هديته : من أنه كيف عرف طلحة ورأى عليا في صورة مروان، ولم يعرفه
الحسن بن علي عليه السلام ، حيث قال في مجلس معاوية لمروان : أنت الذي وقفت بين
الصفين، ورميت طلحة وقتلته ؟ لأنّا نقول:
أولا ا : إنك لم تقبل قول طلحة فيما نسبه ، فكيف يقبل معاوية من الحسن عليه السلام إذا
بين الواقع ونفس الأمر؟ وثاني اا : إن الحسن بن علي عليه السلام عرفه حقَّ المعرفة ، ورأى
ما رأى طلحة يقيناا، لكن أخفاه لمصالح عديدة ، منها : عدم قبول معاوية وجلسائه منه الواقع
الحق وانكارهم ذلك كإنكارك إياه ، مع قولك بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام، ونسبتك إليه
ظاهر اا . ومنها : الجريان معهم على الظاهر ، وكان الرامي والقاتل ظاهراا هو مروان، ولم ير
ظاهراا أحد ، إن الممد والمحرك هو أمير المؤمنين عليه السلام، حتى نفس مروان ، فقول
الحسن عليه السلام لا ينافي ما أخبر جابر عن طلحة، فظهر — بحمد الله — مراد الشيخ
الأوحد من خبر جابر ، والشيعة، ترضى — إن شاء الله — بما ذكرناه وأوضحناه ، ويعدُّونه
من الفضائل العظيمة، ويميزون الماء من السراب ، والتبر من التراب .