سألني أحد الأخوة الكرام عن مراتب التوحيد والموحدين، ووعدته بالرد في فرصة أخرى لافتقار الجواب إلى شرح وتبسيط، والحق أني لم أعثر في كلمات تلامذة الشيخ الأوحد أجلى واتم مما ذكره السيد الأمجد كاظم الرشتي أعلى الله مقامه حيث قال في شرح آية الكرسي:
فعرف كل واحد من الخلق توحيد الحق وصفاته واسماءه وآثاره على ما هو عليه في مراتبه واطواره واحواله من الوجود والعقل والنفس والطبيعة والمثال والجسم، وهو قوله تعالي: (وانزلنا من السماء ماء فسالت اودية بقدرها) اي انزل من سماء التجلي ماء التجلي فسالت اودية قوابل الممكنات الموجودة المتحققة حين الانزال بقدرها، فاختلفت مراتب التوحيد باعتبار مراتب الموحدين وظهر ان التوحيد الذي للقريب غير الذي للبعيد والا لكان القريب والبعيد علي حالة سواء، فتجلّى سبحانه للبعيد من فاضل تجليه للقريب وظهر له بشعاع ظهوره، والقرب والبعد امران اضافيان يتعددان و يختلفان ويختلف التوحيد باختلافهما، الى ان يبلغ الامر الي ان النملة تزعم ان لله زبانيتين لما رأتهما كمالاً لما اتصفت بهما، فاختلاف مراتب التوحيد بعدد مراتب الخلائق بل بعدد انفاسهم، إذ في كل نَفَس يتجلى الحق للخلق غير ما تجلى له في النفَس الآخر، وهو معنى قولهم: (ان الله لايتجلى في صورة مرتين) كما لايخفي على الفطن العارف، ولذا يقولون: (الطرق الي الله بعدد انفاس الخلائق) فيكون “لا اله الا الله” خاصاً لكل فرد من افراد الموجودات وقد يكون قول “لا اله الا الله” شركاً بالنظر الي الموجود الاقرب و توحيداً خاصاً بالنظر الي القائل، ولذا قال: (شهد الله انه لا اله الا هو و الملائكة واولوا العلم)، والملائكة هم الملائكة العالين وحملة العرش والملائكة الكروبيين، واولوا العلم الانبياء المرسلون والمؤمنون والحقيقة الانسانية والحقيقة البهيمية والحقيقة النباتية والحقيقة الجمادية، وكلها اولوا العلم بالله سبحانه ومسبحون بحمده، والتسبيح فرع العلم به قال تعالى: ( ان من شيء الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم)؛ فشهادة الحق لذاته بالوحدانية هو التوحيد الخالص الصرف اللائق بجناب قدسه في الأزل، لايعلم كيف هو ذلك ولا يدرك ما هنالك (الطريق مسدود و الطلب مردود)، وخير الخلق اعترف بالعجز عن البلوغ الي هذه المرتبة حيث قال: ((انا لا احصي ثناءً عليك انت كما اثنيت علي نفسك))، وليس ثناء اعظم من الاعتراف له بالوحدانية، فلا يقدر أحد لتوحيده تعالى كما يوحد لنفسه، ولذا افرده في الذكر وقدّم شهادته على نفسه بالوحدانية، ولذا قيل في هذا المقام: ان شهادة الحق للحق حق وشهادته للخلق رسم (…) فيكون قوله: لا اله الا الله خاصاً لله سبحانه على الحقيقة لايشرك معه أحد في هذا التوحيد، ثم دونه اي تحت الازل وفوق جميع مراتب الامكان: الحقيقة المحمدية صلوات الله وسلامه عليها، فتوحيده أتم التوحيدات و أعلاها و أشرفها؛ لكونها اول مظهر للذات بأول ظهور، الذي هو نفس الظاهر، فاتحد الظهور والظاهر والمظهر فيه صلى الله عليه و آله، فظهر الحق له به نفسه بدون توسط شيء سوى نفسه، فله مقام في التوحيد لم يبلغه أحد من الموجودات الامكانية والأعيانية، لكن توحيده بالنسبة الي توحيده الحق تعالى ناقص بل شرك، اما بالنسبة الي مرتبة الموجودات الامكانية فأعلاها واشرفها واتمها، قد رضي الله عنه بهذا التوحيد، ولذا جعله رسولاً علي وحيه الوجودي والتشريعي (الله اعلم حيث يجعل رسالته) وأميناً على أمره ومطلعاً على سره صلي الله عليه و آله و سلم. ثم رتبة علي عليه السلام ولذا قال مخاطبا لعلي عليه السلام: ((ماعرف الله الا أنا و أنت))، لكونهما وأولادهما الطاهرين من حقيقة واحدة، فلا اله الا الذي يقولها رسول الله دون لا اله الا الله الذي يقولها الله سبحانه: ثم دونه اي تحت رتبة الحقيقة المحمدية (صلى الله عليه وآله) رتبة الملائكة العالين الذين ما سجدوا لآدم عليه السلام حين اُمرتْ الملائكة بالسجود، قال تعالى: لإبليس لما استكبر عن سجود آدم عليه السلام: (أستكبرت ام كنت من العالين)، فثبت ان الملائكة العالين ماسجدوا لآدم عليه السلام، و هم حملة العرش الذي هو تمام الوجود؛ لان الوجود بحذافيره إنما يستمد منهم وهم اربعة كل منهم موكل على ركن من أركان العرش والملائكة الاربعة تستمد منهم، فميكائيل يستمد من الملك الموكل بالركن الأيمن الاعلي من العرش واسرافيل يستمد من الملك الموكل بالركن الايمن الاسفل من العرش و عزرائيل يستمد من الملك الموكل بالركن الايسر الاعلي من العرش، وجبرائيل يستمد من الملك الموكل بالركن الايسر الاسفل من العرش، ومن اجل ان الموجودات كلها تستمد من تلك الملائكة العالين فهم اقرب الي المبدأ بالنسبة الي الجميع، فظهور الحق تعالي لهم اعلي و اتم من الجميع، بل ظهوره تعالى للجميع بفاضل ظهوره لهم، فمقامهم في التوحيد اعلي واشرف من كل المراتب الأعيانية سوي مقام الحقيقة المحمدية (صلى الله عليه وآله)، فان ظهور الحق لهم بتوسط ظهوره لمحمد صلي الله عليه وآله، فـ(لا اله الا الله) الذي يقولها تلك الملائكة اعلى واشرف من كل الموجودات، دون لا اله الا الله الذي يقولها النبي صلي الله عليه وآله، ثم دونهم رتبة الملائكة الكروبيين وهم قوم من شيعة محمد صلي الله عليه و آله تحت العرش لو قسم نور واحد منهم علي اهل الارض لكفاهم، ولما سأل موسى ربه ما سأل، امر بواحد منهم فتجلى له بقدر سم الابرة فدك الجبل وخرّ موسى صعقاً، وهم أرباب الانبياء بالله قال الله تعالى: (فلما تجلى للجبل جعله دكاً وخرّ موسى صعقا)، فلهم مقام في التوحيد لم يبلغه أحد مما تحتهم من الانبياء والمرسلين والمؤمنين الممتحنين، وما تحتهم من الحيوانات والنباتات والجمادات، فـ(لا اله الا الله) الذي يقولها هؤلاء الاخيار تحت (لا اله الا الله) الذي يقولها الملائكة العالين ومحمد صلي الله عليه و آله، وفوق لا اله الا الله الذي يقولها جميع الموجودات. ثم دونهم رتبة الانبياء فمقامهم في التوحيد تحت مقام الكروبيين وفوق جميع المراتب التحتية، لان الله تجلى لهم بتجليه للكروبيين و تجلي للكروبيين بتجليه للملائكة العالين وتجلى للملائكة العالين بتجليه للحقيقة المقدسة النبوية، فهي قطب الوجود، وعليه مدار الوجود واليه كل شئ يعود، فـ(لا اله الا الله) الذي لهم تحت (لا اله الا الله) الذي لما فوقهم وفوق (لا اله الا الله) الذي لما تحتهم، هذا لهم بالاجمال ولهم ايضاً مقامات و درجات و مراتب في التوحيد تختلف بحسب اختلاف تجليات الحق لهم، فلكل واحد ذكر خاص من (لا اله الا الله)، لايشاركه معه سواه وترتيبهم في درجاتهم مثل ترتيب الاشعة المستمدة من السراج في مقامهم ودرجاتهم، وليس هذا الترتيب ترتيب العلية والمعلولية بل ترتيبهم ترتيب التقدم والتأخر، ومجموع الاشعة علة للاظلة لا واحداً واحداً من افرادها، وكذا الانبياء علة لما تحتهم من المؤمنين والمسلمين والمنكرين والكافرين، لكن بتمامهم لا واحداً واحداً منهم، كما لايخفى، فحينئذ فتعرف معنى ما ورد في الدعاء: ((لا اله الا الله آدم صفي الله لا اله الا الله نوح نبي الله لا اله الا الله ابرهيم خليل الله لا اله الا الله موسي كليم الله لا اله الا الله عيسي روح الله لا اله الا الله محمد حبيب الله)) الدعاء، وسر هذا الترتيب من ادراج نبينا (صلى الله عليه وآله) في درجات الانبياء تعرف من الحديث المروي ان نور نبينا لما اتم السباحة في الابحر الاثني عشر: بحر المحبة، بحر القدرة، بحر العظمة، بحر الجلال، بحر الجمال، بحر العزة، بحر الرفعة، بحر الكمال… الي آخر الأبحر، قطر منه مائة واربعة و عشرون الف قطرة، خلق من كل قطرة روح نبي من الانبياء ونبينا صلوات الله عليه و آله منهم، وهو سر الترتيب والادراج فافهم. ثم دون رتبة الانبياء رتبة الانسان الذي هو من فاضل الانبياء فـ(لا اله الا الله) الذي يقولها خاص بهم، وهو تحت توحيد الانبياء وفوق توحيد الحيوانات، هذا بالاجمال ولهم مقامات في (لا اله الا الله) لايحصي عددها الا الله، وكذا الكلام في البهائم والنباتات والجمادات، وكلها اولوا العلم شاهدون لله تعالى بالوحدانية، كل في مقامه ومرتبته، لا اله الا هو له الحكم و اليه ترجعون، وهذا سر اختلاف التوحيد بالاجمال.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين