مقالة: الإيثار. وشبهة إيثار العباس (عليه السلام)

مقالة: الإيثار. وشبهة إيثار العباس (عليه السلام)

🌟🌹🌟🌹🌟🌹🌟

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلَّى الله على محمد وآله الطاهرين..

الإيثار في كتب اللغة هو تفضيل المرءُ غيرَه على نفسه، بمعنى أن يحرم الإنسان نفسه شيئاً ويعطيه لغيره مع فقره وحاجته إليه. وهو من الأخلاقيات السامية النادرة التي قلما تجد من يعرفها، فضلاً عن التحلِّي والعمل بها.

والإيثار من مراتب الجود والكرم العالية التي تحتاج إلى تربية نفسية ودينية عالية، وإرادة شخصية خاصة متمردة على الأمراض والآفات النفسية من حرص وطمع وجشع، ليرقى بين العبادات ويكون أفضلها، فعن أمير المؤمنين (عليه السَّلام) أنه قال: «الإيثارُ أفضلُ عبادةٍ وأجلُّ سيادةٍ» [ميزان الحكمة: ج1، 16]. والإيثار يتصدر مراتب الإحسان والإيمان، وعنه (عليه السَّلام) أيضاً: الإيثار أحسنُ الإحسانِ وأعلى مراتبِ الإيمان. [ميزان الحكمة: ج1، 16]

ولأهمية هذه الصفة، ولحثِّ الناس على العمل بها، ذكر القرآن الكريم عدة شواهد لها، منها، قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة : 207]. وقصة هذه الآية أشهر من نار على علم، عندما بات أمير المؤمنين (عليه السَّلام) في فراش النبي (صلَّى الله عليه وآله) ليلة هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وفداه بنفسه ليسلم من سيوف المشركين، وكانت هذه من أرقى درجات الإيثار والتضحية والفداء.

ومنها قصة المهاجرين والأنصار، عندما هاجر المسلمون من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة مع النبي محمد (صلَّى الله عليه وآله)، فقدَّم لهم الأنصار كل ما يحتاجونه من مال وطعام ولباس ومأوى مع حاجتهم الماسة، فأنزل الله هذه الآية الكريمة: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر : 9]، فكان وصفه لحالتهم دقيقاً، فقال: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِم}، أي قدَّموا ما عندهم وحرموا أنفسهم، وقال: {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}، أي مع ما عندهم من الفقر والحاجة وسوء الحال.

وقد بيّن الشيخ الطبرسي ذلك في تفسيره: (ويؤثرون المهاجرين ويقدمونهم على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم {ولو كان بهم خصاصة} أي فقر وحاجة، بيَّن سبحانه أن إيثارهم لم يكن عن غنى عن المال ولكن كان عن حاجة، فيكون ذلك أعظم لأجرهم وثوابهم عند الله). [مجمع البيان: ج9، ص433] ومن الشواهد القرآنية أيضاً على الإيثار قوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً Jوَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً} [النسان 8 : 9].

وقصة هذه الآيات أيضاً أشهر من نار على علم، نأخذ منها محل الشاهد فقط. وهو عندما صام النبي محمد والإمام علي والزهراء والحسن والحسين (صلوات الله عليهم أجمعين) وفاءً لنذرهم صوم ثلاثة أيام، فعند إفطارهم في اليوم الأول جاءهم مسكين، فأعطوه إفطارهم جميعاً وباتوا ليلتهم على الماء القراح، وفي الليلة الثانية جاءهم يتيم، فأعطوه إفطارهم جميعاً وباتوا كذلك على الماء القراح، وفي الليلة الثالثة جاءهم أسير، ففعلوا معه كالليلتين السابقتين، وباتوا على الماء القراح. فشاء الله تعالى تسجيل هذا التصرف بماء الذهب القرآني، فأنزل تلك الآيات فيهم لبيان سمو تصرفهم.

وكذلك حثَّت الروايات على الإيثار. فقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السَّلام) أنَّه قال: «إن لله عزَّ وجلَّ جنّة لا يدخلها إلا ثلاثة، رجل حكم على نفسه بالحقِّ، ورجل زار أَخاه المؤمن في الله، ورجل آثر أَخاه المؤمن في الله» [الكافي: ج2، ص178].
وعن أبي الطفيل قال: «اشترى علي (عليه السَّلام) ثوباً فأعجبه، فتصدق به، وقال: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: من آثر على نفسه آثره يوم القيامة بالجنة، ومن أحب شيئاً فجعله لله، قال تعالى يوم القيامة: قد كان العباد يكافئون فيما بينهم بالمعروف، وأنا أكافؤك اليوم بالجنة» [مستدرك ‏الوسائل: ج7، ص249].
وعن الصادقِ (عليه السَّلام) أَنه سُئِل ما أَدنى حق المؤمن على أَخيه، فقال: «أَن لا يستأثر عليه بما هو أَحوج إليه منه». [مستدرك‏ الوسائل: ج7، ص212]

ومن روائع قصص الإيثار، وعظائم بطولات الملاحم والفداء، ما حصل في اليوم العاشر من محرم، وما قدمه أولئك الأشاوس، حيث إنهم كانوا يستأنسون بالمنية بين يدي أبي عبد الله (عليه السَّلام) كما يستأنس الطفل بمحالب أمه. ولكن أعجب قصة وأشجع موقف حدث في ذلك اليوم، ما قام به العباس بن علي (عليهما السَّلام)، حيث شقَّ صفوف الأعداء حاملاً قربة الماء قاصداً نهر الفرات آملاً أن يملأها بما يروي ظمأ النساء والأطفال، واستطاع فعلاً كشف أربعة آلاف فارس يحرسون المشرعة، ووصل إلى الماء البارد وأقحم فرسه فيه، ثم اغترف منه غرفةً وأدناها من فمه الشريف ليشرب، ولكنه سرعان ما تذكر عطش أخيه الحسين (عليه السَّلام) فرمى الماء من يده، وآثره على نفسه، ولم يرضَ أن يسبقه بالشرب، واكتفى بملئ القربة ليوصلها إلى المخيم. ولكن القدر المحتوم وغدر الأعداء حال بينه وبين ذلك، وكان ما كان مما هو معروف من سِيَر عاشوراء.

وهنا طرح بعض المشككين شبهة، وهي، ألا يعتبر فعل العباس (عليه السَّلام) -عندما ألقى الماء من يده- إلقاء للنفس في التهلكة، باعتبار عطشه وحاجته الشديدة للماء، فلا يكون فعله من الإيثار، بل هو من المُحرَّم المنهيّ عنه، فتخرج القضية من الفضيلة أصلاً. ولكن نجيب بجوابٍ، غير مدّعين انحصار حل الشبهة به: إن المُحرَّم هو إقدام المكلف على الخطر المعتد به مع علمه بهذا الخطر، وأما لو فرضنا العكس، كما لو كان العباس (عليه السَّلام) يعتقد أنه قادر على العودة ببساطة إلى الخيام، كما وصل إلى الماء أول مرة وكشف الأربعة آلاف فارس، فلا إلقاء لنفسه الشريفة في التهلكة، لأنه في هذه الحالة لا يرى خطراً معتداً به، ولا محذور في البين.

بل نقول أكثر من ذلك، أي تهلكة نتصورها إذا لم يشرب الماء قبل الحسين (عليه السَّلام)، فهل سيسقط صريعاً في الحال مثلاً لو لم يشرب، خاصة وأنه يعلم أنه مقتول لا محالة في هذا اليوم، بل الأولى للحاذق أن يصبر قليلاً، وينال شرف إيثار الحسين (عليه السَّلام) على نفسه إن استطاع إيصال الماء إليه، أو مواساته بالشهادة عطشاناً بين يديه إن لم يستطع إيصاله، وهذا بالضبط ما فعله العباس (عليه السَّلام).

وقد أكَّد الإمام السجاد (عليه السَّلام) معنى الإيثار الثابت للعباس (عليه السَّلام). فمن رواية طويلة عنه (عليه السَّلام): «ولا يوم كيوم الحسين (عليه السَّلام) ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل، يزعمون أنهم من هذه الأمة، كلٌّ يتقرب إلى الله عز وجل بدمه، وهو بالله يذكرهم فلا يتَّعظون، حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً. ثم قال (عليه السَّلام): رحم الله العباس، فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه حتى قُطِعَت يداه، فأبدله الله عز وجل بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وإن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة». [الأمالي للصدوق: ص547]

ولو لاحظنا زيارة العباس الواردة، وكيف يسلم عليه المعصوم، لوجدنا عجباً، ولعرفنا شيئاً من مقامه (عليه السَّلام). فعن أبي حمزة الثمالي عن الإمام الصادق (عليه السَّلام) يقول: «سلام الله وسلام ملائكته المقرّبين وأنبيائه المرسلين وعباده الصّالحين وجميع الشّهداء والصّدّيقين والزّاكيات الطّيّبات فيما تغتدي وتروح عليك يا ابن أمير المؤمنين… الخ» [مفاتيح الجنان: ص638]. فسلامٌ عليك يا أبا الفضل والإيثار والتضحية.

🌟🌹🌟🌹🌟🌹🌟

✍🏻 مولى السادة الأطهار الشيخ محمد القميحا الزينبي.. أرجو دعاكم..

🌹🕋🌹🕋🌹🕋🌹

رابط المقالة على موقع التبليغ الديني:

http://www.tablighdini.com/box/subnashra.asp?nashraID=40#214

🌹🕋🌹🕋🌹🕋🌹

لمتابعة منشوراتنا على صفحات 🕋🌹 يعبدون 🌹🕋

✅ واتساب
https://chat.whatsapp.com/GDgwGJWFkRxF2iRUg8xOJ4

✅ تيليغرام
https://t.me/Alkomeiha

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة