فقد الغيرة الدينية

♻فقد الغيرة الدينية
🔹لعلنا لا نجد عند الشرع والعقل والعقلاء صفة يمكن أن يتصف بها الإنسان أقبح من أن يفقد الغيرة على عرضه, فإن الغيرة على العرض قبل أن تكون فضيلة من الفضائل الإنسانية المحمودة عقلاً وشرعاً, هي غريزة جبلت عليها حتى الحيوانات.
🔹فنحن إذا استثنينا الخنزير ـ المعروف بالدِّياثة ـ من بين الحيوانات, لا نكاد نجد حيواناً لا توجد فيه صفة الغيرة, بل هي موجودة في بعض الحيوانات بمرتبة أقوى وأشد من وجودها في بعض أفراد البشر, كما في الديك مثلاً, ولذلك ورد عن إمامنا الصادق (عليه السلام) قوله: *(تعلَّموا من الديك خمس خصال: محافظته على أوقات الصلوات, والغيرة، والسخاء، والشجاعة، وكثرة الطروقة)*, بل يُحكى عن بعض الحيوانات قصصاً في الغيرة تحار لها العقول.
🔹وعليه, فالذي يميّز الإنسان عن الحيوان ليس مجرد صفة الغيرة على العرض بل شيء آخر هو أسمى وأرفع من ذلك ألا وهو الغيرة على المبدأ والدين, الذي هو السبب والمنشأ للغيرة على العرض, بل ولكل الفضائل الإنسانية الأخرى.
🔹إذ المفروض أن الدين بالنسبة إلى كل من يعتقد به أهم من المال والنفس والعرض, ولذلك نجد أن الإنسان يضحي بماله لحفظ نفسه, وبماله ونفسه لحفظ عرضه, وبماله ونفسه وعرضه لحفظ دينه. 
🔹ولا أقل من أن حق الدين واللائق بشأنه هو ذلك, وإن لم يلتزم به الأكثر في مقام العمل كسائر الواجبات العقلية والشرعية التي تحكم بها عقولهم ويتساهلون في مقام العمل بها لمتابعة أهوائهم، أو لضعف إيمانهم وهمتهم.
🔹ويكفينا دليلاً في هذا المقام ما فعله أبو الغيرة ومعلِّمها, سيدُ الشهداء أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) من التضحية بالمال والنفس والأهل, بل وتعريض حرمه وحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) للسبي من أجل الحفاظ على الدين.
🔹ولقد لخص سيرته الكريمة في قوله (عليه السلام): *(الموت خير من ركوب العار والعار خير من دخول النار)*.
🔹ومراده (عليه السلام) من الموت هو الخطر على النفس, ومن العار الخطر على العرض, ومن دخول النار هو الخطر على الدِّين.
🔹ومن هنا يبرز ويظهر جلياً واضحاً أن هناك نوعاً من الرذائل النفسانية أقبح وأشنع من فَقْد الغيرة على العرض, ألا وهو *فَقْد الغيرة على الدين* الذي هو أسمى وأهم من النفس والمال والعرض وكل ما يمت إلى الإنسان بصلة.
