[[ علم الرجال الناصبي و دوره في تحطيم حديث أهل البيت صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين (٨) ]]
النتيجةُ التي وصلتُ إليها في الحلقتين المُتقدِّمتين أعني الحلقة الثالثة و الرابعة :
علم الرجال سيفٌ قاطعٌ دمَّر حديث أهل بيت العصمة ..!!
علم الرجال مرضٌ فَتَك في ثقافةِ التشيُّع ..!!
علم الرجال جسرٌ واصلٌ بالفِكر المخالف لأهل البيت ، و بوّابةٌ فُتِحت على الشيعة دخلَ من خلالها الكثير و الكثير من الفكر المخالف لأهل البيت ، و ثبتت بذلك أركانُ عقيدةِ التقصير ، و المُقَصِّرون ، أو المُقَصِّرَةُ هم الذين تحدَّثت عنهم الروايات و وصفتُهم بأنهم أعداءُ أهل البيت و هم من الشيعة ، كلماتُ أهل البيت تقول بأنَّ النُّصَّابَ ( الذين ينصبون العداء ) هم أعداء شيعتنا ، و أمَّا المُقَصِّرَةُ فهم أعداؤنا ، و هم من الشيعة و خصوصاً العلماء و الفقهاء مِمَّن يُظهرون الولاية و البراءة و لكنَّهم يُقصِّرونَ في عقيدتهم ، و هذا واضحٌ من كلمات أهل بيت العصمة ..النواصب أعداءُ شيعتنا ، و المُقَصِّرَةُ و هم من الشيعةِ أعداؤنا …هذه هي كلماتُ إمامنا الصادق صلوات الله و سلامه عليه الذي ثبَّت بها ركائزَ العقيدة و المُقَصِّرَةُ هو نتاجُ علم الرجال ، فعلم الرجال هو الأساس الذي نشأت عليه عقيدة التقصير في ساحة الثقافة الشيعية ..!!
في هذه الحلقة سأُلقي نظرةً عامَّة في جوِّ علم الرجال ، في جوِّ الكُتُبِ الرِّجالية ، و كذلك أُلقي نظرةً سريعةً حول ما يتعاملُ بهِ عُلماؤنا و مراجعنا وفقاً لعلمِ الرجال مع حديثِ أهل البيت ، و الآن آخُذُ أمثلةً سريعةً إذ أنَّني في برنامجٍ تلفزيونيٍّ و في بثٍّ مباشرٍ لا أستطيع كُلِّ صغيرةٍ و كبيرة ، و لا أستطيع أن أورد الأمثلة الكثيرة جداً و هي فعلاً كثيرةٌ و كثيرةٌ و كثيرة ..!!
أبدأُ من الأصول الرجالية ..
مقصودي من الأصول الرجالية : هو الكتب التي بدأ الشيعةُ يُصنِّفونها في هذا العلم ، فهم في زمان الأئمة لم يُصنِّفوا كتاباً في علم الرجال ، قد يقول قائلٌ فلانٌ من المُحدِّثين كَتَبَ كتاباً ذَكَرَ فيهِ أسماءَ أصحابِ أمير المؤمنين ، و لكن هذا ما هو بكتاب رجالٍ ، و لا أريد الخوض في مثلِ هذه التفاصيل التي لا فائدة فيها أصلاً ، كُتُبُ الرجال التي تُسمَّى بالأصول الرجالية هي كُتبٌ أربعة :
_(رجال الكَشّي) .
_(رجال النجاشي) .
_(فهرستُ الطوسي) .
_(رجال الطوسي) .
_و هناك من يُضيف (رجال ابن الغضائري) الكتاب الذي لا وجود له أصلاً !!
و سأتحدّث عن هذه الكتب بشكلٍ مختصر…أعطيكم فكرة موجزة عن هذه الكتب ..هذه هي أوّلُ الكتب التي ألّفها علماءُ الشيعة في علم الرجال ، بعد أن تأثّروا بالفكر المخالف لأهل البيت و نقلوا طريقتهم ، و بدأ التراكم في التأليف على أساس هذه الكتب ، فالّذين ألّفوا بعد ذلك تراهم يجمعون الأقوال من هذه الكُتُب في كتابٍ واحد ، و الَّذي يأتي بعد هذا الجامع أيضاً يُؤلّفُ جامعاً آخر ، فيعتبر قولَ الجامع للكتب السابقة قولاً جديداً و يُضيفهُ ، و هكذا تراكمٌ و لكن ما هو بتراكمٍ علمي أبداً ، و لا أريد الخوض في هذه القضية .
أول هذه الكُتُب الكتاب المعروف ب(رجال الكشي) : رجالُ الكشي النسخة الأصلية ليست موجودة ، فالنُسخةُ الأصلية كانت أكبر من هذه النسخة التي بين يديّ و قد وضعَ فيها الكشي الذي يُعتقَد أنَّهُ توفي سنة : ٣٨٦ للهجرة ، الغيبةُ الصغرى متى انتهت ؟ انتهت في الخامس عشر من شهر شعبان سنة : ٣٢٩ للهجرة ، و هذا التأريخ مهم جدَّاً لأنَّ التبدُّلات و الإنحرافات في الساحة الشيعية حدثت بعد هذا التأريخ ، الغيبة الصغرى انتهت و في نفس الوقت بدأت الغيبة الكبرى في الخامس عشر من شهر شعبان سنة : ٣٢٩ للهجرة ، و الكشِّي متوفى سنة : ٣٨٦ ، و ربّما أكثر من ذلك و لكن نحنُ نتملكُ دليلاً قاطعاً أو واضحاً ، هو بالنتيجة توفي و عاشَ بعد نهايةِ الغيبة الصغرى ، عاش في أوائل الغيبة الكبرى ، و توفّي في أُخريات القرن الرابع للهجرة ، فهناك من يقول أنَّهُ توفي سنة : ٣٨٦ ، و هذا الكلام ليس دقيقاً و لكنَّهُ بشكلٍ تقريبي ، و رجالُ الكشي هو أقدم الكتب ، و كما قُلتُ فإنَّ النسخة الأصلية ليست موجودة ، الشيخ الطوسي الذي تُوفي سنة : ٤٦٠ للهجرة على ما هو معروف أو مشهور ، عَمَدَ إلى رجال الكشي و اختصره ، حَذَفَ منهُ المُخالفين ، و جَمع أسماء الرّواة الشيعة و سمّى الكتاب : (إختيار معرفة الرجال) ، يعني الكتاب المعروف برجال الكشي (معرفة الرجال) الذي كَتَبهُ الكشّي بنفسهِ نحنُ الآن لا نمتلك منه نُسخةً ، و النُّسخة الموجودة هي ما اختارهُ الشيخ الطوسي من كتاب معرفة الرجال أو ما يسمّى برجال الكشي ، و كلُّ الذين تحدَّثوا عنه و حتَّى الشيخ الطوسي وصفهُ بهذا الوصف ، و هو أنَّ الكتاب كثيرُ الأغلاط فجاء الشيخُ الطوسي فاختار منهُ ما اختار ، و لكن النسخةُ التي كتبها الشيخُ الطوسي هل هي بأيدينا ؟ من خلالِ التَتَبُّع يبدو أنَّ النُسخة المتوفرة الآن ليست هي بالضبط النسخة التي كتبها الشيخُ الطوسي .
السيد ابنُ طاووس ، نحنُ عندنا أكثر من عَلَم من أعلام الشيعة معروف بابن طاووس و هم من أُسرة واحدة و أقرباء ، السيد ابن طاووس الذي أتحدَّث عنهُ هنا هو السيد رضي الدين علي ابن موسى ابن طاووس ، المتوفى سنة : ٦٦٤ للهجرة ، في كتابهِ : (فَرجُ المهموم) ، هو يقول و يتحدَّث عن مقدمة كتاب رجال الكشي الذي اختارهُ الشيخ الطوسي ، فماذا في هذه المقدمة ؟ يقول :
(فهذا لفظُ ما وجدناه أملى علينا الشيخُ الجليل الموفق أبو جعفرٍ محمد ابن الحسن ابن علي الطوسي ..) إلى آخر الكلام ، نحنُ إذا جئنا إلى النسخة المتوفرة الآن بين أيدينا ، هذه المقدمة التي ذكرها السيد ابن طاووس المتوفى سنة : ٦٦٤ ليست موجودة في هذا الكتاب ، و هذه النسخة هي النسخة المُتداولة الآن بين علمائنا ، فإلى أيِّ شيءٍ وصلنا ؟
أولاً _: النسخة الأصلية التي كتبها الكشي بنفسهِ ليست موجودة ، و هذا الكلام الذي ذكرَهُ السيد ابن طاووس المتوفى سنة : ٦٦٤ للهجرة ، من مُقدِّمة الكتاب الذي كَتَبَهُ الشيخُ الطوسي ليس موجوداً في النسخة التي بين أيدينا ، إذاً هذه النسخة ليست هي الكتاب الأصل للكشي هذا أولاً .
و ثانياً_: ليست هي النسخة الأصل التي كتبها الشيخُ الطوسي و أملاها على تلامذتهِ .
و الكتابُ الذي بين أيدينا هو كتابُ حديثٍ و ما هو بكتاب رجال ، كتابُ الرجال بحسبِ ما رسمَهُ الرجاليّون هو أن يُذكَر فيه الرُّواةُ بإقوالِ الرجاليين ، بأقوالِ نفس الرجالي الذي ألّفَ الكتاب أو أنَّهُ ينقلُ أقوالاً عن رجاليين سبقوه ، أمَّا رجالُ الكشي فموجودٌ بين أيديكم و ارجعوا إليه فهو كتابٌ حديثيٌّ فيه رواياتٌ و أحاديث ، و كُلُّ روايةٍ لها سند ، و أسانيدُ هذه الروايات بحاجةٍ إلى كتابٍ ثانٍ يُوثِّق أو لا يُوثِّق هؤلاء الذين ذُكِروا في هذه الأسانيد …و إلَّا كيف سنتعامل مع هذه الروايات التي لها أسانيد ؟ هل نقبلُها هكذا من دونِ تدقيقِ أسانيدها ، أفليس علمُ الرجال هو لتدقيقِ الأسانيد ؟ فرجالُ الكشي عبارة عن كتاب حديثٍ جُمِعت فيه أحاديثُ عن أهل بيت العصمة ، هذه الأحاديث لها أسانيد ، فحينما تأتي مثلاً رواية عن إمامنا الصادق رواها فلان عن فلان عن فلان و أنَّ الإمام الصادق قال في حقِّ محمد ابن مسلم كذا ، علمُ الرجال أليس أساسهُ مبني على مُناقشة السند ؟ فكيف العمل مع هذه الروايات التي لها أسانيد ؟ أليس المفروض أن يكون هناك كتابٌ آخر نرجعُ إليه و نُحاول أن نعرفَ تقييم الرواة الذين جاء ذكرُهم في أسانيد رواياتِ رجال الكشي ؟!
فهل هذا الكتاب كتابُ رجال ؟!
كلّا ، هذا الكتاب كتابُ حديث ، صحيح أنَّ الروايات التي وردت في هذا الكتاب هي روايات عن الأئمة لتقييم أصحابهم قدحاً أو مدحاً ، و لكن في أغلب الأحيان نجد أنَّ الروايات في نفسِ الوقت تكون قادحة و مادحة لنفس الشخص ، و لهذه الروايات أسانيد ، فبحسبِ علم الرجال لابُدَّ أن تُشخّص هذه الأسانيد فلابدّ من كتابٍ ثانٍ يُلحق بهذا الكتاب لتشخيص الأسانيد ، و بالتالي سقطَ هذا الكتاب عن رجاليّتهِ ..فأيُّ رجاليّةٍ في هذا الكتاب ؟!
هذا هو رجالُ الكشي ، و الرجاليون لا يهتمّون به كثيراً ، إنَّما يذكرون كلامه على سبيل الحشو في كتبهم ، أي لأجلِ تكثيرِ الكلامِ و المعلومات العامّة ، هذه هي الحقيقة ، و ذلك لعدمِ وجودِ معلوماتٍ عن رواة الحديث الذين نقلوا لنا حديثَ أهل البيت ، فماذا يصنعُ الرجاليون ؟ يجمعون كُلَّ شَيءٍ فينتفعونَ من رجال الكشي لحشو كتبهم !!
(رجال النجاشي) : و رُبَّما يكون هذا الكتاب هو الكتاب المهم عند علماء الشيعة ..
أولاً : دعونا نُلقي نظرة على محتويات هذا الكتاب ، عدد الأسماء التي وردت في هذا الكتاب : ١٢٦٩ ، و هو عددٌ قليل ، حتى لو نفترض أنَّ هذا العدد كُلُّه قد وُثِّق فهو لا يُشَكِّلُ شيئاً من عددِ الرُّواة الذين رووا أحاديث أهل البيت ..!! هذا هو أهمّ كتاب عند علماء الشيعة ، و لذلك نُلاحظ أنّ علماء الشيعة يُمجِّدون بالنجاشي ، لماذا ؟ لأنهم لا يمتلكون كتاباً غير هذا الكتاب فيه توثيقٌ و قدحٌ ، هذه هي الحقيقة ، فرجال الكشي كتابُ روايات ، و النسخة الأصلية ليست موجودة ، و نسخة الطوسي كما ذكرَ السيد ابن طاووس مُقدمّتها ليست موجودةً في النسخة التي بين أيدينا ، فلربّما حدث في الكتاب تغييرٌ و تغيير ..!!
_العدد الكلي لأسماء الرّواة و أسماء الرجال في رجال النجاشي : ١٢٦٩ .
_الذين وثّقهم : ٥٥٦ .
_و الذين مدحهم من دون توثيق : ١٢٧ .
يعني عدد الموثّقين و الممدوحين : ٦٨٣ .
_الذين لم يُمدَحوا و لم يُقدحوا ٤٣٠ ، و هؤلاء بحسب قواعدِ علم الرجال لا يُنتفَعُ من رواياتهم .
_الذين ضعَّفَهم : ١٣١ .
_المخالفون ، أي الذين ليسوا من الشيعة : ١٦ .
_المجهولون الذين وصفَهُم بالمجاهيل عددهم : ٩ .
فعددُ الثقات و عدد الممدوحين معاً : ٦٨٣ ، و هؤلاء لا يُشكِّلون شيئاً في عددِ رواة حديثِ أهل البيت ، هذا هو مضمون الكتاب و هذا محتواه !!
و رجال النجاشي طرأ عليهِ تحريف ..
التحريفُ الأول : في اسمهِ “رجال النجاشي”..هذا الكتاب حين ألّفهُ النجاشي [ النجاشي متوفى سنة : ٤٥٠ للهجرة ، يعني بعد الكشي ، قُلنا الكشي نهايات القرن الرابع : ٤٥٠ ، يعني بالضبط منتصف القرن الخامس ] لم يُسَمِّه الرجال و إنما سمّاهُ : (الفهرست) ، و كلمةُ الفهرست إذا كُنَّا مُدققين في العلم فهي لا علاقةَ لها بعلم الرجال إطلاقاً ، الفهرست و الفهارس و الفهرسة هو فنٌّ في التأليف ، لأيِّ شيءٍ ؟ لجمع أسماء المؤلفين و أسماء كتبهم ، و هذا شيءٌ لا علاقةَ لهُ بعلم الرجال ، كما هو في كتاب مثلاً : (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) ، هذا الكتابُ الكبير هو فهرسةٌ لمؤلّفي الشيعة و كتبهم و ليس كتاباً رجاليّاً ، أو كما عند السنة كتاب معروف : (كشف الظنون) ، و هذا ما هو بكتابٌ رجالي ، و هناك كتابٌ قديم معروف و ربّما تأثرَّ بهِ النجاشي و هو : (فهرستُ ابنُ النديم) ، فهرستُ ابنُ النديم كتاب قديم و كان في نفس الفترة الزمنية التي أُلّفت فيها هذه الكتب ، فهذا الكتاب اسمهُ الفهرست ، و حين يكون اسمهُ الفهرست فليس له علاقةٌ حينئذٍ بعلمِ الرجال .
من الَّذي سمّاه “رجال النجاشي” ؟
الذي حرَّف اسمَهُ هو العلّامة الحلّي رضوان الله تعالى عليه و أيضاً ابنُ داوود الحلي ، عَلَمان معروفان من عُلماءنا هُما اللذان غيَّرا عنوان كتاب الفهرست للنجاشي إلى رجال النجاشي و ذاع هذا العنوان ، و قضية العنوان في غاية الأهمية ..نحنُ إذا قرأنا المقدمة سنجد أنَّ العنوان لا ينطبق على الكتاب و أنَّ ما ينطبق عليه هو عنوان الفهرست ، و بالتالي إذا كان هذا الكتاب فهرستاً فكيف أُقحِم و جُعِلَ ضمنَ كُتبِ علم الرجال ؟! و صار النجاشي ذلك الخبير في الصناعة و الخرّيت كما يصفونَهُ ؟! السبب هو أنَّهم لا يمتلكون كتاباً آخر يطبّقون به علمَ الرجال ..ماذا يقول العلّامة ؟..
(أمَّا بعد فَإنِّي وقفتُ على ما ذكرَهُ السيِّدُ الشريف أطال الله بقاءه و أدامَ توفيقَه _ لا يُعرَف من هو هذا السيد الشريف ، البعض من العلماء تخرُّصاً يقول هو السيد المرتضى ، و إلَّا فلا دليلَ على ذلك _ أمَّا بعد فَإنِّي وقفتُ على ما ذكرَهُ السيِّدُ الشريف أطال الله بقاءه و أدامَ توفيقَه من تَعيير قومٍ من مُخالفينا أنَّهُ لا سَلَفَ لكم و لا مُصَنَّف أو لا مُصَنِّف _ يعني أنتم أيها الشيعة ما عندكم مؤلفون و ما عندكم مؤلفات _ و هذا قَولُ من لا عِلمَ لَهُ بالناس و لا وقفَ على أخبارِهِم و لا عرفَ منازلهم و تاريخَ أخبارِ أهل العلم و لا لَقي أحداً فيَعرِفُ منه و لا حجَّةَ علينا لِمن لم يعلم و لا عَرَف ، و قد جَمَعتُ من ذلك ما استَطَعتُه _ ما استطعتهُ من جمعِ أسماء المؤلفين ، هذا هو المراد فهو يتحدّث عن مؤلفين _ و لَم أبلُغ غايَتَه لعدَمِ أكثرِ الكُتُب_ لأنَّ الكُتُب لم تَكُن متوفِّرة حتى يعرف أسماءها و يُشخِّص مؤلفيها و يجعل أسماء المؤلفين و أسماء الكُتُب في هذا الكتاب _ و إنما ذكرتُ ذلك عُذراً إلى مَن وقعَ إليهِ كتاب لم أذكُره _ لم يعتذر عن عدم ذكرِ راوٍ من رواة الحديث ، و إنما هو يتحدَّثُ عن كتبٍ _ و إنما ذكرتُ ذلك عُذراً إلى مَن وقعَ إليهِ كتابٌ لم أذكُره و قد جَعلتُ للأسماءِ أبواباً على الحروف ليهون على المُلتمِس لإسمٍ مخصوصٍ منها و ها أنا أذكرُ المُتقدِّمين في التصنيف _ أي التأليف _ مِن سَلَفنا الصالح و هي أسماءٌ قليلة ، و من اللهِ أستمدُّ المعونة ، على أنَّ لأصحابنا رحمهم الله في بعض هذا الفن _ في فن الفهرسة _ كُتُباً ليست مُستغرقةً لجميعِ ما رسمه و أرجو أن يأتي في ذلك على ما رُسِم و حُدّ إن شاءَ اللهُ تعالى ، و ذكرتُ لرجُلٍ طريقاً واحداً حتَّى لا تكثر الطرق فيخرج عن الغرض _ ذكرتُ لرجلٍ طريقاً واحداً ، لأنَّهُ ليس مُهتمّاً بالطرق و الأسانيد ، لو كان مُهتماً بالطرق و الأسانيد لذكرها ، و إنَّما أراد من ذكرهِ لهذا الطريق الواحد هو أن تُوثَّقَ هذه الكتب ، أي ليثبت أنَّ هذا الكتاب مثلاً هو فعلاً للمؤلِّف الفلاني _ و ذكرتُ لرجلٍ طريقاً واحداً حتَّى لا تكثر الطرق فيخرج عن الغرض ))_ فيخرج هذا الفهرست عن الغرض الذي أُلِّفَ له ، فما هو بكتاب للأسانيد و الطرق ، و لا هو بكتاب للرجال و لرواة الحديث ، و إنما هو كتاب لذكرِ المؤلِّفين و الكتب .
فكيف يُقال بأنَّ النجاشي هو أكثرُ الناس علماً بالرجال ؟ من أين جاء علمهُ بالرجال و الرجل ألَّف الكتاب حول المؤلّفينَ و الكتب ؟ و من قرأ الكتابَ من أوّلهِ إلى آخرهِ يجد أنّ النجاشي يهتم بقضيتين :
القضية الأولى : هي أنّه يُحاول أن يُثبِت عروبة الكثيرين من مؤلفي الشيعة ، بإعتبار أنَّ الذين عيّرونا من المخالفين قالوا : لا سلفَ لكم من العرب ، هو هذا المراد ، فلذلك يُصِرّ على أن يذكر أنسابَ الرّواة إلى أبعد ما يمكن من أجدادهم العرب و من قبائلهم ، فهو يهتمّ بهذه القضية ، و الرجلُ يبدو عندهُ معرفة بأنسابِ العرب و لكنّه لا يمتلك معرفةً بالرجال ، رجال الحديث ، و هذا يبدو من سيرتهِ فهو يكتب ترجمةً شخصيةً له و يذكرُ فيها مؤلّفاتهِ ، فما هي مؤلّفاته ؟
_له كتاب : (الجمعة و ما وردَ فيهِ من الأعمال ) .
_و كتاب : (الكوفة و ما فيها من الآثار و الفضائل) .
_و كتاب : (مختصرُ الأنوار و مواضع النجوم التي سمّتها العرب) .
هذه كتب النجاشي ، و لا علاقة لهذه الكتب بعلم الرجال فأيُّ كتابٍ من هذه الكتب له علاقة بعلم الرجال ؟! هذا هو يُترجِمُ لنفسهِ ، هذه الطبعة التي بين يدي طبعة مؤسسة النشر الإسلامي ، قم المقدسة ، صفحة : ١٠١ ، رقم الترجمة : ٢٥٣ ، النجاشي يُترجِمُ لنفسهِ و يُعدِّد كتبهُ و ما عندهُ كتاب واحد في الرجال ، الرجل يتحدَّث عن أنسابِ العرب ، و هذه القضية واضحة في كتابهِ ، فهو حينما يتحدَّث عن راوٍ من رواة الحديث ، أو عن مؤلِّف من المؤلفين ، فحينما يتحدَّث و يذكر كُتبهُ يحاول أن ينسبهُ إلى أعمق ما يُمكن في بطونِ و أصولِ القبائل العربية ، فتركيزه هو على تشخيصِ المؤلفين العرب الشيعة في هذا الكتاب ، و على ذكر الكتب و المؤلفات ، صحيحٌ أنّه يقول عن بعض الرّواة هذا ثقةٌ و ذلك ليسَ بثقةٍ ، و لكن هذه معلوماتٌ لم يُبيّن لنا مصادرَها ، فكيف يُطمَئنُّ لها ..؟!
عجبا ، علماءُ الشيعة يُطالبون حديثَ أهل البيت أن تكون له مصادر ، فلماذا يأخذون بكلامِ النجاشي و كلامُ النجاشي ليست له مصادر ..؟!
فهو لم يذكر لنا المصادر التي اعتمدها ، النجاشي توفي سنة : ٤٥٠ ، و هو يتحدَّث عن رواة توفّوا قبلهُ بمائتين أو ثلاثمائة سنة أو أربعمائة سنة ، فمن أين جاء بهذه المعلومات و الشيعةُ لا تمتلك كُتُباً للرجال ، و الكتب الرجالية التي سبقتهُ أيضاً هو هذا كتابُ الكشي و قد تبيّن حاله ، إذن لا توجد كتب رجالية ، فمن أين جاء بهذه المعلومات ؟ أليس المفروض على علماء و مراجع الشيعة حين يأتون إلى أقوال النجاشي أن يتساءلوا عن مصادرها ؟! لماذا يأخذون بأقوال النجاشي من دونِ أن يسألوا عن مصدرها ، بينما حين يأتون إلى حديثِ أهل البيت ، و هو حديثٌ محفوظٌ بحفظِهم و برعايتِهم عليهم السلام فهم يفعلون ذلك ؟! ، أهل البيت لا يحفظونَ لنا كتاب النجاشي ..حديثُ الثقلين لا يشملُ كتابَ النجاشي ، حديثُ الثقلين يشملُ كتابَ الكافي و الفقيه و التهذيب و الإستبصار و باقي الكتب الشيعية ، أمَّا رجالُ النجاشي فلا يدخل تحت طائلةِ حديثِ الثقلين ، فلماذا علماء الشيعة يأتون إلى كلام النجاشي فيحكمون به على حديث أهل البيت ، و هم لا يسألون عن مصادرهِ و مصادرُ النجاشي لا يعرفها أحد ؟!
و ثانياً _: طريقتهُ في التوثيق لا يعرفها أحد ، و لم يذكر الرجل طريقته في التوثيق ، لأنَّ الكتاب ليس رجالياً فهو مجرّد فهرست ، و علماؤنا الأجلاء حرّفوا عنوان الكتاب من الفهرست إلى الرجال ، و قرأتُ لكم في المقدمة و لاحظتُم اهتمام الرجل بالمؤلِّفين و المؤلَّفات ، و لا شأن لهُ بالروايات و الرواة ..المقدمة موجودةٌ اقراؤها ، فلماذا يُعدُّ هذا الكتاب كتاباً في علم الرجال و يُذبَحُ بهِ حديثُ أهل البيت ، لماذا ؟!
أنا لن أحكُم في هذه القضية ، و إن كانت واضحةً عندي وضوحَ الشمس ..!! و لكن أنتم احكموا ..هذا منطقٌ رحماني أو منطقٌ شيطاني ..؟!
كتابٌ هو فهرست و ما هو بكتاب رجالٍ ، علماؤنا يُغيّرون اسمَهُ ، المقدمة واضحة لا علاقة للمؤلف بالروايات و الرواة …!! إقراؤها بدقّةٍ أنتُم و راجعوها ، إقراؤها بأنفُسِكم ، على طول الخط الكتاب يتحدَّث عن المؤلفين العرب ، الاهتمام هو بالمؤلفين و بالمؤلفات ، صحيح هو يمدح أو يذم بعضَ الأشخاص و ذكرتُ الأرقام المبيِّنة ، و رغمَ أنَّ عدد المذكورين قليل جداً في رجال النجاشي ، لكن لأنَّ علماء الشيعة لا يمتلكون كتاباً فيه توثيق و عدم توثيق أكثر من هذا الكتاب ، لذلك عدّوهُ الكتابَ الإمام في هذا العلم ، و بدّلوا العنوان من الفهرست إلى الرجال ، فصار هذا الكتاب يُدعَى “رجالُ النجاشي” ، و مع ذلك نحنُ و هذه الطبعة التي بين أيدينا و هي النسخة المعروفة المُتداولة بين العلماء .
سؤال : هل هناك من علماء الشيعة من عندهُ طريقٌ صحيح إلى كتاب رجال النجاشي ؟
لنقبل ، و لنترك كُلَّ الحديث السابق ، نحن لا يوجد عندنا و لا عالم واحد عندهُ طريقٌ صحيح إلى كتاب رجال النجاشي ، لماذا تُطالبون أن يكونَ فيما بينكم و بينَ حديثِ أهل البيت طريقٌ صحيحٌ ، و لا تُطالبون هذا الكتاب أن يكونَ فيما بينكم و بينه طريقٌ صحيح ؟! يا علماء الشيعة لماذا ..؟! منطقٌ رحماني هذا أم هو منطقٌ شيطاني ، أنتم احكموا ..!! يُطالب المرجعُ الشيعي و الفقيه الشيعي أن يكون فيما بينه و بين حديثِ أهل البيت طريقٌ صحيح ، لكن لا يُطالبُ أن يكون فيما بينهُ و بين رجالِ النجاشي مثلُ ذلك !!
_حديثُ أهل البيت مشمولٌ برعايةِ حديثِ الثقلين ( لن يفترقا ..) !!
_بينما النجاشي و أبو النجاشي و قبيلةُ النجاشي و ما هو برجالٍ فصاحبهُ سمّاه الفهرست ، هؤلاء ليسوا مشمولين بحديثِ الثقلين ..!!
لماذا لا تُطالبون و تبحثون عن طريقٍ صحيحٍ يوصلكم إلى رجال النجاشي ؟ النجاشي توفي سنة ٤٥٠ ، في نفس الكتاب صفحة : ٤٠٤ ، الترجمة ١٠٧٠ _ ( محمد ابن الحسن ابن حمزة ) _ النجاشي يُترجم له و يذكر أسماءَ كُتُبهِ : ( ماتَ رَحِمَهُ الله في يوم السبت سادس عشر شهر رمضان سنة ثلاث و ستين و أربعمائة و دُفن في دارهِ ) ، يبدو أنَّ النجاشي خرجَ من قبره ، النجاشي تُوفي سنة : ٤٥٠ ، و هنا في كتابهِ هذا يقول بأنّ الرجل تُوفي سنة ثلاث و ستين و أربعمائة ، ٤٦٣ ، يعني ثلاث عشر سنة بعد موت النجاشي ، فيبدو أنَّ النجاشي بعد ثلاث عشر سنة أخذ إجازة أو [ weekend ] و خرج فحضر تشييع محمد ابن الحسن ابن حمزة و حضر الدفن لأنه يقول : ( ماتَ رَحمَةُ الله في يوم السبت سادس عشر شهر رمضان ) ، لا ندري هل كان النجاشي صائماً أم لم يَكُن صائماً بعد أن خرج من قبره ( سنة ثلاث و ستين و أربعمائة و دُفن في دارهِ ) ، فخرج النجاشيُّ من قبرهِ و حضر دفن الرجل و لا ندري متى رجع إلى قبره ، أيُّ مهزلةٍ هذه ؟! حين تُدقِّقون في كتب الحديث و تجدون اضطراباً في الحديث تقلبون الدنيا في التشكيك ، هذا الكلام الذي مرّ ماذا يعني ؟ هذا يعني أنَّ هذا الكتاب عُبِثَ بهِ ، هناك من عَبثَ به ، فحتَّى لو سلَّمنا أنَّ هذا الكتاب كتابُ رجالٍ و هو كذب لأنه فهرست و ما هو برجال ، لكن لنتجاوز هذا الكذب ، و نقول كذبةٌ بيضاء ..!! نتجاوز هذا الكذب كما يقولون هم ، كما يقول بعضُ العلماء و أعتقد رأيتُم ذلك على التلفزيون كيف يكذبُ على المرجع و يقول و هو يقهقهُ “كذبةٌ بيضاء” ..!! فنقول كذبةٌ بيضاء ، فلنفترض هذا الكتاب كتابَ رجال ، لنفترض أنَّ النجاشي عالمٌ بالرجال ، بل نبيٌّ من الأنبياء في علم الرجال ..!! لكن يا مراجعنا هذه النسخة التي بين أيديكم نُسخةٌ مُزوّرة ، و الدليل هو هذا ، الدليل هو ذكرُ تأريخٍ لرجل توفي بعد النجاشي بثلاث عشر سنة ، فماذا تصنعون ، و ماذا تُرقِّعون ، ما هو ترقيعُكم ؟
الترقيع معروف و هو الادّعاء بأنّ بعضَ النُّساخ كتبَ هذا التاريخَ اشتباهاً ، و لكن هذا ترقيعٌ يقبلهُ الذين لا يملكون عقلاً ، لماذا لا تُرقِّعون لكُتُبِ حديث أهل البيت ؟ لماذا تبحثون عن كلِّ صغيرة و كبيرة في كتبِ حديثِ أهل البيت لأجل التشكيك و الطعنِ بها ..؟!
ثُمَّ إنّ هذا الكتاب يأتي إلى خيرة أصحابِ الأئمة المفضل بن عمر ، فيقول عن مؤلفه ؟ : ( فاسد المذهب مُضطَّرِبُ الرواية ) إلى آخر الكلام ، و لابدّ هنا أن نقول بأنّ تُرابَ حافر حمار المفضل أفضلُ من مليار نجاشي هو و أبيه .
و نفس الشيء حين يأتي كتاب النجاشي إلى جابر الجعفي ، ماذا يقول عنه ؟ حديث طويل يتحدَّث فيقول ما معناه أنَّ أفكارَهُ و عقيدتَهُ مُختَلِطةٌ بين الحق و الباطل : ( و كانَ في نفسه مُختلطاً .._ و يتحدَّث عن كُتُبهِ و أحاديثهِ فيقول هي موضوعة _..و ذلك موضوعٌ و اللهُ أعلم ) ، الترجمة : ٣٣٢ ترجمة جابر ابن يزيد الجعفي ، و جابر شأنهُ معروفٌ فهو حاملُ أسرارِ الأئمة صلواتُ الله و سلامه عليهم أجمعين .
هذا هو رجالُ النجاشي ، هذا هو أهمّ كتابٍ عند علمائِنا و مراجعنا ..؟!
للبحث تتمة….
[[ مقتطفات من برنامج الكتاب الناطق لسماحة الشيخ عبد الحليم الغزي الحلقة ٥ ]]