الرد على اشكالات ذكرها بعض من لا دربة له ولا رسوخ في الحكمة (رداً على الشيخ الأوحد والسيد الأمجد اعلى الله مقامهما).
الاشكال الاول: 🔶 قال صاحب شرح الزيارة الجامعة : ” ألا إلى الله تصير الأُمور : أنّها تصير إلى علي ، وبيان ذلك أنّ الأُمور حادثة مخلوقة ، والحادث المخلوق لا يصل إلى القديم ، ولا يرجع إليه سبحانه ; لأنّه تعالى متعال عن كُلّ شيء ، وإنّما المعنى أنّ الأُمور تصير وترجع إلى أمره تعالى ، وأمره تعالى جعله عند وليّه ، فالمصير إلى إليه مصير إلى الله ، والرادّ إليه رادّ إلى الله ، وقد قال تعالى : { إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ }
ما صحة هذه المقولة .❗
🔻قلنا :
التأمل في نص عبارة : [ أمره الذي جعله في وليه] يفتح الباب لخارطة تساؤل منهجي هل كان [ امره تعالى ] مستند الى الله ثم جعله تعالى في وليه
او لم يكن مستند اليه سبحانه وعلى الثاني فان حاصله ان الأمور لاترجع لله وهذا يلزم أن يكون فاقد الشيء معطياً له لأنّ الله تعالى سبحانه – وفق هذا الرأي ـ كان فاقداً لها قبل إحداثها، وهذا باطل
وعلى ذلك لا مجال إلا ان تكون الأمور مستندة إليه سبحانه وهو مقتضى التوحيد في الخالقية حيث تنسب الافعال اليه < تصير إليه الامور> بلحاظ كونه سبحانه وتعالى هو صاحب التدبير المطلق في امور الخلق والرزق وجميع امور العالم المتوقفة على ارادته عز وجل وتدبيره حتى وان كانت إفاضة تلك الامور عن طريق الواسطة في الفيض وهم محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فليس هنالك تفويض استقلالي
ولذلك يلحظ المتأمل ان الصياغة كانت إنشائية خارجة عن دائرة الاستقصاء الدليلي لاحظ الروايات الصحيحة التي تؤكد ان الائمة(عليهم السلام) أنهم عاملون لله سبحانه وأنهم أكرم المخلوقين عنده فينسب إليهم الرزق والخلق ونحوهما ، لا بمعنى إسنادها إليهم (عليهم السلام) حقيقة لأنه يعتقد أن العامل فيها حقيقة هو الله ، بل
كإسناد الموت إلى ملك الموت والمطر إلى ملك المطر والاحياء إلى عيسى (عليه السلام) كما ورد في الكتاب العزيز : (واُحي الموتى باذن الله ) وغيرها مما هو من إسناد فعل من أفعال الله سبحانه إلى العاملين له بضرب من الاسناد كما في نص تعبير سيدنا المعظم استاذ الفقهاء والمراجع المعظم الخوئي فراجع لمزيد فائدة التنقيح كتاب الطهارة ص 79
وفي عيون أخبار الرضا ص ٧٠ :
( … فقال: من زعم أن الله عز وجل يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها فقد قال بالجبر ومن زعم أن الله عز وجل فوض أمر الخلق والرزق إلى حججه عليهم السلام فقد قال بالتفويض، والقائل بالجبر كافر والقائل بالتفويض مشرك )
وفي خبر الحسن علي بن أحمد الدلال القمي قال: اختلف جماعة من الشيعة في أن الله عز وجل فوض إلى الأئمة عليهم السلام أن يخلقوا ويرزقوا؟ فقال قوم: هذا محال لا يجوز على الله عز وجل، لان الأجسام لا يقدر على خلقها غير الله عز وجل وقال آخرون: بل الله عز وجل أقدر الأئمة على ذلك وفوض إليهم فخلقوا و رزقوا، وتنازعوا في ذلك تنازعا شديدا، فقال قائل: ما بالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمد بن عثمان فتسألونه عن ذلك ليوضح لكم الحق فيه فإنه الطريق إلى صاحب الامر، فرضيت الجماعة بأبي جعفر وسلمت وأجابت إلى قوله، فكتبوا المسألة وأنفذوها إليه فخرج إليهم من جهته توقيع نسخته: ( إن الله تعالى هو الذي خلق الأجسام وقسم الأرزاق لأنه ليس بجسم ولا حال في جسم، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير، فأما الأئمة عليهم السلام فإنهم يسألون الله تعالى فيخلق ويسأله فيرزق، إيجابا لمسئلتهم وإعظاما لحقهم )
انظر الاحتجاج: 264
رد الإشكال:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على اشرف بريته اجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين؛ وبعد:
تقرير الاشكال: قوله تعالى (ألا الى الله تصير الامور) [الشورى: ٥٣]، تأويله: انها لا تصل اليه سبحانه… انما تصل الى علي عليه السلام.
جواب الاشكال مختصراً: ان الله تعالى قديم، والامور حادثة، والحادث لا يصل الى القديم، ولكنه يصل الى علي عليه السلام؛ لان الله تعالى قال في محكم كتابه: (وكل شيء أحصيناه في امام مبين)…
الدليل الاول:
الكبرى: الحادث لا يصل الى القديم
الصغرى: الامور حادثة
النتيجة: الامور لا تصل الى الله تعالى (لانه قديم وهي حادثة)
الدليل الثاني:
الكبرى: كل شيء قد احصاه الله تعالى في امام مبين (بنص القرآن الكريم)
الصغرى: علي هو الامام المبين الذي احصى الله فيه كل شيء (بحسب الروايات)
النتيجة: إن الله تعالى قد احصى كل شيء في علي عليه السلام.
الخلاصة: ان قول الشيخ اعلى الله مقامه في شرح الزيارة الجامعة (ألا إلى الله تصير الأُمور : أنّها تصير إلى علي) مستند إلى دليل عقلي صرف ( الدليل الاول) ودليل عقلي معتضد بالرواية (الدليل الثاني). وبالتالي فان قوله تعالى: (الا الى الله تصير الامور): {صيرورتها اليه هو انتهاؤها ووصولها اليه عز وجل} ولما كانت ذاته سبحانه في صقع الوجوب، والامور جميعاً في صقع الإمكان، والممكن لا يصير الى واجب الوجود بذاته ولا ينتهي اليه، بل يصير الى ممكن الوجود حادث مثله. واما علي عليه السلام فهو وجه الله لقوله عليه السلام: (انا يد الله القوي انا وجه الله تعالى في السماوات…)[الفضائل لشاذان القمي ص ٨٣] وقد تواترت بذلك الاخبار في الأدعية والزيارات والروايات؛ وعليه فلا يوجد ثمة اشكال في نسبة الامور الحادثة اليه سبحانه على تأويل وجهه وفعله، وليس وصولها الى ذاته، فإن صيرورتها الى ذاته عز وجل محال لما ثبت في الحكمة من استحالة وصول الحادث الى القديم والممكن الى الواجب.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين