⚜وقفة عند قولِ سيّدِ الشُهداء بحِقِّ السيّدة سُكينة:
⚜(وأمَّا سُكينةُ فغالبٌ عليها الاستغراقُ معَ اللهِ تعالى فلا تصلحُ لرجل)
🌟وَرَدَ عندنا في رواياتِ أهل البيت “صلواتُ اللهِ عليهم” أنّ الحَسَن المُثنّى ابنُ إمامِنا الحسن المُجتبى “صلواتُ اللهِ عليه” أتى عمَّهُ الحسين “صلواتُ اللهِ عليه” يَخطِبُ إحدى ابنتيهِ فاطمة وسكينة، فقال له سيّد الشُهداء:
(أختارُ لك فاطمة؛ فهي أكثرُ شَبَهاً بأُمِّي فاطمة بنت رسولِ اللهِ “صلّى الله عليه وآله”..
أمّا في الدين: فتقومُ الّليل كلّهُ وتصومُ النهار، وفي الجمال: تُشبِهُ الحُورَ العِين،
وأمّا سكينةُ فغالبٌ عليها الاستغراقُ معَ اللهِ تعالى فلا تصلحُ لرجل)
[السيدة سكينة ابنة الإمام الشهيد للسيّد المقرّم]
〰〰〰〰〰〰
[توضيحات]
✦ قولُ سيّدِ الشهداء:
(وأمّا سكينةُ فغالبٌ عليها الاستغراقُ معَ اللهِ تعالى فلا تصلحُ لرجل)
هذا المضمون يَتَّفقُ مع الأخبارِ التي تقولُ بأنَّ السيّدةَ سُكينة لم تتزوّج،
لا كما يقول النواصبُ بأنّها تزوَّجتْ أكثرَ مِن مرّة..
فكلمةُ سيّدِ الشُهداء واضحةٌ وصريحة أنَّ مولاتَنا سُكينة (لا تصلحُ لرجل) يعني لا يُناسبُها الزواجُ لأنّها صِدِّيقةٌ، ليس لها كُفؤ
مقامُ “الصِدِّيقيّةِ” في ثقافةِ أهلِ البيت لهُ مراتب،
ومِن شُؤون الصِدِّيقيّةِ أنَّ “الصدّيقةَ” لا يُخالِطُها ولا يَطّلِعُ على أحوالِها إلّا صِدّيق
فالزهراءُ “صلواتُ اللهِ عليها” التي هي “الصدّيقةُ الكُبرى” لا يُخالطها إلّا “الصدِّيقُ الأكبر” وهُو سيّدُ الأوصياء.. وليس الحديثُ هُنا عن هذهِ المرتبة.
كذلكَ الحالُ مع السيّدةِ مريم، فهي صِدّيقةٌ، لِذلك لم تتزوّج لأنّ الصدّيقةَ لا يُخالِطُها إلّا صِدِّيق،
ولم يكنْ لِمريم كفؤ..
ولكن لابُدَّ أن يأتي عيسى منها..
لِذلكَ نظَّمَ اللهُ تعالى ذلكَ البرنامج الإعجازي الكبير لِولادةِ عيسى، لأنّهُ لا يُوجدُ كُفؤٌ لِمريم، فلابُدَّ أن يأتي عيسى مِنها بطريق المُعجزة
ولِذلك تُخبرنا الروايات بأنَّ الذي غسّل مَريم هو عيسى، لأنّها صِدّيقة، والصدّيقةُ مِن شُؤونها أنّهُ لا يُغسِّلُها إلّا صِدّيق..
وهذا الأمرُ يجري في بناتِ آلِ مُحمّدٍ “صلواتُ اللهِ عليهم”.
فمولاتُنا سُكينة “صلواتُ اللهِ عليها” لم تتزوّج لأنّها صِدّيقة، ليس لها كُفؤ..
ولِذلكَ حِين جاءَ الحسن المُثنّى خاطباً..
ما أرادَ سيّدُ الشُهداء أن يُؤذي الحسن المُثنّى ويقولَ لهُ أنّكَ لستَ كُفؤاً لسكينة..
وإنّما قال لهُ:
(وأمَّا سكينةُ فغالبٌ عليها الاستغراقُ معَ اللهِ تعالى فلا تصلحُ لرجل) فهي صِدّيقةٌ،
ومِن شؤونِ الصِدّيقة أنّها لا تتزوّج إلّا إذا وُجِدَ كُفؤٌ لها، وإلّا فإنّها لا تتزوّج.
✦ وأمّا المُراد مِن (استغراقِها مع الله) : الإستغراقُ هو الفناء..
والمُستغرِقُ مع الله هو الذي لا يملكُ حواساً يَلتفتُ فيها إلى غيرِ الله
وحِينَ يقولُ سيّد الشهداءِ عن السيّدةِ سُكينة أنّهُ (غالبٌ عليها الاستغراقُ مع الله) فالمُراد مِن التغليب هُنا ليس مِن جهةِ الوقت بأنّها في أغلبِ الأوقات مُستغرقةٌ مع الله..
وإنّما المُرادُ أنّ الاستغراق غالبٌ على كيانِها ووجودِها..
يعني أنَّ الإستغراقَ مع اللهِ ليس حالةً طارئةً تكونُ عند السيّدةِ سُكينة في أوقاتٍ مُعيّنةٍ وتزولُ عنها..
وإنّما هي مَلَكةٌ عندها مُصاحبةٌ لها في كُلِّ حالاتِهِا.
وما سكينةُ إلّا نَفْحةٌ مِن نفحاتِ عِطر سيّدِ الشُهداء “صلواتُ اللهِ عليه”..
تَماماً مِثل هذا المضمون الوارد في الروايات:
(لا تسبُّوا عليَّاً فإنّهُ ممسوسٌ فِي ذاتِ الله).
ممسوسٌ يعني: مقاربٌ
وما في عليٍّ هُو في الحُسين “صلواتُ اللهِ عليهما”.
فالحُسينُ ممسوسٌ في ذاتِ الله..
بل إنَّ كلمةَ إمامِ زمانِنا في الدُعاءِ الرجبيِّ أعمقُ مِن هذا المضمون..
فإمامُ زمانِنا يقولُ في دُعائهِ في شهر رجب وهُو يتحدَّثُ عن حقائقِ أهلِ البيتِ النوريّةِ القادسةِ يقول:
(لا فَرقَ بَينَكَ وَبَينَهَا إلّا أنّهم عبادكَ وخلقك)
يعني لا فرقَ بينكَ يا ربِّ وبينَ حقائقِ مُحمَّدٍ وآلِ مُحمّدٍ إلّا أنّهم عبادكَ وخلقك.
ومولاتُنا السيّدة سُكينة هي نَفحةٌ مِن نفحاتِ هذهِ الحقيقةِ النُوريّةِ القادسةِ التي لا فرق بينها وبين اللهِ سِوى أنّها حقيقةٌ مُخلوقة.
فكيفَ لنا أن نُدركَ شيئاً مِن عظمةِ مقامِ مولاتِنا سُكينة “صلواتُ اللهِ عليها”..؟!
وكذلكَ السيّدةُ فاطمةُ المعصومةُ والسيّدةُ حكيمةُ بنت الإمام الجواد..
لم يَتزوجنَ لأنّهُنَّ صِدّيقات، والصدّيقةُ لا يتزوّجها إلّا صِدّيقٌ كُفؤٌ لها، فإذا لم يُوجدْ لها كفؤٌ في زمانِها فلا تتزوّج.
وهُناك أسبابٌ أُخرى أيضاً في عَدَمِ زواجهنّ..
مِنها حِفْظُ المشروعِ الإلهيِّ المهدويِّ في الأرض
فالسيّدةُ حكيمة بنتُ إمامِنا الجواد مثلاً كانتْ أوّلَ سفيرةٍ لإمامِ زمانِنا في زمانِ الغيبة الصُغرى..
فلأجلِ أن تحفظَ المشروعَ المهدويَّ وتحفظَ أسرارَهُ لم تتزوّج، لأنّهُ لم يكنْ لها كُفؤٌ في زمانها يكونُ أهلاً لِحفظِ أسرار هذا المشروع.