وقفة عند حديثِ الزهراء عن فضْلِ العُلماءِ الكافلينَ لأيتامِ آلِ مُحمّد لمُنقطعينَ عن إمامِ زمانهم

وقفة عند حديثِ الزهراء عن فضْلِ العُلماءِ الكافلينَ لأيتامِ آلِ مُحمّد لمُنقطعينَ عن إمامِ زمانهم

❂ يقولُ إمامُنا الحَسَنُ العسكري “صلواتُ اللهِ عليه”:
(حضرتْ امرأةٌ عندَ الصدّيقةِ الكُبرى فاطمة الزهراء “صلواتُ اللهِ عليها” فقالتْ:
إنَّ لي والدةً ضَعيفة، وقد لبَسَ عليها في أمْرِ صَلاتِها شيء، وقد بعثتني إليكِ أسألكِ.. فأجابتْها فاطمةُ “صلواتُ اللهِ عليها” عن ذلك،
ثُمَّ ثنّتْ – أي سألتْها ثانيةً – فأجابتْ، ثُـمَّ ثلَّثتْ، فأجابتْ إلى أن عشَّرتْ فأجابتْ، ثُـمَّ خجلتْ مِن الكثرة، فقالتْ: لا أشقُّ عليكِ يا بنْتَ رسولِ الله..
قالتْ فاطمة “صلواتُ الله عليها”: هاتي وسَلِي عمَّا بدا لكِ،
أرأيتِ مَن اكتُريَ – أي استُؤجر- يَوماً يَصعَدُ إلى سطْحٍ بحِمْلٍ ثقيل، وكِراؤهُ – أي أُجرتُهُ على الصعود – مائةُ ألفِ دينار، أيثقلُ عليه؟ فقالتْ: لا.
فقالتْ الزهراء: أُكريتُ أنا – أي أُعطيَ لي أجرٌ – لكلِّ مسألةٍ بأكثرِ مِن ملءْ ما بينَ الثرى إلى العَرْش لُؤلؤاً، فأحرى – يعني أولى – أن لا يثقُلَ عليَّ.. سمعتُ أبي رسولَ الله “صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ” يقول:
إنَّ عُلماءَ شِيعتِنا يُحشَرون، فيُخْلَعُ عليهم مِن خِلَعِ الكراماتِ على قَدْر كَثْرةِ عُلومِهِم وجَدَّهم – أي حَظِّهِم – في إرشادِ عبادِ الله، حتَّى يُخلَعُ على الواحدِ مِنْهم ألفُ ألفِ خِلْعةٍ مِن نُور.
ثُمَّ يُنادي مُنادي ربّنا عزَّ وجلَّ:
أيُّها الكافلونَ لأيتامِ آلِ مُحمّد.. الناعشون لهم عنْد انقطاعِهِم عن آبائهم الَّذين هُم أئمَتُهُم،
هؤلاءِ تلامِذتُكم والأيتامُ الَّذين كفلتموهم ونعشتموهم – يعني أحييتُموهم بعُلومِ أهل البيت – فاخلعوا عليهم كما خلعتموهم خِلَعَ العُلومِ في الدُنيا.
فيَخلعُون على كُلّ واحدٍ مِن أولئكَ الأيتامِ على قَدْر ما أَخذوا عنْهم مِن العلوم حتَّى أنَّ فيهم – يعني في الأيتام – لَمَن يُخلَعُ عليهِ مائةُ ألفِ خِلْعة، وكذلك يَخلعُ هولاءِ الأيتام على مَن تعلَّم مِنْهم. ثُمَّ إنَّ الله تعالى يقول:
أعيدوا على هَولاءِ العُلماء الكافلين للأيتام حتَّى تُتمُّوا لهم خِلَعَهم وتُضعّفُوها – أي تُضاعفوها لهم – فيتمُّ لهم ما كانَ لهم قبل أن يُخلعوا عليهم.. ويُضاعَف لهم، وكذلكَ مَن بمَرتبتِهِم مِمَّن يُخلعُ عليهِ على مَرتبتهم.. وقالتْ فاطمة “صلواتُ اللهِ عليها”:
يا أمةَ الله.. إنَّ سِلْكاً مِن تلكَ الخِلَع لأفضلُ مِمَّا طلعتْ عليهِ الشمسُ ألفَ ألفَ مرَّة، وما فضلُ ما طلعتْ عليه الشمس؟ فإنّهُ مشوب بالتنغيص والكَدَر)
[تفسير الإمام العسكري]
〰〰〰〰〰
[ توضيحات ]
✦ حين تقولُ الزهراءُ “صلواتُ اللهِ عليها” : (أُكريتُ أنا لكلِّ مسألةٍ بأكثرِ مِن مل‌ءْ ما بينَ الثرى إلى العَرْش لُؤلؤاً) قَطْعاً إنّها تتحدّثُ بلسانِ الأُسوةِ والقدوةِ هُنا.. فهي لَفْظاً فقط تتحدّثُ عن نَفْسها.. أمّا المضمون فهو إلينا نحنُ، لِتربيتِنا.
فالزهراءُ أعظمُ بكثيرِ وكثير مِن هذهِ المعاني.. فأهلُ البيتِ “صلواتُ اللهِ عليهم” هُم أولياءُ النِعَمِ وهُم واسطَةُ الفيضِ في هذا الوجود.. فكُلُّ ما في الوجود هو مُلْكُهم وتحْتَ تصرُّفِهِم “صلواتُ اللهِ عليهم”.. كما نُخاطِبُهم في الزيارةِ الجامعةِ الكبيرة: (وأُصولَ الكَرَمِ وقادةَ الأُمَمِ وأولياءَ النِعَم..) وكذلك نُخاطِبُهم بهذهِ العبارة: (وذَلَّ كُلُّ شيءٍ لكم) فكُلُّ ما في الوجود هو مُلْكُهم “صلواتُ اللهِ عليهم”.. هُم الذين يُفيضون العطايا على العبادِ في الدُنيا والآخرة.
فالزهراءُ حِين تتحدّث عن الثواب الجزيل لِمَن يُعلّمُ الشيعةَ معارف أهل البيت.. إنّها تتحدّثُ عن حالنا نحنُ وليسَ عن نفْسِها.. فإنّ الجنّةَ خُلِقتْ مِن نُورِ المعصومين “صلواتُ اللهِ عليهم” كما وَرَدَ في الروايات الشريفة بأنّ الجنّة خُلقتْ مِن نُور الحُسين.. فهُم “صلواتُ اللهِ عليهم” أعظمُ مِن الجنّةِ ونعيمها بكُلِّ درجاتِهِ.
والذي يُؤكّد أنّ الزهراء تتحدّثُ بلسانِ الأسوةِ أنّها في نفسِ الروايةِ بعد أن قالتْ: (أُكريتُ أنا لكلِّ مسألةٍ بأكثرِ مِن مل‌ءْ ما بينَ الثرى إلى العَرْش لُؤلؤاً) مُباشرةً ذَكَرتْ عُلماءَ شِيعتِهِم فقالتْ بعدها: (إنَّ عُلماءَ شِيعَتِنا يُحشَرَون، فيُخْلَعُ عليهم مِن خِلَعِ الكراماتِ على قَدْر كَثْرةِ عُلومِهِم)
فمضمون حديثِ الزهراء مُتوجّهٌ لِلذينَ يحملون معارفَ أهْل البيت مِن الشيعة ويُعلّمونها للشيعة.

✦ وحين تقولُ الزهراء: (فيُخْلَعُ عليهم مِن خِلَعِ الكراماتِ على قَدْر كَثْرةِ عُلومِهم) معنى يُخْلَعُ عليهم: يعني يُعْطَونَ مِن الزينةِ والملابسِ الفاخرةِ والهدايا العظيمة على كثرةِ عُلومِهِم أي على قَدْرِ كثْرةِ مَعرفتِهِم بحديثِ أهْلِ البيت.. فإنَّ مِيزانَ تحديد منازلِ الشيعةِ عند أهْلِ البيت هُو بمقدارِ ما يُحسنونَ مِن حديثِ العترةِ الطاهرة وبِمقدارِ فَهْمِهِم مِن أهل البيت “صلواتُ اللهِ عليهم”.. كما يقولُ إمامُنا الصادقُ “صلواتُ اللهِ عليه”: (اعرفوا مَنازلَ شِيعَتِنا عِندنا على قَدْرِ روايتِهِم عنّا وفَهْمِهِم مِنّا..)
فهذا المُصطلح الوارد في حديثِ الزهراء (علماءُ شيعتِنا) لا يَنطِبقُ على كُلِّ مَن ارتدى عمامة في الواقع الشيعي حتّى لو كانَ مَرجعاً مِن المراجع.. فقد يكونُ ذلك المرجع فقيهاً بميزانِ الناس، ولكنّهُ بمِيزانِ أهل البيت ليسَ فقيهاً.. كما يقولُ إمامُنا الصادق “صلواتُ اللهِ عليه”: (إنّا لا نَعدُّ الفقيهَ مِنْهم فقيهاً حتّى يكونَ مُحدّثا. فقيلَ لَهُ: أو يكونُ المُؤمنُ مُحدَّثا ؟ قال: يكونُ مُفهَّماً، والمُفهَّم مُحدّث)
لاحظوا عبارة الإمام بِدّقة، فهو يقول: (إنّا لا نَعدُّ الفقيهَ مِنْهم فَقيهاً) هُو سّماهُ “فقيه” ولكنّهُ في نفْس الجملةِ قال لا نَعدّهُ فقيهاً.. لأنَّ الإمامَ حِين أطلَقَ عليه وصْف “الفقيه” فهو يقصد أنّه فقيهٌ بنَظَرِ الناس، الناس يَرونَهُ فقيهاً.. وليس أهلُ البيت.
أمّا ميزانُ أهلِ البيتِ في تحديدِ الفقيهِ الحقيقيّ عندهم هُو أنّ يكون مُفهَّماً.. وليس فاهماً.. يعني هُناك جهةٌ غيبيّة تُفهِّمهُ، هناك تسديد غيبي، كما وَرَدَ في الرواياتِ الشريفة: (مَن أرادَ اللهُ بهِ خيراً فقَّهَهُ في الدين).
الله تعالى فقّههُ.. لا أنّهُ يدرس في الحوزة فترةً زمانيّة.. ثُمّ يشهد له فلان مِن المراجع أنّه فقيه.. مِيزانُ أهلِ البيت في تحديد الفقيهِ الحقيقي يختلف عن هذه الموازين التي يُعمَل بها في الواقع الشيعي.
✦ قول الزهراء: (إنَّ سِلْكاً مِن تِلكَ الخِلَع لأفضلُ مِمَّا طلعتْ عليهِ الشمسُ ألفَ ألفَ مرَّة ، وما فضْلُ ما طَلَعَتْ عليه الشمس؟) يعني لا يُوجَدُ وجْهٌ للمُقايسة أصلاً بين خيطٍ واحدٍ مِن تلك الخِلَعِ التي تُعطى لهم في الآخرة بكُلِّ النعيم الموجود في الدُنيا.. لأنَّ ذلكَ الفضل في الآخرة خُصوصيَّتُهُ مختلفةٌ عن فضْلِ الدُنيا.. باعتبار أنَّ كُلَّ الفضْلِ والنعيم الّذي يَنالُهُ الإنسانُ في الدُنيا منقطع ومشوبٌ بالتنغيصِ والكَدَر.
؛
✸ ملاحظة للقرّاء :
مُصلحَ (العلماء) في ثقافةِ العترةِ لا يَصدق بمعناهُ الحقيقي إلّا على أهلِ البيت “صلواتُ اللهِ عليهم”.. وإطلاقه على فُقهاء الشيعةِ هو إطلاقٌ مَجازيٌّ ولَيس حقيقي.. راجعوا الموضوع التالي الذي يتحدّثُ عن هذهِ الحقيقة.
https://www.facebook.com/zahraa.culture/photos/a.1909861142585347/2545074819063973/

#الثقافة_الزهرائية

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading