《ما هُو موقفُ سيّد الأوصياء
مِن الذي جرى على أمّ الحسن والحسين..؟
لماذا سمح بضربها..؟!
سؤالٌ يَتردّدُ في أجواءِ المُخالفين و حَتّى في أجواء الوسط الشيعي ..》
🔴🔴🔴🔴🔴🔴🔴🔴🔴
نَحنُ هُنا لا نُريد أن نَتحدَّث عن المَوقف الجُزْئي لسيّد الأوصياء..
فهُناك روايات ذَكرتْ ..
بأنَّ سيَّد الأوصياء أمْسكَ بابن صهاك و طَرحهُ أرضاً و وُجئ أنفه..
و ذلك لَمَّا أرادوا أن ينبشوا القُبور الأربعين التي حفرها أمير المؤمنين لأجل إخفاء قبر الصدّيقة الكُبرى “صلواتُ الله عليها”
و خرج “عليه السلام”
بسيفهِ و هـدّدهم.
هذه الأحداث و أمثالها مَذكورة في كُتب الحديث و كُتب السِيرة..
و لكنّنا هُنا لا نُريد أن نقِف عندها، فهي لا تُبيّن مَوقف أمير المؤمنين بتمامه مِن هَذهِ القَضيّة.
• و حَتى هذا التَعبير الذي يَرِد في بعْض الروايات مِن أنّ ..
أمير المؤمنين “صلواتُ الله عليه” صَبر على ما جرى لأجل إنفاذ وصيَّة رَسول اللهِ “صلَّى اللهُ عليه وآله..
هذا التعبير تَعبيرٌ قاصر و لا يُبيّن تمام مَوقف سيّد الأوصياء، و إنّما وردَ لمُداراة العُقول.
موقف سَيّد الأوصياء
هُو ” تقديم القُربان “..
أميرُ المؤمنين قدّم الزهراء قُرباناً لتحقيق أهداف المشروع الإلهي لهداية الناس..
و حتّى تتّضح هذه العبارة، نُشير إلى عدّة نقاط.
✦ أوّل نُقطة نُشير إليها هي:
أنّ النبيّ “صلّى اللهُ عليه وآله”
لَمَّا رسم برنامج دينهِ و هدايتهِ، وضَعَ الخُطّة الأولى لتحقيق هذا البرنامج في سِيناريو ” الغَدير “..
هذا هو السِيناريو الأوّل، و أنّ الأُمّة مُلزمة ببيعة الغَدير..
و بعْد عليٍّ يأتي المُجتبى و بعده الحُسين.. و هكذا،
و لكنَّ الذي جرى على أرض الواقع هو أنّ الأُمّة غَدرتْ وخَانتْ و نقضتْ بيعة الغَدير..
فانتهى السِيناريو الأوّل الذي وضعهُ النبيّ الأعظم لإقامة مشروع الخلافة الإلهيّة على الأرض..
فانتقلنا إلى السيناريو الثاني.
✦ السِيناريو الثاني
(أو الخُطّة الثانية)
هي: ” سيناريو القَرابين “
فقد اقتضتْ الظروف أنه لابُدّ أن يكون هُناك قُربان للحِفاظ على البقيّة الباقية مِن هذا البرنامج ..
( برنامج هداية للناس و برنامج المستقبل و إقامة الخلافة الإلهيّة على الأرض )
فكانت فاطمة الزهراء
“صلواتُ الله عليها”
هي القُربان الأوّل في سِيناريو
” القرابين “
▪و قد يسأل سائلٌ هُنا:
لماذا سيناريو القرابين..؟
و لتوضيح الفِكرة، نقول:
هناك منطق يُمكن أن نُطلِق عليه
” المَنْطق الترابي “
و هُناك مَنطق آخر هو
” المَنطق الغَيبي “
المنطق التُرابي يتّضح من خلال هذه الأوصاف:
• أولاً:
أنّ الإنسان حين يُخطّط لأمر مُعيّن أو برنامج معيّن في الحياة الدُنيا فإنّ تخطيطه و فِكْره يكون مَحدود بمَساحة هذا العالم الدُنيوي، فنحنُ لا نستطيع أن نفكر خارج المساحة الدنيوية.. هذا أولاً.
• ثانياً:
دائماً نَحنُ نُحاول في مُخطّطاتنا أن نُدفع المَشاكل التي هي قَريبة منّا و التي نَحسُّ بها..
و نُحاول دائماً أن نُحصِّل المَنافع العَاجلة بسرعة.
هذا هو التَخطيط الترابي أو
(المَنطق الترابي) بشكلٍ مُختصر.. تخطيطٌ ينظرُ للمَنافع القَريبة..
و كان تخطيطُ السقيفة حين خطّطتْ لِمشروعها بهذه الطريقة التُرابيّة، و هي تحصِيلُ المنافع العاجلة، و دفع المشاكل القريبة المَحسوسة لإنجاح برنامجهم.
