لماذا كان أمير المؤمنين عليه السلام ليلة ضربته يكثر الخروج الى صحن داره؟!
يجيب سيدنا الأجل الأمجد السيد كاظم الرشتي قدس سره
قال سلمه الله تعالى: وقول علي عليه السلام لما ضرب وكان في مرضه قال يوماً: (افرشوا لي في صحن داري، لعلي انظر في ملكوت السموات) وهل يغيب عنه الملكوت الا في صحن داره؟! فما معناه؟
اقول اعلم أن العالم كله كتاب علم مشتمل على اوراق أودع الله سبحانه وتعالى فيه علومه وغيوبه وأسرار صفاته واسمائه وجلاله وجماله وأحكام ملكه وملكوته وهو قوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق). ومن أعظم تلك الاوراق المشتملة على جلائل العلوم وغوامضها واسرارها وحقائقها، هو السموات لشرفها وعلوها وصفائها ولطافتها ونورايتها، مع أن الله سبحانه جعلها مهبطاً للفيوضات ومركزاً للخيرات وينبوعاً لانحاء الافاضات ومسكناً لملائكة الرحمة والملائكة الحاملون لمواد العلوم والرسوم والحقائق والصفات. وحيث كان قلب الامام عليه السلام عيبةً لعلم الله ووعاء لسره وحافظاً لغيبه، فجميع تلك الاحوال منكشفة لديه وحاضرة عنده. ولما وجبت المطابقة بين مشاهدة ملكوت السموات الباطنية ومشاهدة ملكوت السموات الشهودية، والأولى ظاهرة لقلبه، أراد إظهار الثاني وانكشافه لحواسه حتى يطابق الباطن بالظاهر والسر بالعلانية ليرتفع الاختلاف في جميع الوجوه. كما كان عليه السلام يقرأ القرآن على المصحف، وإن كان يعلمه بظهر الغيب.
فقال عليه السلام: (افرشوا لي في صحن داري لعلي انظر في ملكوت السموات) وينظر الى تلك العلوم المسطرات ويلقى الملائكة بانحاء الافاضات، وليتزودوا من لقائه عليه السلام فانهم لا يرونه بعد الانتقال الى العالم الاخر، وليس لهم الانتقال عن محالهم ومراكزهم لقوله تعالى حكاية عنهم : (وما منا الا له مقام معلوم). وهذا كله لا يحصل في بطن الدار، وإن لم تكن غائبة عنه، فان مطابقة العلم للمشاهدة أقوى وأعظم له ولغيره، على انا نقول ان مادة العلم لا تنقطع عنهم وتتجدد عليهم آناً فانا في تلك الالواح الحقيقية فلابد من ملاحظتها ومشاهداتها ومشاهدة الآيات والعلامات الحاصلة بِقِرانْ الكواكب وتحقق النظرات الدالات على فقد الامام عليه وعلى ابنائه أكمل التحيات وأفضل التسليمات. كما روي عنه عليه السلام انه في ليلة تسعة عشر (كان يكثر الخروج الى صحن الدار والنظر الى اطراف السماء، ويقول: هذه الليلة التي وعدت فيها). وذلك لمشاهدة العلامات والآيات الدالة على ذلك، والأمر وإن كان معلوماً عنده عليه السلام لكنه أراد مشاهدة عللها ومبانيها وأسبابها، وهذا لا يتفق الا تحت السماء، فافهم إن كنت تفهم والا فسلم تسلم.