🔹وإذا كان فقْد الغيرة على العرض سبباً في مسخ بعض الناس حيوانات, وسَلبِهم روح الإيمان, ولعنِهم وتحريمِ الجنة عليهم, كما ورد في كثير من الروايات, فما بالك بمن لا يغار على دينه ومذهبه مع كونه يراه حقاً ويرى كل ما سواه باطلاً، وفي حين أن الدين أصل كل الفضائل ومنها الغيرة؟
🔹بل ما بالك بمن يغضب ويعادي ويحارب لأجل الدفاع عن أبسط المصالح الدنيوية, مما لا يعدو كونه من حطام الدنيا الفانية, إذا شعر أن الآخرين يريدون سلبه إياها, ويكون مصداقاًَ لما وصف به الله تعالى اليهود قائلاً: *{وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة}*, بينما تراه يسمع بأن المقدسات الدينية تُنتهك, والشعائر الدينية تُوهَّن وتُحارَب, وكرامات الأنبياء والأئمة (عليه السلام) تُهتك, ويُنسب إليهم ما لا يَقبل المؤمن العادي بأن يُنسب إلى نفسه, كل ذلك أمام الملأ وفي الكتب وعلى صفحات الجرائد والمجلات, ورغم ذلك كلِّه لا يحرك ساكناً, ولا ينبض له عِرق غضب, ولا تأخذه حميَّة على دين, بل يحاول إخفاء دِياثته هذه بالاختباء خلف شعارات خدَّاعة من قبيل: *(الانفتاح, والعصرنة، والحداثة, والحرية، واحترام الرأي الآخر, والإنصاف، والموضوعية، والوحدة، ودَرء الفتنة و..)*, إلى غير ذلك مما لا نجد له عيناً ولا أثراً عندما يكون المهاجَمُ والمحارَبُ هو ذاتَه المقدَّسة ومصالحه الشخصية, وأهواءه ومشتهياته الحيوانية؟ 
‼والسبب الحقيقي وراء ذلك قد بيَّنه القرآن الكريم بقوله: *{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}*. 
وقد قال الله تعالى: *{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}*. 
🔹فبيَّن أن من أعظم الفسق أن يتخاذل المرء عن نصرة الله ورسوله (صلى الله عليه واله) حفاظاً على حطام الحياة الدنيا, وأن صفة المؤمن الواقعي أن يكون الله ورسوله ’ أحبَّ إليه من كل شيء, أهله وماله ونفسه وعشيرته. 
🔹ولذلك رُوي عن رسول الله (صلى الله عليه واله) متواتراً أنه قال:
*(لا يؤمن عبد حتى أكونَ أحبَّ إليه من نفسه, وتكونَ عترتي أحبَّ إليه من عترته, ويكونَ أهلي أحبَّ إليه من أهله, ويكونَ ذاتي أحبَّ إليه من ذاته)*.
🔹ولكن لما كان من السهل لكلِّ أحد أن يدَّعي أن رسول الله (صلى الله عليه واله) أحبُّ إليه من كل شيء حتى من نفسه, ليترتب عليه أنه مؤمن واقعي, ولو كان هو في الواقع أعدى أعداء النبي وعترته الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين, أعطى (صلى الله عليه واله) ضابطة وعلامة يميَّز من خلالها الصادق في دعواه هذه من الكاذب, والمنافق من المؤمن. 
🔹وهذه الضابطة هي ما رواه الشيخ الطوسي (رحمه الله ) في أماليه بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه واله):
*(لا يكون العبد مؤمناً حتى أكونَ أحبَّ إليه من نفسه ومن ولده وماله وأهله.*
*قال: فقال بعض القوم: يا رسول الله، إنا لنجد ذلك بأنفسنا.*
*فقال (صلى الله عليه واله): بل أنا أحبُّ إلى المؤمنين من أنفسهم.*
*ثم قال: أرأيتم لو أن رجلاً سطا على واحد منكم فنال منه باللسان واليد، كان العفو عنه أفضل أم السطوة عليه والانتقام منه؟*
*قالوا: بل العفو، يا رسول الله.*
*قال: أفرأيتم لو أن رجلاً ذكرني عند أحد منكم بسوء وتناولني بيده كان الانتقام منه والسطوة عليه أفضل أم العفو عنه؟*
*قالوا: بل الانتقام منه أفضل.*
*قال: فأنا إذن أحبُّ إليكم من أنفسك)*.
🔹فنبه (صلى الله عليه واله) ببيانه أنه وإن كان كل مسلم يمكنه أن يدعي أن النبي (صلى الله عليه واله) وعترته (عليهم اليلام) أحبُّ إليه من نفسه وعترته, إلا أن الذي يكشف صدق هذه الدعوى من كذبها هو: *(أن يكون الإنسان كما يسطو وينتقم إذا اعتُدي عليه أو على عترته, فكذلك إذا اعتُدي على النبي (صلى الله عليه واله) وعلى عترته (عليهم السلام) فإنه يسطو وينتقم, حتى لو كان نوع الاعتداء مما يمكن أن يعفوَ عنه فيما لو كان متوجهاً إلى نفسه وعياله)*.
وبعبارة أخرى: *(أن يكون ممن يغضب لله تعالى ولرسوله (صلى الله عليه واله) ولأهل بيته (عليهم السلام)كما يغضب لنفسه وأهله وعياله, بل أزيد وأشد)*.
‼ولكن للأسف أكثر الناس على خلاف هذه الصفة, وليس شيء أدلَّ على ذلك مما نراه من أنّه لو أقدم شخص ما على هتك أو إهانة أحد رجالات السياسة أو شعب من الشعوب، فإن هذا الشخص سيكون عرضة لعاصفة من الاعتراضات والإدانات من جميع الجوانب في الداخل والخارج.
‼وكذلك الأمر إذا ما وجِّهت إهانة لفئة من الناس في بلد ما، فإن الحكومة والشعب سيهبّان للدفاع عن تلك الفئة.
‼وفي المقابل، إذا ما تعرَّض أحد ما أو جماعة معينة بالقدح والذم للدين أو لبعض مقدساته، فإن المسألة تُصنّف باعتبارها حرية رأي، وينبري من يدعو إلى التزام الصمت بدعوى أنه لا يجوز إثارة الشقاق والخلافات.
‼وليس من المبالغة في شيء القول بأنه ما من مظلوم في هذا العالم هو أشد مظلومية من الله (عز وجل) خالقِ جميع الظالمين والمظلومين والقاهر فوقهم، ومن النبيِّ (صلى الله عليه واله) والأئمةِ المعصومين (عليهم السلام) وأصول الدين وضرورياته، لا سيما أنه بات في مقدور أيٍّ كان النيلُ من كرامة النبي والأئمة (عليهم السلام), أو إسقاط وتحريف ما يحلو له من أصول الدين وضرورياته.
🔹ولكن، إذا تعرَّض أحد ما وخالف أو وجَّه اعتراضاً على وجيه في المجتمع سواء كان دينياً أم حزبياً أم اجتماعياً أم غير ذلك، يصبح واجباً ـ بل أهم الواجبات على الإطلاق الدفاع عن هؤلاء, حتى لو أدى ذلك إلى إثارة الفتنة والشقاق وسفك الدماء, بل عند بعضهم حتى لو أدى إلى هدم الدين أصولاً وفروعاً.
🔹وأما إذا تعرَّض مطلق شخص لدين فئة عظيمة كبيرة تعتقد بعقيدة أهل البيت (عليهم السلام)، فإن كل من يدافع عن دينه يُعتبر مثيراً للشقاق والفتنة, ويُتَّهم بالعمالة للغرب وللاستكبار العالمي وبكونه مدعوماً من الاستخبارات العالمية، ولكن الإنصاف أن هذه التهم لا تنطلق إلا من الاستخبارات العالمية، حيث إنها تستفيد من هذه السياسة لصرف الأفكار والأقلام عن التوجه إلى العملاء الذين يعملون لصالحها واقعاً من خلال نشرهم الانحرافات والتشكيكات في عقائد الشيعة ومقدساتها وذلك بتسليط الضوء وتوجيه الأفكار والأقلام والخطابات إلى المدافعين عن الدين والمحاربين للبدع والمبادرة إلى اتهامهم!!.
📔 انفلونزا التغيير الشيخ محمد موسى حيدر

يشرفنا أن تشاركنا بتعليقك

اكتشاف المزيد من شبكة نور الإحقاقي

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة