[[ علم الرجال الناصبي و دوره في تحطيم حديث أهل البيت صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين (٣) ]]
..و السؤال هنا : ما فائدةُ علم الرجال إذا كانت هذه هي النتائج ؟
سيُرقِّعونَ و يقولون صحيحٌ بأنَّ هذه الأحاديث حَكَمَ عليها علم الرجال بالإعدام ..بالضعف و عدمِ الصَّحة ..لكنَّ العلماء يقبلونها من طُرقٍ أخرى ! قطعاً لا يقبلون كُلَّ الأحاديث ، يقبلون بعضاً منها و الذي يقبلونهُ إنّما هو نزرٌ يسير ، أقول ما فائدةُ علم الرجال إذاً إذا كان العلماء يمكن أن لا يعلموا بنتائجهِ ؟! و إذا كانت نتائجهُ مُدمِّرةٌ بهذا الشكل فما الضرورة إلى هذا العلم ؟! لماذا يُذبَحُ حديثُ أهل البيت بهذا العلم ؟! لماذا يُعتبر هذا العلم في المؤسسةِ الدينية هو أساس الاجتهاد و الاستنباط ؟! _ مع أنّي أُبغِضُ مصطلح الاجتهاد هذا بُغضاً لا مثيلَ لهُ ، لأنَّ أهل البيت صلوات الله عليهم يُبغِضونه و لا يريدونه …علماءُ الشيعة جاءوا بهذا المصطلح من أعداءِ أهل البيت صلوات الله عليهم و أقحموه ، فجعلوه عنواناً مُهمّاً و مُهمّاً جداً في الثقافة الشيعية ، و لكن كيفَ أستطيع أن أتحدّث و أن أُفهم الآخرين ما لم أستعمل الاصطلاحات الشائعة التي يفهمها المُتلقي ؟!
إذن ، إذا كان علمُ الرجال بهذا السوء فلماذا يُجعلُ أساساً للاجتهادِ و للفقاهة و لاستنباط الأحكام الشرعية ؟ لو ذهبتم إلى كتب علمائنا .. مثلاً السيد الخوئي حينَ يتحدَّثُ عن مبادئ الاجتهاد في كتابهِ (التنقيح) يقول بأنَّ الاجتهاد يتوقَّفُ على شيءٍ من العربية و على علمين فقط و هما علمُ الرجال و علم الأصول .._ شيء من العربية و الأساسُ هو علم الرجال و علم الأصول !!_ و مسألةُ الأعلمية التي لا أصلَ لها عند أهل البيت صلوات الله عليهم ، حين تُطرح في الوسط الديني ، فإنّهم يُشيرونَ بذلك إلى الأعلم في علم الرجال و الأصول ، و نحن نقول ما قيمةُ هذا العلم الذي يقودنا إلى كلّ هذا الجهل بل إلى كلّ هذه الضلالة ، و ذلك حين يُحكمُ بواسطته على أكثرِ حديث أهل البيت صلوات الله عليهم بعدمِ الصّحة ؟ إنَّهُ جهلٌ و ما هو بعلم ..و لكن هذا هو الواقعُ المُرُّ الذي نعيشهُ ، لذا أقولُها مرَّةً و مرَّةً و مرَّة لمن يُتابعني : إنتبه جيّداً و احترم عقلك ..إحترموا عقولكم و شغّلوها جيّداً ، و أقولها أيضاً لنفسي قبلَ أن أقولها لغيري .
و هنا سؤالٌ يطرحُ نفسَه : من أينَ جاءَتنا هذه المصيبة ؟
جاءتنا هذه المصيبةُ من أعداءِ أهل البيت صلوات الله عليهم ، ركضَ علماؤنا فجاءوا بها من هناك ، لذا سأذهب و أنا هنا لستُ مهتمّاً بما سأطرحهُ فيما يتعلّق بالمخالفين ..لا شأن لي بمخالفي أهل البيت ، لكنَّني أطرحُ هذا توضيحاً لمن يُتابعني ، سأذهبُ إلى أهمِّ كتابٍ عندَ مُخالفي أهل البيت : ( صحيحُ البخاري ) هذا الذي يقولون بأنَّه عِدلٌ لكتابِ الله ، و أنّه أهمُّ كتابٍ و أفضلُ كتابٍ و أوثَقُ كتابٍ بعدَ كتابِ الله ..سأقرأُ أحاديثَ من هذا الكتاب لكي نرى ما هو علم الرجال و ما هي آثاره السيّئة ..
الذينَ لا عِلمَ لهم بأحاديث البخاري و لم يُطّلعوا عليه ممن يشاهدني من غير الشيعة ، من السُنة مثلاً ..سيقولون بأنَّ هذه الطبعة طبعةٌ شيعية ، و بأنَّ هذه الأحاديث التي سأذكرها هي أحاديث مكذوبة و مفتراة من قِبَلي ، و هذا الكلام لا أقولهُ على سبيل التخرُّص و إنّما سمعتهُ كثيراً ..نعم ، يقولون لِكُلِّ شيعي سواءً أنا أو غيري مِمّن يقرأ من صِحاحِهم بأنَّ هذه النُسَخ التي تقرأون منها من صحيح البخاري هي نسخ طُبِعت في إيران مثلاً ، فيُكذّبون الأحاديث و يقولون بأنّها طُبعت بأيدٍ شيعية و حُرِّفت ، و هذا ليس غريباً ، لذا فإني سأذكرُ عناوين الأبواب و ليس فقط الصفحات ، باعتبار أنَّ كتابَ صحيح البخاري مطبوع طبعات كثيرة ، مثلاً هذه الطبعة التي بين يدي عبارة عن مجلّدٍ واحد ، و هناك عدَّة طبعات في أجزاء و في مجلدات عديدة ، و لذا سأذكر رقم الصفحة من هذه الطبعة و أذكر تفاصيل الطبعة ، و أيضاً سأذكر عناوين الأبواب ، فمن لم تَكُن عندهُ النُسخة التي هي بين يدي في مكتبتهِ أو في بيتهِ يُمكنه أن يُراجع الفهرست و يُراجع عناوين الأبواب حتّى يتأكد من صحِّة ورود هذه الأحاديث في صحيح البخاري ، أنا هنا لا أريدُ أن أُشكِل على صحيح البخاري ، فلا شأن لي بصحيح البخاري و لا شأنَ لي بصحيح البخاري و لا شأنَ لي بمن يعتقدُ بهِ و يعتبرهُ الكتاب الذي يلي كتاب الله ، لا شأنَ لي بهؤلاء القوم ، فحديثي هو عن الواقع الشيعي ، لأنّي أريد أن أبيّن من أينَ جاءَتنا هذه المشكلة .
إذا ذهبتَ إلى آخر حديث مُرقّم في صحيحِ البخاري تجده تحت رقم ٧٥٦٣ ، يعني البخاري بحسب هذه الطبعة لابدّ أن يحتوي على ٧٥٦٣ حديث ، و لكن الذين يعرفون البخاري يعلمون بأنَّ أحاديث البخاري أقل من ذلك بكثير ، لماذا ؟ لأنَّ البخاري في كتابهِ يُمكن أن يذكر الحديث الواحد أكثر من عشر مرات ، فهو يورد نفس الحديث في أبواب مختلفة ، لأنّه بحسب ما يتصوّر أنَّ هذا الحديث يتناسب مع هذا الباب ، و مع ذلك الباب ..أو مع تلك الفصول و العناوين المختلفة التي عنون بها الموضوعات أو الأبواب أو الأجزاء أو الأقسام ، سمِّ ما شئت ، فهو قد قسَّم كتابهُ إلى كُتب و إلى أبواب و عناوين كثيرة فلربّما يُورد الحديث الواحد في أبواب عديدة و كثيرة جداً ، لذلك صار عدد الأحاديث ٧٥٦٣ حديثاً ، بينما العدد الأصلي لأحاديث البخاري هو ٢٧٦١ بحسب ضبط ابن حجر العسقلاني ، و هو من أكثر المتخصّصين في صحيحِ البخاري ، و شرحُ ابن حجر هو أهم شروح البخاري ، و هو شرح كبير و مفصّل ، فبحسب ابن حجر العسقلاني عدد الأحاديث ٢٧٦١ حديث ، و لكن بحسب الطبعات الموجودة عدد الأحاديث ٧٥٦٣ ، لأنَّ الأحاديث تتكرّر ، يعني عدد الأحاديث الأصلية في كتاب البخاري أقل من ثلاثة ألاف ، و الطبعة التي بينَ يديّ هي طبعة دار صادر ، بيروت لبنان ، الطبعة الأولى ، ٢٠٠٤ ميلادي ، ١٤٢٥ هجري ، بمقدمة نوّاف الجراح ، و أنا أخترت هذه الطبعة لأنني وجدتُها الأفضل من بين الطبعات الأخرى فضلاً عن أنّها مطبوعة في مجلدٍ واحد .
قبل أن أذهب إلى الأحاديث التي اخترتُها من صحيح البخاري ، هذا المجلّد الذي بيدي هو المقدمة من كتاب (( فتح الباري في شرح صحيح البخاري )) و هو موسوعة كبيرة ، ماذا يقول ابنُ حجر العسقلاني في المقدمة : (( إعلم علَّمني اللهُ و إيّاك _ الخطاب للقارئ _ أنَّ آثارَ النبي صلى الله عليه و سلم _ المراد من الآثار ، جمع أثر و هي الأحاديث _ لَم تَكُن في عصرِ أصحَابهِ و كِبَارِ تَبَعِهم مُدوّنةً في الجَوامِع و لا مُرتّبة _ يعني الأحاديث التي جاءت عن النبي بحسب ما يعتقدون لم تكن مدوّنة لا في عصر الصحابة و لا في عصر التابعين و تلك حقيقة يعرفها كُلِّ المختصّين ، و الجوامع يعني الجوامع الحديثية _ و لا مُرتّبة لأمرين : أحدهُما أنّهم كانوا في إبتداءِ الحال قَد نُهو عن ذلك _ هم يروون أحاديث عن النبي بأنَّهُ نهاهم عن كتابة الحديث ، و الحال أنّ الأمر لم يكن كذلك ، لكن نحنُ و ما يقولون _ كما ثَبَت في صحيح مسلم خشيةَ أن يختَلِط بعضُ ذلك بالقُرآن العظيم ، و ثانيهُما لسعةِ حفظِهِم و سَيلان أذهانِهِم و لأنَّ أكثرَهُم كانوا لا يعرفونَ الكتابة ، ثمَّ حدث في أواخرِ عصرِ التابعين تَدوينُ الآثار و تبويبُ الأخبار لَمَّا انتشرَ العلماء في الأمصار و كَثُرَ الابتِداع من الخوارج و الرّوافض و مُنكري الأقدار ، فأوّل من جَمَع ذلك ..إلى آخرهِ ) .
هذه هي الأحاديث التي نُقِلت ، كما هُم يزعمون عن النبي فهي لم تُكتب و لم تُجمع إلَّا في فترةٍ متأخّرة .
بينما نحنُ عندنا إمامٌ معصوم بعدَ إمامٍ معصوم و كانَ الأئمةُ صلواتُ الله عليهم يأمرون أصحابهم بكتابةِ الحديث بين أيديهم ..هذا الكافي الشريف ، إمامُنا الصادق صلوات الله عليه يقول لأصحابه _ : (( القَلبُ يَتَّكِلُ عَلَى الكِتَابة )) _ أي أنّه لا يكفي الحفظ في الذاكرة .
و هذا أبو بصير يُحدِّثنا عن الإمام الصادق عليه السلام : (( أُكتُبُوا فَإنَّكم لا تَحفَظُون تَكتبوا )) .
و هذا عُبيدُ ابنُ زُرارة يُحدِّثنا عن الصادق صلوات الله عليه : (( إحتَفِظُوا بِكُتُبِكُم فَإنَّكُم سوفَ تَحتَاجُونَ إليها )) .
و هذا المفضل بن عمر يقولُ له الإمام الصادق صلوات الله عليه : (( أكتُب و بُثَّ عِلمَك في إخوَانِك فَإن مِتَّ فَأَورِث كُتُبَكَ بَنيك فَإنَّهُ يَأتي على الناس زَمَانٌ هَرجٍ لا يَأنَسُونَ فيه إلَّا بِكُتُبِهِم )) .
و هذا جميل ابنُ درّاج ينقلُ عن إمامنا الصادق صلوات الله عليه : (( أَعرِبُوا حَديثَنَا فَإنَّا قَومٌ فُصَحَاء )) الإمام ليس فقط يأمُر بالكتابة بل يأمر بالإعراب أيضاً ، زيادةً في الدقّة .
و هذا محمد بن الحسن ابن أبي خالد يقول للإمام الجواد صلوات الله عليه : (( جُعِلتُ فداك إنَّ مَشَايخَنَا رَوَوا عن أبي جعفر _ يعني الباقر صلواتُ الله عليه _ و أبي عبد الله _ يعني الصادق صلوات الله عليه _ و كانَت التَقِيَّةُ شَديدَة فَكَتَمُوا كُتُبَهُم _ خوفاً من الظالمين _ و لَم تُروَ عَنهُم فَلَمَّا مَاتوا صَارَت الكُتُبُ إلينا ، فقال : أي إمامنا الجواد صلوات الله عليه : حَدِّثُوا بِهَا فإنَّها حَقَّ ))_ ذلك لأنَّها كُتِبَت بينَ أيديهم و بإشرافهم صلوات الله عليهم .
فنحنُ من إمامٍ معصوم إلى إمامٍ معصوم و الأحاديثُ تُكتَب و الأئمةُ عليهم السلام موجودون ، و هكذا وصلتنا الأحاديث ، فأحاديثنا محفوظةٌ ، و حديثُ الثقلين أدلُّ دليلٍ على حفظِ أحاديثنا ، ذلك أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال بأنَّ الكتابَ و العترة لن يفترقا حتّى يردا عَلَيَّ الحوض ..أفليسَ الحديثُ هو أهمُّ أثرٍ من آثارهم ؟ فكما أنّ عندنا القرآن و هو كلام الله ، كذلك عندنا الحديث الشريف و هو كلامهم ، و لا أُريد الآن أن آخُذَكم إلى هذه الجهة .
أعود إلى الكلام الذي ذكرهُ ابن حجر في فتحِ الباري ، فهو تحدَّث عن هذه الحقيقة ، و هي أنَّ الأحاديث لم تُكتَب ، بل أنَّ الخليفةَ أبا بكر أحرق الأحاديث ، و عمر كذلك ، و عثمان أحرق المصاحفَ و الأحاديث ، و عمر ضربَ الناس و منعهم عن رواية الحديث ، و كان الصحابةُ كما ورد في كتبِ القوم يخافون أن يُحدِّثوا بحديث النبي ، و لا أريدُ التفصيل الكثير في هذه القضية ، ماذا يقول البخاري كما ينقل عنه ابنُ حجر : (( خَرّجتُ الصحيحَ _ هذا الكلام موجود في صفحة : ٥ ، و هذه الطبعة طبعة دار إحياء التراث العربي مع مقدمة للأستاذ حسن عباس زكي _ خَرّجتُ الصحيحَ من ستمائة ألف حديث )) _: دقِّقوا النظر معي في هذا الكلام ، البخاري يقول بأنَّه خرَّج هذا الكتاب و الذي قلتُ قبل قليل بأنَّ مجموعَ أحاديثهِ بحسب ابنِ حجر العسقلاني : ٢٧٦١ حديث خرّجها من ستمائة ألف حديث ، و هذا في نظرهِ الصحيح !! باللهِ عليكم إذا كانت هذه الأعداد الضخمة من الأحاديث ستمائة ألف حديث لم تكن صحيحةً في نظرهِ ، و لم تستحق أن تُدوّن في هذا الكتاب و اكتفى بهذا العدد القليل ، فمن قال بأنَّ هذا العدد القليل من الأحاديث هو الصحيح ؟ هل البخاري يعلمُ الغيب ؟ إذا كانت هذه الكمية الهائلة من الأحاديث ، ستُمائة ألف حديث خرّج منها فقط : ٢٧٦١ ، يعني أتعلمون كم هي النسبة ؟ يعني من كل مئة ألف حديث استخرج ٤٦٠ حديث ، تتصوّرون كم العدد المتبقّي ؟ يعني أنّ هناك ٩٩٥٤٠ حديث من كل مائة ألف حديث ، هذه لم يجد البخاري أنّها تستأهل أن تُكتب في كتابهِ الصحيح ، فمعنى ذلك أنَّ هذا الكتاب لابدّ أن يكون جوهرةُ الجواهر !! نعم ، من حقّهم أن يقولوا بأنّه أفضلُ كتابٍ بعدَ كتابِ الله ، فعلى أيِّ أساسٍ اعتمد ؟ اعتمدَ على أساسِ قواعدِ علم الرجال !! لماذا ؟ لأنّ المخالفين وجدوا عندهم هذا الرُّكام الهائل من الأحاديث التي هي آلاف و عشرات الآلاف تتناول معاني خرافية و معاني هزيلة و معاني مُضحكة و سخيفة ، فماذا يصنعون ؟ أرادوا أن يبنوا لأنفسهم بُنياناً و يؤسّسوا لدينهم أساساً ، فاخترعوا علم الرجال ، لأجل أن يقولوا بأنَّ تلك الأحاديث ما هي بأحاديثنا ، و الأحاديث الصحيحة هي هذه ، فعلى أساسِ قواعدِ علم الرجال ، على أساس قواعد التمييز في الأسانيد و في الرواة ، اختار البخاري هذه الأحاديث فوضعها في هذا الكتاب ، تصوّروا معي ، هناكَ ستُمائة ألف حديث اختار منها فقط : ٢٧٦١ يعني هذه جواهر جواهر الجواهر من أحاديثهم ، و لذلك يعتبرونَ ما يعتبرون لصحيح البخاري من المنزلةِ عندهم ، أنا هنا أريد أن أنتقيَ أحاديث من صحيح البخاري لنرى هذه الجواهر الموجودة في صحيح البخاري ، و الَّتي انتقاها البخاري وفقاً بقواعدِ علمِ الرِّجال و ما يسمّى بشروط البخاري ، أليس للبخاري شروط في اختيارِ الحديث ؟ هذه الشروط مضمونها و جوهرها هو السند و ذلك هو علمُ الرجال .
بحسب هذه الطبعة التي بينَ يديّ صفحة : ١٢٣٥ ، كتابُ التعبير ، بابُ أوّلُ ما بُدِئَ بهِ رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة ، رقم الحديث : ٦٩٨٢ ، و من لم تكن عندهُ هذه النسخة فليُراجع هذا الباب ( كتاب التعبير ، بابُ أوّلُ ما بِدِئَ بهِ رسول الله من الوحي ، الرؤيا الصالحة ) ، أول حديث في هذا الباب منقول عن عائشة ، الحديث طويل و في آخرهِ ماذا تقول ؟ : (( و فَتَرَ الوحيُّ فترةً حتَّى حَزِن النبي فيمَا بَلَغَنا حُزناً غَدا منهُ مِراراً كي يتردّى من رؤوسِ شواهِقِ الجبال _ إنقطعَ الوحي عن النبي ، النبي أُصيبَ بصدمةٍ فماذا فعل ؟ ذهب كي ينتحر بأن يلقي بنفسه من فوق جبلٍ عالٍ ! _ فَكُلَّما أوفى بِذروَةِ جبل لِكَي يُلقيَ مِنهُ نَفسَه تبدّى لَهُ جبرئيل فَقال يا محمد إنَّك رسول الله حَقَّاً فيسكُنُ لذلك جأشُه و تَقرُّ نفسه فيرجع فإذا طالَت عليه فترَةُ الوحي غدا لمثلِ ذلك فإذا أوفى بِذروَةِ جبل تبدّى لَهُ جبرئيل فقال لَهُ مثلَ ذلك ))_ أيُّ نبيٍّ هذا لا يكون متيقّناً من نبوتهِ ؟! و أيُّ رسولٍ هذا ليس متأكّداً من رسالتهِ ؟! و هل جرى مثل هذا في نبيِّ من الأنبياء سابقاً و هل حدّثنا القرآن عن شيءٍ من ذلك ؟ فهل هذا حديثٌ صحيح ؟ هل هذا الكلامُ كلامٌ صحيح ؟ أنا أخاطبكم ، أُخاطبُ الشيعة و لا شأنَ لي بالسُنّة ، و حتى السُنيُّ لو كان مُنصفاً فإنَّهُ سيجدُ هذا الحديث حديثاً باطلاً ، لكنَّ لا حديثَ لي مع السني ، حديثي هو مع الشيعي ..هذا الكتاب استُخرج من ستمائة ألف حديث ، هذه جواهرُ الجواهر ، و احتاجوا في ذلك إلى علم الرجال الذي ما هو بعلمٍ ، إنَّهُ جهلٌ ، إذ كيفَ لنا أن نعرفَ أحوالَ الرجال ؟ أحوالُ الرجال في بواطنهم ، كيف لنا أن نعلمَ ذلك ، و الرجالُ يختلفونَ فيما بينهم و أحدُهُم يُشوِّهُ سُمعةَ الآخر ، كيف لنا أن نعرف حقائق الأمور ؟ إذن هذا ما هو بعلمٍ بل هو جهلٌ و جهالةٌ ..النبيُّ يُحاولُ الانتحارَ عدَّة مرّات ، أيُّ نبيٍّ هذا ؟ و أيَّةُ نبوّةٍ هذهِ ؟ و كيفَ يُطالبنا أن نُوقِنَ به و هو ليس موقناً بنفسه ؟ أليس النبيُّ الأعظم يتشوّقُ إلى إخوانهِ في آخرِ الزمان و يقول بأنَّهم قومٌ آمنوا بسوادٍ على بياض ، يؤمنونَ بي و يُحبُّونني ؟ يعني آمنوا بكلامٍ مكتوبٍ على ورق ، نحنُ كذلك آمنّا بسوادٍ على بياض ، آمنا و أيقنّا بكَ يا رسول الله ، فهل من المعقول أنَّ رسول الله لم يكن موقناً بنبوتهِ و برسالتهِ ؟! هذه هي الأحاديثُ الصحيحة ؟! هذا هو رسول الله ؟! يُريد أن يتردّى من شواهق رؤوس الجبال و يريد أن ينتحر ، لأنّه غير موقن ؟!
زُعماءُ الإلحاد يطمئنُونَ إلى إلحادهم ، زعماء الشيوعية و الماركسيون يطمئنون إلى ماركسيّتهم و لا يفكّرونَ هكذا ، كلُّ الديانات الباطلة زعماؤها يتمسّكونَ بها و لا يُفكِّرونَ في الانتحار ، فما بالُ نبيُّنا يُحاولُ الانتحار و يريد أن يتردّى من رؤوس شواهقِ الجبال ؟!
و نبيُّنا أيضاً و الحديث في صحيح البخاري عن عائشة ، تقول و الحديثُ بحسبِ الطبعة التي بينَ يدي صفحة : ٩٢٧ ، رقم الحديث : ٥٠٣٧ ، بابُ نسيانِ القرآن من كتاب فضائل القرآن ، و هو يقول نسيتُ آية كذا و كذا ، ماذا تُحدِّثنا عائشة ؟ : (( سَمِع النبيُّ رَجُلاً يقرأُ في المسجد فقال : يَرحمهُ الله لقد أَذكَرني كذا و كذا آيةً من سورة كذا ))_ فمُحمَّدٌ صلى الله عليه و آله شخصٌ نَسِيٌّ ، و قد نسي قرآنه ! فلماذا إذن يُطالبنا المصطفى صلى الله عليه و آله أن نحفظَ الثقلين ، أن نحفظَ كتابهُ و عترته ؟ و الحال أنّه ينسى كما تقول عائشه !
في موطنٍ آخر من صحيحِ البخاري أيضاً عن عائشة : صفحة : ٤٦٦ بحسب الطبعة التي بين يدي الحديث : ٢٦٥٥ ، كتابُ الشهادات ، بابُ شهادة الأعمى و أمرهِ و نكاحهِ و إنكاحهِ و مبايعته و قبولهِ في التأذينِ و غيره و ما يُعرَفُ بالأصوات ، عائشة تقول : (( سَمِع النبيُّ رَجُلاً يقرأُ في المسجد _ يبدو هذه حادثة ثانية _ فقال : رَحِمهُ الله لقَد أَذكَرني كذا و كذا آيةً أَسقطتُهنَّ من سورة كذا و كذا )) هذه المرة أسوأ من المرة السابقة ، الحديث السابق ماذا قال النبي بحسب رواية عائشة و هو افتراءٌ على رسول الله صلى الله عليه و آله ؟ قال بأنَّ هذا الرجل الذي ترحّمَ عليه و دعا له قد أذكَرَهُ آية كذا و كذا من سورة كذا فإنَّ النبي قد نسيها ، هنا الرواية تُفيد بأنَّ النبي قد أسقطَها من السورة ، ليس فقط نسيها بل حذفها من السورة ..أيُّ نبيٍّ هذا ؟! و أيُّ قرآنٍ هذا ؟! و علماؤنا يريدون منّا أن نتّبع نفسَ هذا المنهج الذي اتّبَعَهُ البخاري !! فبحسبِ هذا الرواية يكون أوّلُ مُحرِّفٍ للقرآن هو رسول الله صلى الله عليه و آله ، لأنّه هو الذي أسقط الآيات ، و الروايةُ عن عائشة و المصدرُ صحيح البخاري !!
للبحث تتمة….
[[ مقتطفات من برنامج الكتاب الناطق لسماحة الشيخ عبد الحليم الغزي الحلقة ٣ ]]