إن مسألة كيفية صدور الخلق عن المبدأ الأول عزوجل كانت من أولى المسائل التي شغلت فكر الإنسان منذ أن بدأ يتفلسف، وقد وضعت في سبيل تفسير حقيقة وكيفية الفيض عدة نظريات، ولكن أشهرها هي …النظرية التي جاءت بها الإفلاطونية المحدثة والتي تشير إلى أن الكائنات قد فاضت عن الباري سبحانه عبر وسائط متعددة دعوها العقول العشرة: وهي فرضية كوسمولوحية- ميتافيزيقية وضعوها لتصحيح صدور الكثير من الواحد، فالأفلاك بحسبهم ذوات نفوس مريدة فاعلة تتعلق بها العقول المجردة، مع أنه لا برهان على تلك التعلقات مثلما لا مجال لإنكار العالم العقلي في الجملة.
وقد اشبع الكلام في إثبات العقول المفارقة وصدورها في الكتب الحكمية قبل عصر الشيخ الإحسائي أعلى الله مقامه، فلنشر هاهنا إشارة عابرة:
فنقول : الروايات التي وردت في تعيين أول ما خلق الله تعالى على صنفين: منها ما هو صريح في تعيين جسم مادي كالماء مثلا كان قبل الخلق، ومنها ما يتشابه المراد منه في بدء الأمر هل هو جسم أو غير جسم، مثل ما ورد في كونه نور النبي صلى الله عليه وآله أو القلم… ففي روايات نور النبي ما يفسر سائر الروايات ويوضحها فقد أشير إلى أن نور النبي صلى الله عليه وآله خُلق قبل خلق المكان، وقد ثبت أن تنـزه الشيء عن لوازم المادة من الزمان والمكان دليل تجرده عنها، والتجرد لا ينفك عن العقل كما ثبت في محله من كتب الحكمة. ونسبت الأولية في الصدور في روايات أخرى إلى القلم الذي ربما أوهم معناه الطبيعة الجسمانية للصادر الأول، لكن الجمع بين ما يدل على كون أول ما خلق الله هو نور النبي صلى الله عليه وآله أو العقل وبين ما يدل على كونه الماء أو القلم مثلاً هو أن يحمل بعضها على أول المجردات وبعضها الآخر على أول الماديات.
ثم أن الحكماء اتفقوا على أن أول شيء دخل عرصة الوجود إمكاناً وكوناً هو واحد، وهو دليل على أن موجده واحد، حتى قالوا فيه: أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، ورغم أن فيه ما فيه – كما أشار الشيخ الأحسائي في بعض كتبه ورسائله، إلاّ أن مفاده مسلّم صحيح تصدِّقه العقول المستقيمة المتفكرة في الآيات الآفاقية والأنفسية، وهو أن الصادر الأول من المشيَّة واحد، وإليه تنتهي كل كثرة ووحدة من أقسام الوحدات والكثرات.
والدليل على أن الصادر الأول عن المشية واحد مضافاً إلى الأخبار المتواترة معنى هو اتفاق المسلمين بفرقهم جميعاً على أن نبينا أشرف الموجودات والكائنات والشرف يقاضي التقدم في الوجود، وبما أن الأئمة المعصومين عليهم السلام هم نفسه كما تشهد بذلك آية المباهلة فلهذا يجري عليه ما يجري عليهم ولكونهم من نور واحد .
وهذا الصادر الأول يسمى عند أهل الشرع من أصحابنا الإمامية بالحقيقة المحمدية عليه آلاف الصلاة والتحية، وسمي بالحقيقة لكونه أصلاً ثابتاً سبق كل الموجودات في الصدور عن المشيّة، وصار بذلك واسطة لإيصال الفيض إلى من سواه، وسائر الموجودات مجازات لا تتقوم إلا به تقوماً ركنياً تحققياً، ولا يصح وجود شيء إلا بالانتساب إليه والاستناد عليه، ولا يصل إلى موجود ذرة من فيوضات الله إلا وذلك الفائض والصادر الأول هو السبب إليه، إذ هو أمر الله الذي يقوم كل شيء به (ومن آيـاته أن تقوم السمـاء والأرض بأمره)، ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: (كل شيء سـواك قام بأمرك)، ويحتمل أن يكون المراد من الأمر: المشيّة وليس أول صادر منها، فحينئذٍ يكون قيام الأشياء به قياماً صدورياً لا تحققياً، كما نبّه على ذلك الشيخ أحمد الإحسائي في العديد من كتبه.
والحاصل: الحقيقة المحمدية هو نور الله الذي تنورت منه الأنوار وتحققت وقامت الأشياء بشعاعه قيام تحقق، ولم يسبقها إلى الوجود شيء إلا فعل الله المتقدم عليها رتبة؛ لأنه علتها وإن كان مساوقاً لها في الظهور، ولا فرق بينهما ولا فصل في التعريف والتعُّرف، كالكسر والانكسار، إذ هو علتها وهي محله، نعم سبقهما من أوجدهما سبقاً لا كيف له ولا حدّ وهو الله سبحانه وتعالى ، والحمد لله رب العالمين .
الكاتب: الميرزا حسن فيوضات