✽ أمّا ” المَنطق الغَيبي “
فليس مَحدوداً و ليسَ محكوماً بالمَساحة الدنيويّة، و ليس مَحكوماً بمُدّة زمنيّة معينّة، و لا ينظر إلى المشاكل الآنيّة القريبة أو المنافع العاجلة،
المنطق الغَيبي منطق آخر مُختلف تماماً، و هذا المنطق نتلّمسهُ في آيات الكتاب الكريم..
على سبيل المِثال:
◈ في قصّة لوطٍ “عليه السلام”.. يقول تعالى:
{ و جَاءَهُ قومُهُ يُهرعُونَ إِليهِ و مِن قَبلُ كَانُوا يَعمَلُونَ السيِّئاتِ قالَ يا قومِ هؤُلاء بناتي هُنَّ أَطهرُ لَكُم فاتَّقُوا اللّهَ و لا تُخزُونِ فِي ضَيفِي }
أليسَ هَذا قُربان هُنا يُقدّمهُ النبيّ لوط دِفاعاً عن قيمة إنسانية، حضارية، قيمة خُلُقيّة، ربانيّة .. عبّر ما شئت.
النبي لوط يعرف قَومهُ أنّهم يعملون السيّئات و يرتكبون الفَواحش..
و رُغم ذلك أراد أن يزوّج بناته مِن هَؤلاء القوم الفاسدين!
فهذا التصرّف الذي جاءَ به النبيّ لوط و هو تزويجُ بناته على أهل الفواحش بِحسب المَنطق التُرابي هذا تصرّف غير سوي و خاطىء.
و لكنّه بحِسب المنطق الغَيبي هو تضحية و قُرُبانٌ يقدّمهُ النبيّ لوط و لكن بدرجة مِن الدرجات دِفاعاً عن قيمة ربّانية و هي حِفْظ الأضياف { فاتَّقُوا اللّهَ ولا تُخزُونِ فِي ضَيفِي }
ففي بعْض الأحيان المَبادئ و القيم تحتاجُ إلى تقديم قَرابين و تضحيات كبيرة لِحفظها..
فإذا أراد لوط أن يُحافِظ على هَذهِ القيمة و هذا المبدأ:
{ لا تخزونِ في ضيفي }
لابُدّ أن يُقدّم هذه التضحية و هذا القربان بتزويج بناتهِ من الفاسدين.
◈ مثال آخر:
إذا نظرنا إلى قصّة ذبْح إبراهيم لإبنه إسماعيل، نجدها حادثة غَريبة جدّاً إذا نظرنا إليها بالمَنطق التُرابي..
والدٌ رُزِق بمولود على كِبَر و هو إسماعيل..
و كان إسماعيل نبيّاً كامل المُواصفات شكْلاً و جسداً و عقلاً..
و إبراهيم شيخٌ كبيرٌ، لا يُرجى لهُ أن يرزقه الله بولدٍ آخر و هو شيخٌ كبير..
و مع ذلك جاءَ إبراهيم و أخذ أعزّ مَخلوقٍ عليهِ في عائلتهِ و هو إسماعيل، و أرادَ أن يذبحهُ كما يذبح الخروف! و إسماعيل سَلَّم لأمر الله!
و مِن هُنا من هذا الابتلاء العظيم بدأ عقْد الإمامة.
فعقد الإمامة كان مَربوطاً بهذا الذبْح، و إبراهيم قَدَّم قُرباناً للإمامة و هُو أن يذبحَ إسماعيل، و فِعْلاً وصل إلى هذهِ النيّة:
أن ابنهُ مذبوحٌ لا محالة.
لكن جاء الأمر الإلهي لهُ أن توقّف..
و حِين جاءهُ هذا الأمر الإلهي بأن لا يذبح إسماعيل، بكى إبراهيم و أصابهُ الحُزْن و الغمّ لأنّه لم يذبح ولده في هذا الطريق!
و هذا موقفٌ آخر أيضاً يبعث على الاستغراب!
هذه القضيّة لو لم نَعتقد نَحنُ بأنّها في جَوّ الأنبياء،،
فهي جريمة بكلّ المقاييس إذا نظرنا للقَضيّة بالمَنطق الترابي..
حينما يقتل والدٌ ابنه بسبب رؤيا..
أمّا بالمَنطق الغَيبي ..
فهي قُربان و تضحيّة و امتثال لأمْر الله أتى به النبيّ إبراهيم لِأجل مشروع الإمامة الإلهيّة..
علماً أنّ حياة الأنبياء مشحونةٌ بالتضحيات و تقديم القرابين.
◈ مثال آخر:
في قضيّة يعقوب و يُوسف..
يَعقوب مِن البداية كان يعرف ما الذي سيَجري على يُوسف، و لو نَرجع إلى سُورة يُوسف فإنَّنا نجد التفاصيل واضحة
ألم يطلب مِن أولادهِ بأن يتحسّسوا مِن يوسف و أخيه؟
و أبوهم يعقوب يطلب منْهم أن يتحسّسوا مِن يوسف و أخيه..
فقد كان عارفاً منذ البداية بالذي سيجري، و رُغم ذلك أذن لهم في اصطحاب يُوسف و هو الذي أعطا أبناءه العُذْر الذي جاءوا به لاحقاً..
حين قال لهم بأنّه هو خائفٌ على يُوسف مِن أن يأكله الذئب.
و لكن القضيّة لو لم تكنْ بهذهِ الصُورة و بهذه المُجريات لَما استطاع يُوسف أن يخترقَ الدولة الفرعونية .
البرنامج الإلهي الذي أُعِدّ ليُوسف كان بهذهِ الصُورة و بهذا السِيناريو..
و يُوسف هُو الذي ذهبَ إلى السجن بنفسه .
كما يقول في الكتاب الكريم:
{ السِجنُ أحبّ إليّ }
فكُلّ التفاصيل الغَريبة التي وردتْ في قِصّة يوسف هي خلاف المَنطق الترابي.
◈ أيضاً قصّة موسى و كيف أنّ أمّه ألْقتهُ في صُندوق و وضعتْهُ باتّجاه قصْر فرعون الذي يبحثُ عنه كي يقتله..!
أليستْ هذهِ القضيّة خلاف المنطق الترابي الذي يُفكّر به الناس؟!
القرآن مليء مِن أوّلهِ إلى آخرهِ بهذا المنطق..
بالمِثل ما جَرى على الصدّيقة الكُبرى “صلواتُ و الله عليها”
وما جَرى على سيّد الشُهداء
و عَلى الأئمة “صلوات الله عليهم”..
هذا هو سِيناريو القَرابين.
كانَ القُربان الأوّل هُو القُربان الفاطمي..
و كُلّ ما جَرى على الصدّيقة الكُبرى من ظلامات كانَ لوحةً مَضْغوطة جاءَ شرحها و تفصيلها في كربلاء.
سيّدُ الأوصياء ..
قدَّم الزهراء قُرباناً مثل ما قدَّم الحُسين كلّ شيءٍ قرباناً.
و ما قدّمه الحسين كان شرْحاً و تفسيراً لذلك القُربان الفاطمي الذي قدَّمه سيد الأوصياء
فنفس الفلسفة التي نَفهم فيها واقعة كربلاء، و كيف أنّ الحُسين يأتي بعَائلتهِ و يتركها بيد أعدائهِ و يضربوا العقيلة و يضربوا أطفاله و نساءه..
هي نفس الفلسفة التي قام بها ..
أميرُ المؤمنين “صلواتُ الله عليه”،
مثلما جاء الحُسين بعائلتهِ لأنّ الله شاءَ أن يراهنَّ سبايا في سَبيل مشروع الخِلافة الإلهيّة الحقّة..
كذلك شاء الله أن يَرى فاطمة تُعْصَر بين الباب و الجدار و ينبت المسمار في صدْرها و تفيض دَماً بنتُ مُحَمَّد، و يُقتَلُ جنينُها، و تُسطَر على عَينها، و تُرفَس في خاصرتها، و تُسبُّ و تشتم، و تُقذف على منابرهم، و يجري الذي جرى عليها.
هذا هو منطق القرابين الذي يتّضح بشكلٍ جليّ و واضح في كَلمة ..
••●” العقيلة زينب “●••
“صلواتُ الله عليها”
ليلة الحادي عشر مِن المُحرّم حين خرجتْ و وضعتْ يديها تحتَ الجسد الشريف،
و قالت لسيّد الشُهداء:
( الّلهمَّ تقبَّل مِن آل مُحَمَّدٍ
هذا القربان )
هُنا يتّضح المُخطط بشكلٍ واضح جداً.
❄ فالمَنطق الغَيبي هو المَنطق الحاكم في المَنظومة الدينيّة..
أمّا هَذا التفكير الذي يدور في أذهان المُخالفين و أذهان بعض الشيعة أنهُ أن كيف رجل في بيتهِ و جاء قومٌ ضربوا زوجتهُ، فأينَ غيرته؟!
هذا كلام سخيف جدّاً..
هذا منطقُ السقيفة..
فالقَضيّة لها بُعد آخر أعمق بكثير مِن هذه الرُؤية السطحيّة التُرابيّة للأمور، و هو البُعد الغَيبي.
و نَحنُ إذا كنّا عَلويّين و كُنّا فاطميين و كُنّا حَسَنيّين و كُنا حُسينيّين ..
لابدّ أن يكون المنطق الذي نُفكّر به هُو
مَنطق آل مُحمّد الغَيبي
“صلوات الله عليهم”
فكلّ التفاصيل التي كانتْ في حَياتهم “صلوات الله عليهم”
يحكُمها هذا المنطق الغَيبي
و ليس المَنطق الترابي.
المنطق الترابي هو منطق السقيفة..
منطق أعداء آل محمّد..
أمّا هم .. ” صلواتُ الله عليهم ”
فمنطقهم شيء آخر، و التخطيط الذي يخطّطون به هو بالضبط نقيض تخطيط و تفكير أعدائهم ..