أجل غاية ما في الأمر هو أنه في الأزمنة السابقة والعصور السالفة – ومن شدة التقية – لم يتمكن علماء الشيعة الإمامية الإثني عشرية من إظهار وإبراز وانتشار تلك الآثار النبوية , بشكل يليق بها , حيث أنه لما رحل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى الملكوت الأعلى ظهرت على الساحة ثلة من أصحاب الشقاق والنفاق وأزاحت الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) من السلطنة الظاهرية – بمقتضى المصالح الزمانية – وأجلسوهم ي عقر منازلهم , وأصبحت الرئاسة والقيادة مقسمة بين آل أمية وبني العباس.
وفي تلك العصور لم يسع أصحابنا الكبار أن يظهروا التشيع لآل البيت النبوي العلوي , فكيف بهم لو أرادوا إظهار مناقبهم ونشر فضائلهم في كل مكان , وعلى رؤوس الأشهاد إلا في حالات خاصة مصحوبة بخوف وتوجس … وقد استمرت هذه الحال إلى زمان ظهور دولة آل بويه , حيث قويت شوكت الشيعة – في الجملة – وراج مذهبهم في زمانهم , وانصرفت همة علماء الشيعة – في الغالب – نحو تدوين فروع الدين , وتدوين الكتب في إثبات الخلافة الظاهرية للأئمة الطاهرين ( عليهم السلام ) والرد على الأعداء المخالفين , وهم أخفوا هذه الأسرار وستروا هذه الحقائق عن عيون الأغيار والخلائق .. ومع ذلك كله فإن نورهم الرباني كان يتجلى ويظهر للعيان .. عبق الولاية ينتشر في كل صعق ومكان , وهذا ابن الجوزي العالم المعروف يقول في حق علي عليه السلام ( وماذا أقول في رجل أخفى أولياؤه فضائله خوفاً , وأخفى أعداؤه فضائله حسداً وشاع له بين ذين ما ملأ الخافقين ).
وعلى أية حالة لما انقرضت دولة آل بويه , وقعت الحروب والمناوشات بين السلاطين – أحياناً – وتارة ترى الفتن التي حدثت والغارات وقتل النفوس البريئة بظهور جنكيز خان , مرة ترى العجم ثائرين وأخرى ترى العرب مغيرين وهذه الأوضاع استمرت فترة إلى أن ظهرت السلطنة الصفوية وحتى في عهدة هذه السلطنة – وإن ارتفعت التقية كلية – وانصرف علماء الشيعة إلى نشر علوم ال البيت ( عليهم السلام ) .. وقد وسعهم – في ذلك الوقت – من الفرصة أن يجمعوا ويؤلفوا متشتتات الأخبار ومتفرقات آثار الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) مثل كتاب العوالم وبحار الأنوار وسائر كتب الأخبار التي ألفت وجمعت على الأغلب – في تلك الفترة – ولم تتح لهم الفرصة الكاملة لنشر تلك الآثار وشرح تلك الرموز والإشارات ووضعها بين يدي عامة الناس إلى أن انقرضت دولتهم.
ظهرت بعدها ملك الطواف وما ظهر فيها من فتن كل يريد لنفسه المقام والرئاسة , وأقام لجماعته العظمة والسلطنة , فساد الاضطراب بين الناس , واختل أمر المذهب والملة , وتضعضعت أركان السلطنة والدولة , فاختار علماء الإسلام في هذه الفترة طريق العزلة والانزواء في دورهم ولم يتمكنوا بأي شكل من الأشكال من نشر العلوم والحقائق ودقائق الرسوم الآثار حتى اقتضت إرادة الله سبحانه القدير – جلت قدرته – أن يقشع تلك الغيوم السوداء بالأمطار الرحمانية الصافية ويبدل ذلك الجو المشؤوم بفيض من بحار رحمته الواسعة تشمل ساحة أحوال إيران , وتفرج عن أهلها بالخير والعطاء لتنتعش النفوس وتحيا أزهار الأمل وتثمر البيادر ويغرد الربيع ببلابله , وتسجع الأطيار على الخمائل جاء ربيع الأمل , ظل الله الممتد في الأزل بحر الجود والندى النصر والفتح على العدا جاءت آية العلى ظهر … السلطان فتح علي شاه القاجار فزهت به الرئاسة وازدهى به تاج العظمة وتاه الجاه والقدر تمايسا وخيلاء تغير مزاج الزمان النكد وعمرت ما خربه الدهر وانتعشت أمور الملك والديانة وأغمدت سوف الحقد والخيانة وآمنت وأمنت القلوب الواجفة والنفوس المرتعشة وهدأت الأحوال ونعمت إيران في ذلك العهد بالأمن والأمان وعاش أهلها في ظل تلك العناية الفائقة بالراحة والاطمئنان.
وحيث أن كانت طينة ذلك السلطان المقتدر والقائد المنتصر طيبة طاهرة نقية ميالة بطبيعتها وفطرتها الذاتية إلى حب أهل البيت العصمة ومخلصة لآل الرسالة ( عليهم السلام ) صرف همته ورأى قوام سلطانه ودولته في تقوية وتربية أهل العلم والمعرفة فشمر عن ساعد همته نحو ترويج الدين وتشييد الشرع المبين فكان من أثر ذلك الاهتمام بالعلم والعلماء أن برز في ذلك العهد والزمان علماء أعلام في كل بلاد الإسلام فكانوا أعلاماً في سماء المعرفة ونجوماً ساطعة في كل أصقاع الدنيا وأقطار الأرض وراحوا – بكل طمأنينة وهدوء – ينشرون علوم الإسلام بين الأنام , ويظهرون آثار وأسرار الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) ببيان مقاماتهم وفضائلهم وذكر مراتبهم ومناقبهم وبخاصة سيدنا ومولانا أسد الله الغالب علي بن أبي طالب عليه السلام .