روى شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي -رضي الله عنه- بسند صحيح عن الصادق -عليه السلام انه قال : ( لا ينقض الوضوء إلا حدث والنوم حدث ).
الجواب
اقول : هذا الحديث دال على ان النوم ينقض الوضوء لانه حدث والحدث ينقض الوضوء .
أما انه حدث فلنص الصادق -عليه السلام- في هذا الحديث على ذلك والاصل في الاستعمال الحقيقة لا يقال ان العرب لا تعرف ذلك لانا نقول ان العرب انما يعرفون من العربية القليل وهو ما يحتاجونه اليه في محاوراتهم واكثر المعاني لا يعرفونها مع انها موجودة عند اهلها وانما وصلت اليهم بتعليم الله سبحانه الذي خلق ( اللغة ) وانما التعليم بواسطة الالفاظ الموضوعة لها .
فالله سبحانه اخبر نبيه -صلى الله عليه وآله- بان النوم حدث كما أخبره بان البول والغائط حدث فهو في الحقيقة حدث شرعاً ولغة . اما الظاهر فكما سمعت واما في الحقيقة فلان النوم عبارة عن الوفاة الحادثة عن اجتماع النفس الحيوانية الحسية المتعلقة بالابخرة المتقومة بها الحرارة الغريزية في القلب وصرف وجهها الى جهتها العليا ويبقى شعاعها الذي هو الحرارة الغريزية متعلقاً باقطار البدن وهو الرابط للحيا بالبدن حال النوم .
فاذا انصرف عن اقطار البدن واجتمع في القلب وتوجه الى العالم المثالي اظلمت تلك الاقطار وذبلت وبردت وهو الحدث بخروج النفس الذي هو ظاهرها عن اقطار البدن واجتماعها في القلب وهو الموت الأصغر وإذا خرجت مع الابخرة الحرارة الغريزية عن تلك الاقطار وعن القلب حصل البرد الكلي والذبول التام والظلمة الغاسقة وهو الحدث الاكبر لخروجه مع الحرارة الغريزية الكامنة في النطفة وتلك الابخرة المتقومة بها الحرارة الغريزية هي المعبر عنها بالنطفة التي خلق منها كما في حديث العلل وهو الموت الاكبر .
فكما ان خروج المني ودم الحيض مثلاً اللذين هما صفو الغذاء ومركب الحرارة الغريزية موجب للحدث الاكبر وخروج البول والغائط اللذين هما ثقل الكيلوس موجب للحدث الاصغر لانهما ظاهر ذلك الصفو صفو الغذاء الذي هو الكيموس كذلك خروج الابخرة مع الحرارة الغريزية جميعها باصلها موجب للحدث الاكبر وخروج نظرها بوجه الحرارة الذي هو ظاهرها موج للحدث الاصغر فالنوم حدث في نفسه مثل حدث البول والغائط فتفهم ما اشرنا اليه تفهم .
واورد على هذا الحديث اشكال لانه من ثاني الاشكال وشرطه اختلاف المقدمتين كيفاً وكلية كبراه والاولى على ما يظهر منها مركبة من سالبة وهي لا ينقض الوضوء غير الحدث ومن موجبة وهي ينقض الوضوء حدث . فلما تضمنت الصغرى المقدمتين المذكورتين تعذر على ظاهر ذلك الانتاج اما على الاولى فلعدم تكرر الوسط لان غير الحدث ليس بحدث واما على الثانية فلعدم شرط الانتاج وهو الاختلاف كيفاً
والجواب : انه ليس المراد بالحدث حدثاً معيناً ولا حدثاً ما بل المراد به كل حدث كما هو ظاهر فتكون في قوة كل حدث ناقض للوضوء فيصير من الشكل الرابع فحصل شرطه وهو ايجاب المقدمتين وكلية الصغرى العموم كما هو المراد من كلامه -عليه السلام- كا محمول الكبرى احد افراده ويكون الوسط متكرراً فلا حاجة الى رده الى الرابع او الاول لان النوم حدث في الحقيقة بحكم الكلية الاستغراق حرف التعريف والنوم في الحقيقة حدث كما تقدم بيانه .
ثم ان النوم الغالب على الحاستين ناقض للطهارة باجماع الفرقة المحقة بعد الصدوقين كما نقله العلماء عن الصدوقين . والموجود في ( الفقيه ) في باب ما ينقض الوضوء من رواية زرارة عنهما -عليهما السلام- الى ان قال : من غائط او بول او مني او ريح والنوم حتى يذهب ولا ينقض الوضوء ما سوى ذلك . وهذا صريح بان النوم ناقض عنده لاسيما مع ذكره في هذا الكتاب الذي اعتماده على ما يورده فيه .
نعم اورد بعد ذلك رواية سماعة وهي دالة على ما نقل عنه ظاهراً ولعله اراد منها ما لم يذهب عقله فانه اذا ذهب عقله في الغالب انفرج ولا يكاد يستمسك بدليل ما ذكره في ( المقنع ) فانه قال فيه: وان نمت وانت جالس في الصلاة فان العين قد تنام من العبد والاذن تسمع فاذا سمعت الاذن فلا بأس وهو شاهد لما قلنا له.
نعم بعد هذا الكلام ظاهر كلامه انما الوضوء مما وجدت ريحه او سمعت صوته يدل باداة الحصر على ان النوم عنده ليس بناقض في نفسه وانما ينقض لانه مظنة للناقض فلو قيل انما خالف الاصحاب في كونه ناقضاً بنفسه لم يكن بعيداً كما في ( المقنع ) واما ان عنده ليس بناقض مطلقاً فلا كما نقلناه عنه ونقل بعض عنه انه ادعى في الخصال الاجماع على النقض به . وبالجملة فهو ناقض بالاجماع .
المصدر : تفسير بعض اخبار اهل العصمة سلام الله عليهم.
المؤلف : العبد المسكين احمد بن زين الدين الاحسائي .